تقارير

كيف تعيد الأبوة تشكيل دماغ الرجل؟

تؤكد الدراسات أن الأبوة تُحدث تغيرات هرمونية وعصبية لدى الرجال، تشمل انخفاض التستوستيرون وارتفاع الأوكسيتوسين، ما يعزز سلوك الرعاية والتعلق بالأطفال.

مشاركة:
حجم الخط:

لطالما ارتبطت التحولات البيولوجية المرتبطة بإنجاب الأطفال بالأمهات، من تغيرات هرمونية وجسدية ونفسية تسبق الولادة وتتبعها.

 لكن دراسات علمية متزايدة تكشف اليوم أن الرجال أيضاً يمرّون بسلسلة من التغيرات العميقة عند دخولهم مرحلة الأبوة.

 تشمل الهرمونات والدماغ والسلوك، بما ينعكس مباشرة على علاقتهم بأطفالهم واستقرار الأسرة.

وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأبوة ليست مجرد دور اجتماعي أو ثقافي، بل تجربة بيولوجية متجذرة في الطبيعة البشرية،

تُفعّل لدى الرجل قدرات الرعاية والارتباط والحماية، خصوصاً كلما زادت مشاركته الفعلية في تربية الطفل.

التحولات تبدأ قبل الولادة

يعتقد كثيرون أن ارتباط الأب بطفله يبدأ بعد الولادة، إلا أن الدراسات تشير إلى أن التغيرات البيولوجية قد تبدأ خلال فترة الحمل نفسها.

فقد أوضحت أبحاث أجراها علماء في جامعة إيموري الأمريكية أن الرجال المنتظرين قدوم أطفالهم أظهروا انخفاضاً في بعض الهرمونات،

مثل التستوستيرون والفازوبرسين، حتى قبل الولادة بعدة أشهر، مقارنة برجال آخرين ليسوا في المرحلة نفسها.

ويرى الباحثون أن مجرد معرفة الرجل بأنه سيصبح أباً، أو تفاعله النفسي مع حمل زوجته،

قد يطلق استجابات بيولوجية مبكرة تهيئه للدور الجديد.

انخفاض التستوستيرون… إشارة إلى الاستعداد للرعاية

يُعرف هرمون التستوستيرون بارتباطه بالمنافسة والطاقة والسلوك الاندفاعي،

 لكن الدراسات وجدت أن انخفاضه قد يكون جزءاً مهماً من التحول نحو الأبوة.

وفي واحدة من أبرز الدراسات، تابع علماء مشروعاً بحثياً في مدينة سيبو بالفلبين شمل 624 رجلاً،

جرى قياس مستويات التستوستيرون لديهم ثم إعادة الفحص بعد أربع سنوات.

وأظهرت النتائج أن الرجال الذين أصبحوا آباء خلال تلك الفترة سجلوا انخفاضاً ملحوظاً في مستوى الهرمون مقارنة بغير الآباء،

كما كان الانخفاض أكبر لدى من شاركوا بدرجة أعلى في رعاية أطفالهم، أو قضوا وقتاً أطول معهم، أو تشاركوا النوم مع الرضع.

ويفسر العلماء ذلك بأن تراجع التستوستيرون قد يساعد الرجل على التحول من نمط المنافسة الخارجية إلى نمط الرعاية والهدوء

 والاستجابة لاحتياجات الأسرة.

هرمون الحب لا يخص الأمهات وحدهن

من أبرز المفاجآت التي كشفتها الأبحاث ارتفاع مستويات هرمون الأوكسيتوسين لدى الآباء أيضاً،

وهو الهرمون المعروف بدوره في الترابط العاطفي والثقة والمودة.

وأظهرت دراسات أن مستوى الأوكسيتوسين يرتفع لدى الرجل عندما يحمل طفله حديث الولادة،

أو يلامسه مباشرة، أو يقضي وقتاً في اللعب والتفاعل معه.

كما لاحظ الباحثون أن الآباء الأكثر انخراطاً في الرعاية اليومية يسجلون مستويات أعلى من هذا الهرمون،

ما يعزز علاقة أقوى بين الأب وطفله، ويخلق دائرة إيجابية: كلما زاد التفاعل، ارتفع الهرمون، وكلما ارتفع الهرمون، زادت الرغبة في التفاعل.

البرولاكتين والفازوبرسين… أدوار غير متوقعة

لم تتوقف التحولات عند التستوستيرون والأوكسيتوسين، بل امتدت إلى هرمونات أخرى.

فقد كشفت أبحاث أن البرولاكتين، المعروف غالباً بعلاقته بالرضاعة لدى النساء،

يرتبط أيضاً لدى الرجال بدرجة التعلق بالجنين قبل الولادة، ويمكن أن يتنبأ بمستوى مشاركة الأب لاحقاً في الرعاية.

أما الفازوبرسين، المرتبط في بعض الحيوانات بالسلوك الدفاعي والارتباط بالمكان،

فقد تبين أنه يتغير لدى الآباء الجدد أيضاً، ما يشير إلى دوره المحتمل في تعزيز الحماية والانتباه للأسرة.

تغيّرات في دماغ الرجل بعد الإنجاب

التغيرات لا تحدث في الدم فقط، بل تمتد إلى الدماغ نفسه.

فقد استخدم باحثون تقنيات تصوير عصبي لمتابعة رجال قبل الولادة وبعدها، وتبين وجود تعديلات في مناطق مرتبطة بالتعاطف،

 والانتباه، واتخاذ القرار، والاستجابة السريعة لإشارات الطفل مثل البكاء أو الحركة.

ويرى علماء النفس أن هذه المرحلة تشبه إلى حد ما المراهقة الثانية،

إذ يمر الدماغ بمرحلة إعادة تنظيم للتكيف مع مسؤوليات جديدة وتحديات مختلفة تماماً عن السابق.

كلما شارك الأب أكثر… تغيّر أكثر

واحدة من أكثر النتائج ثباتاً في هذا المجال أن التحولات البيولوجية ترتبط بدرجة مشاركة الأب.

فالآباء الذين يطعمون أطفالهم، يغيّرون ملابسهم، يسهرون معهم، يلعبون معهم، أو يتحملون مسؤوليات يومية حقيقية،

يظهر لديهم تغير أكبر في الهرمونات والدماغ مقارنة بمن يكتفون بالدور التقليدي البعيد.

ويصف بعض العلماء هذه القاعدة بعبارة بسيطة: استخدمها أو افقدها، أي أن قدرات الرعاية تتعزز بالممارسة المستمرة.

فوائد مباشرة للأم والطفل

لم تتوقف الآثار عند الأب نفسه، بل امتدت إلى الأسرة كاملة.

فقد أظهرت دراسات في دول عدة، منها الولايات المتحدة وباكستان وكينيا، أن الأمهات اللواتي يحظين بشركاء أكثر مشاركة في رعاية

الأطفال يتمتعن بصحة نفسية أفضل وضغوط أقل.

كما وجدت دراسة تابعت 292 أسرة لمدة سبع سنوات أن الأطفال الذين لديهم آباء أكثر انخراطاً في

الرعاية أظهروا صحة قلبية أفضل مقارنة بغيرهم.

ماذا تعني هذه النتائج للمجتمع؟

يرى خبراء أن هذه الاكتشافات يجب أن تنعكس على السياسات العامة، من خلال:

دعم إجازات الأبوة

منح الرجال وقتاً حقيقياً بعد الولادة لبناء علاقة مبكرة مع الطفل.

إشراك الأب أثناء الحمل

مثل حضور الفحوصات الطبية، والمتابعة الصحية، والاستعداد النفسي للولادة.

تغيير الصورة النمطية

الانتقال من اعتبار الأب “مساعداً” إلى شريك أساسي في التربية والرعاية.

الخلاصة

الأبوة ليست مجرد لقب جديد للرجل، بل عملية تحول بيولوجي ونفسي متكاملة تعيد تشكيل دماغه وهرموناته وسلوكه.

ومع كل لحظة يقضيها الأب مع طفله، تتعمق هذه التغيرات، ليصبح أكثر ارتباطاً، وأكثر استجابة،

 وأكثر قدرة على بناء أسرة مستقرة وصحية.

وتؤكد الأبحاث الحديثة أن الرجل لا يُولد أباً فقط… بل يتغيّر ليصبح كذلك.

شارك المقال: