عزت إبراهيم يكتب: تصعيد بلا نهاية (الحرب الأمريكية على إيران)
الطرفين لم يعودا يتعاملان مع الحرب باعتبارها مواجهة (محدودة) يمكن احتواؤها داخل إيران أو في مضيق هرمز، وإنما باعتبارها صراعا إقليميا على شبكات الحركة والطاقة والإمداد والردع.

صورة تعبيرية للمقال
قراءة تحليلية للموقف الحالي في الحرب الأمريكية-الإيرانية
تكشف التطورات المتلاحقة خلال الساعات الأخيرة أن الحرب الأمريكية الإيرانية دخلت مرحلة أكثر اتساعا وخطورة، بعدما انتقلت العمليات من ضرب المواقع العسكرية ومخازن الصواريخ ومراكز القيادة إلى استهداف المعابر والطرق والجسور ومحطات الكهرباء والممرات البحرية.
ويعني هذا التحول أن الطرفين لم يعودا يتعاملان مع الحرب باعتبارها مواجهة (محدودة) يمكن احتواؤها داخل إيران أو في مضيق هرمز، وإنما باعتبارها صراعا إقليميا على شبكات الحركة والطاقة والإمداد والردع.
وتعمق التهديدات الأمريكية بضرب البنية التحتية، والوعود الإيرانية بالرد بالمثل، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، والضربات على الكويت والعراق، دورة تصعيد تنتج أسباب استمرارها بنفسها، لأن كل جبهة جديدة تتيح لأحد الأطراف مبررا لفتح جبهة أخرى، فيما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريتش من أن الأزمة تخرج تدريجيا عن السيطرة.
يحمل استهداف الجانب الإيراني من معبر شلمجة الحدودي مع العراق دلالة عسكرية تتجاوز الخسائر المباشرة التي خلفتها الضربة، لأن المعبر يمثل إحدى العقد الرئيسية التي تربط محافظة خوزستان بجنوب العراق وتسمح بانتقال الأشخاص والبضائع والمعدات بين البلدين.
ويشير ضمه إلى قائمة الأهداف إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى تعطيل البيئة اللوجستية التي تعتمد عليها القوات الإيرانية والجماعات المتحالفة معها، وليس فقط تدمير منصات الصواريخ والطائرات المسيرة بعد اكتشافها.
وقد سبق أن استهدفت القوات الأمريكية جسورا وخطوط سكك حديد وطرق نقل في جنوب إيران بهدف إبطاء حركة الصواريخ ومكوناتها، ما يضع ضربة شلمجة ضمن حملة أوسع تستهدف قدرة إيران على إعادة الانتشار وإصلاح الخسائر والمحافظة على تدفق الإمدادات بين الجبهة الداخلية وشبكات نفوذها الإقليمية.
لا تثبت ضربة شلمجة في حد ذاتها أن الولايات المتحدة تستعد لإرسال قوات برية واسعة إلى إيران، رغم أن موقع المعبر يسمح بطرح فرضيات تتعلق بعمليات خاصة أو اختراقات استخباراتية أو دعم جماعات مسلحة معارضة.
وتحتاج أي حملة برية كبيرة إلى حشود معلنة، وقواعد انطلاق قريبة، وقدرات نقل وحماية وإمداد يصعب إخفاؤها، كما تحمل كلفة سياسية وبشرية تتعارض مع رغبة إدارة ترامب في تحقيق نتائج عسكرية من دون تكرار تجارب العراق وأفغانستان.
وقد تستهدف واشنطن بدلا من ذلك عزل ساحات العمليات الإيرانية، وقطع طرق الحركة، وتسهيل عمليات محدودة تنفذها وحدات خاصة أو طائرات مسيرة أو مجموعات محلية.
ويرى هذا التقييم أن ضرب المعابر لا يمثل مقدمة ضرورية للغزو، وإنما أداة لإضعاف الترابط بين الجغرافيا الإيرانية وشبكاتها العسكرية العابرة للحدود.
يضع استهداف معبر شلمجة العراق في موقف بالغ الصعوبة، لأن بغداد تحاول منذ بداية الحرب منع استخدام أراضيها ممرا للعمليات الإيرانية أو منصة للهجمات الأمريكية، بينما تكشف طبيعة العلاقات السياسية والأمنية داخل العراق محدودية قدرة الحكومة على ضبط جميع الفصائل والحدود.
وقد يدفع تكرار الضربات قرب المعابر إلى إغلاق طرق التجارة، وإضعاف الاقتصاد المحلي في البصرة، وفتح المجال أمام اشتباكات بين القوات العراقية والجماعات المسلحة، كما قد يجبر بغداد على اتخاذ مواقف أكثر وضوحا تجاه الوجود العسكري الأمريكي.
وتستطيع إيران أيضا استخدام الضغط على العراق للرد على الضربات من دون استهداف الولايات المتحدة مباشرة، ما يجعل الأراضي العراقية منطقة عازلة هشة يمكن أن تتحول سريعا إلى ساحة حرب مفتوحة.
يكمل الهجوم بالطائرات المسيرة على معبر العبدلي بين العراق والكويت صورة الحرب على خطوط الإمداد، لأن الكويت تمثل مركزا رئيسيا للوجود اللوجستي الأمريكي في الخليج، وتوفر طرقها البرية والموانئ والقواعد الموجودة على أراضيها دعما مستمرا للقوات المنتشرة في العراق والمنطقة.
ويشير استهداف المعبر إلى أن إيران أو القوى المتحالفة معها قد تسعى إلى رفع تكلفة الحركة الأمريكية وتعطيل الممرات التي تسمح بنقل المعدات والذخائر والأفراد، بدلا من الاكتفاء بمهاجمة القواعد المحصنة.
ولا تسمح المعلومات المعلنة حتى الآن بإسناد الهجوم نهائيا إلى جهة محددة، غير أن وقوعه ضمن موجة من الهجمات الإيرانية على مواقع في الكويت والبحرين والأردن يعزز الاعتقاد بأن طهران توسع نطاق ردها على الدول التي تستضيف القوات الأمريكية أو تسهل عملياتها.
يظهر الربط بين شلمجة والعبدلي أن الطرفين يطبقان منطق الخنق اللوجستي المتبادل:
تضرب الولايات المتحدة المنفذ الذي يربط إيران بالعراق، بينما تستهدف إيران أو حلفاؤها المنفذ الذي يربط العراق بالكويت وشبكة الانتشار الأمريكية.
ويحول هذا المنطق الحدود الدولية إلى امتداد مباشر لساحة الحرب، كما يهدد بتعطيل التجارة المدنية وحركة المسافرين والعمالة ومرور السلع الأساسية.
وقد يحقق استهداف المعابر أثرا عملياتيا مؤقتا، غير أنه يخلق في الوقت نفسه دوافع للتوسع الجغرافي، لأن كل دولة تتعرض أراضيها أو حدودها للضرب ستطالب بحماية أمريكية أكبر أو ستضغط لمنع استخدام أراضيها، ما يعيد تشكيل علاقات واشنطن العسكرية مع دول الخليج والعراق تحت ضغط الحرب.
تكشف إعادة فتح الملاجئ في مدن إسرائيلية ورفع مستويات الاستعداد المدني أن المؤسسات الأمنية الإسرائيلية تتعامل بجدية مع احتمال تعرض البلاد لهجمات صاروخية إيرانية جديدة.
ولا يعني فتح الملاجئ امتلاك معلومات مؤكدة عن موعد الهجوم، لكنه يعكس تقديرا بأن انتقال الولايات المتحدة إلى استهداف منشآت أكثر حساسية قد يدفع إيران إلى توسيع ردها ليشمل إسرائيل، حتى عندما لا تشارك القوات الإسرائيلية علنا في العملية.
وترى طهران أن إسرائيل توفر للولايات المتحدة معلومات استخباراتية ودعما دفاعيا وخبرة في تحديد الأهداف، ولذلك يصعب عليها الفصل بين الطرفين في لحظة التصعيد.
وقد تسعى إيران أيضا إلى ضرب إسرائيل لإعادة توحيد جبهتها الداخلية وإثبات أن استنزاف قدراتها خلال الشهور الماضية لم يمنعها من الاحتفاظ بقدرة صاروخية استراتيجية.
يرى تقييم إسرائيلي متشدد أن الضربات الأمريكية تتيح فرصة نادرة لتدمير قدرات إيران الصاروخية والنووية وإضعاف الحرس الثوري إلى درجة يصعب معها إعادة بناء قوته سريعا، ولذلك يدعو أصحاب هذا الاتجاه إلى مواصلة الضغط حتى تحقيق تغيير جوهري في ميزان القوى.
ويقابل هذا التقييم اتجاه أكثر حذرا يخشى أن يؤدي دفع إيران إلى الزاوية إلى إطلاق ما تبقى لديها من صواريخ على المدن الإسرائيلية أو منشآت الطاقة والموانئ، وأن يؤدي ضرب المنشآت النووية إلى تسريع قرار طهران بإنتاج سلاح نووي.
كما أظهرت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس وجود توترات داخل واشنطن بشأن محاولات إسرائيلية مزعومة للتأثير في الرأي العام الأمريكي وإضعاف فرص الدبلوماسية، مما يؤكد أن التوافق بين الطرفين حول إضعاف إيران لا يلغي الخلاف حول حدود الحرب ونهايتها.
يحمل تقليص الوجود الدبلوماسي الغربي في إيران والمنطقة دلالة احترازية مهمة، لأنه يكشف أن الحكومات الأوروبية لم تعد تثق في قدرة الأطراف على إبقاء الهجمات داخل نطاق يمكن التنبؤ به.
وتلجأ السفارات عادة إلى سحب الموظفين غير الأساسيين أو إجلاء العائلات عندما تتزايد مخاطر انهيار الاتصالات أو توقف الطيران أو تعرض المنشآت الأجنبية لهجمات انتقامية.
ولا يعني ذلك أن فرنسا وبريطانيا تمتلكان معلومات مؤكدة عن ضربة وشيكة، كما تحتاج التقارير المتعلقة بإغلاق السفارات بالكامل إلى تدقيق.
غير أن تسارع خطوات الإجلاء يؤكد اتساع الفجوة بين الخطاب الأمريكي الذي يتحدث عن السيطرة على العمليات والتقييم الأوروبي الذي يرى أن مسارات التصعيد قد تتحرك أسرع من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.
يوسع تحميل الرئيس دونالد ترامب إيران المسؤولية عن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر قواعد الاشتباك الأمريكية بصورة بالغة الخطورة، لأنه يسمح لواشنطن بالرد داخل إيران على عمليات تنفذها قوة مسلحة في اليمن.
وقد تعهد ترامب بإنزال عقاب عسكري كبير بإيران وحلفائها بعد استهداف ناقلتي نفط سعوديتين، فيما تجاوز سعر النفط مئة دولار للبرميل وارتفعت تكاليف التأمين البحري نتيجة المخاوف من تعطيل باب المندب.
ويعتمد هذا المنطق على اعتبار الحوثيين جزءا من منظومة عسكرية إيرانية موحدة، بينما يرى تقييم آخر أن الجماعة تحتفظ بقدر من الاستقلال في اختيار توقيت عملياتها وأهدافها.
وتكمن الخطورة في أن هجوما حوثيا واحدا قد يؤدي إلى ضربة أمريكية داخل إيران، ترد عليها طهران في الخليج، ثم يوسع الحوثيون عملياتهم مرة أخرى، فتعمل شبكة الحلفاء بوصفها آلة تصعيد لا يسيطر عليها طرف واحد بالكامل.
ينقل فتح جبهة البحر الأحمر الصراع من التنافس على مضيق هرمز إلى معركة على أهم ممرين بحريين للطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.
يمر عبر هرمز جزء كبير من صادرات النفط والغاز الخليجية، بينما يربط باب المندب المحيط الهندي بقناة السويس والبحر المتوسط، ولذلك يهدد تعطيل المضيقين بإعادة توجيه السفن حول رأس الرجاء الصالح ورفع كلفة الشحن والتأمين والوقود.
وقد تستخدم إيران هذه القدرة لإقناع القوى الأوروبية والآسيوية بأن استمرار الحملة الأمريكية سيكلف الاقتصاد العالمي أكثر مما سيكلف طهران وحدها.
غير أن هذا السلاح يحمل مخاطرة عكسية، لأن الدول المستوردة للطاقة قد تنضم إلى الجهود الأمريكية لحماية الملاحة أو تضغط على إيران دبلوماسيا، كما قد تخسر طهران ما تبقى لها من دعم لدى دول تخشى انتقال الحرب إلى أمنها الاقتصادي المباشر.
يغير تهديد ترامب بضرب جسر أو محطة كهرباء داخل إيران مقابل كل سفينة تتعرض للهجوم طبيعة الردع الأمريكي، لأنه ينقل العقوبة من الأهداف العسكرية المرتبطة بالفعل إلى بنية تحتية قد تخدم المدنيين والاقتصاد الوطني.
ويعتقد أنصار هذه السياسة أن إيران ستتراجع عندما تدرك أن كل عملية بحرية ستكلفها أصولا يصعب تعويضها، فيما يرى منتقدوها أن المعادلة فضفاضة ولا تراعي التناسب أو الصلة المباشرة بين الهدف والعملية، كما قد تثير أسئلة قانونية إذا كانت المنشأة المستهدفة لا تقدم مساهمة عسكرية محددة.
وتزيد هذه السياسة أيضا احتمالات الرد الإيراني على محطات الكهرباء والتحلية والموانئ في الخليج، وهو ما يحول الحرب من مواجهة بين الجيوش إلى تبادل منظم لتدمير البنية الاقتصادية التي تعتمد عليها المجتمعات.
يعتبر بعض المحللين استهداف الجسور والطرق والسكك الحديدية استراتيجية عسكرية مشروعة عندما تستخدم لنقل الصواريخ والذخائر والقوات، ويرون أن قطع هذه الشبكات يبطئ دورة إطلاق الصواريخ ويصعب على إيران نقل منظوماتها بين المواقع. وقد وثق معهد دراسة الحرب ضربات أمريكية استهدفت طرقا وسككا حديدية وجسورا في جنوب إيران ضمن محاولة لتعطيل الإمداد العسكري.
غير أن توسيع الحملة إلى شبكات الكهرباء أو الجسور داخل المدن يخلق منطقة رمادية، لأن المرافق نفسها تخدم القوات والسكان معا.
ويعني ذلك أن التقييم القانوني والاستراتيجي لا يعتمد على اسم الهدف فقط، وإنما على استخدامه العسكري والميزة المتوقعة من تدميره وحجم الضرر الذي سيلحق بالمدنيين.
يرفع الحديث الأمريكي عن مهاجمة المنشأة النووية الجبلية المعروفة باسم «جبل المعول» مستوى الصراع إلى عتبة شديدة الحساسية، لأن المنشآت المحصنة تحت الأرض تتطلب ذخائر وقدرات اختراق واسعة وقد لا يمكن تدميرها بالكامل بضربة واحدة. وقد يؤدي الهجوم إلى تأخير البرنامج النووي أو تدمير أجهزة وممرات ومخازن، لكنه لا يستطيع إزالة المعرفة العلمية أو منع إيران من بناء منشآت أكثر سرية في المستقبل.
ويحذر الاتجاه الرافض للهجوم من أن القيادة الإيرانية قد تفسر الضربة باعتبارها دليلا نهائيا على أن الالتزام بالقيود الدولية لم يوفر الحماية، فتنسحب من معاهدة عدم الانتشار أو تتخذ قرارا بإنتاج سلاح نووي.
أما الاتجاه المؤيد فيرى أن ترك المنشأة دون استهداف يمنح إيران ملاذا آمنا لتطوير قدراتها تحت غطاء التحصين الجبلي.
لا يشير نقل بعض القوات والأفراد الأمريكيين بعيدا عن القواعد القريبة من إيران بالضرورة إلى تراجع الحملة، وقد يعكس استعدادا لحمايتهم قبل موجة ضربات أكبر. تستطيع واشنطن تقليل الوجود المكشوف في قطر والكويت والبحرين، ثم تعويضه بقاذفات بعيدة المدى وغواصات وسفن حربية وطائرات تزود بالوقود تعمل من قواعد أبعد.
ويمنح هذا النمط الولايات المتحدة قدرة على مواصلة الهجمات مع خفض عدد الأهداف التي تستطيع إيران إصابتها بسهولة، لكنه يزيد الاعتماد على سلاسل إمداد طويلة وعلى التنسيق الجوي المعقد.
ويقرأ بعض المحللين إعادة الانتشار باعتبارها مؤشرا على قرب التصعيد، بينما يراها آخرون إجراء دفاعيا طبيعيا بعد أن أثبتت إيران قدرتها على مهاجمة قواعد في الكويت والبحرين وقطر والأردن.
يشير نشر قاذفات B-1 وزيادة نشاط طائرات الاستطلاع والقيادة والسيطرة والحرب الإلكترونية إلى أن الولايات المتحدة تبني قدرة لتنفيذ موجات هجومية كبيرة ومتزامنة. تستطيع قاذفات B-1 حمل أعداد كبيرة من الذخائر التقليدية وضرب أهداف متعددة في مهمة واحدة، بينما تساعد طائرات الاستطلاع على تتبع منصات الصواريخ والدفاعات الجوية، وتنسق طائرات القيادة بين القوات المنتشرة في مسارح مختلفة.
ولا يثبت وجود هذه المنصات أن قرارا سياسيا صدر بشن هجوم شامل، لأن الولايات المتحدة تستخدم الانتشار العسكري أيضا للردع والضغط النفسي، غير أن تراكم القاذفات وطائرات التزود بالوقود والحرب الإلكترونية يقلل الوقت اللازم للانتقال من التهديد إلى التنفيذ ويمنح البيت الأبيض خيارات أوسع مما كان متاحا في بداية الجولة.
تتبنى إيران في المقابل استراتيجية تقوم على توزيع الرد بين الصواريخ والطائرات المسيرة والعمليات البحرية والهجمات السيبرانية وتحركات الحلفاء، حتى تمنع الولايات المتحدة من تركيز دفاعاتها على نوع واحد من التهديدات.
وقد هاجمت طهران مواقع في دول خليجية، وهددت بضرب منشآت طاقة وتحلية، وواصلت الضغط على الملاحة في هرمز، بينما فتح الحوثيون جبهة البحر الأحمر. ويعوض هذا الانتشار الجزئي عن التفوق الجوي الأمريكي، لأنه يجبر واشنطن وحلفاءها على حماية مساحات واسعة وقواعد ومدن وموانئ وسفن تجارية في وقت واحد.
غير أن قدرة إيران على استمرار هذا النمط تعتمد على مخزونها من الصواريخ والمسيرات، وعلى صمود شبكات القيادة والاتصال، وعلى استعداد الحلفاء لتحمل الضربات المضادة.
تؤكد تهديدات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالرد وفق مبدأ «العين بالعين» أن طهران تريد إنشاء معادلة تجعل ضرب البنية التحتية الإيرانية مكلفا بصورة مباشرة على خصومها.
وتستهدف هذه الرسالة الولايات المتحدة ودول الخليج معا، لأن طهران تسعى إلى دفع الدول المضيفة للقواعد الأمريكية إلى تقييد استخدامها أو رفض مشاركة أراضيها في الهجمات. وقد تنجح التهديدات في تعزيز حذر الحكومات الخليجية التي تحاول التوفيق بين اعتمادها الأمني على واشنطن ورغبتها في تجنب الحرب، لكنها قد تؤدي أيضا إلى زيادة طلب هذه الدول على أنظمة الدفاع الجوي والحماية الأمريكية.
ويظل التحدي الإيراني قائما في تنفيذ رد مؤلم من دون قتل أعداد كبيرة من المدنيين أو دفع دول الخليج إلى الانضمام الكامل للحملة الأمريكية.
تتبع دول الخليج سياسة دقيقة تقوم على إدانة الهجمات التي تتعرض لها أراضيها، والمحافظة على التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تجنب الظهور بوصفها شريكا في الهجوم على إيران.
وتدرك هذه الدول أن قواعدها وموانئها ومنشآتها النفطية ومحطات التحلية تقع داخل مدى الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وأن أي مشاركة مباشرة قد تحولها إلى ساحة حرب مستمرة.
كما تخشى من أن تؤدي الهجمات على الطاقة والملاحة إلى إضعاف خطط التنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار
ولهذا تضغط بعض العواصم من أجل فصل الدفاع عن أراضيها عن استخدام قواعدها لتنفيذ عمليات هجومية، غير أن استمرار الحرب يضيق هذه المساحة، لأن إيران قد تعتبر اي مسعي للدعم اللوجستي والمعلوماتي مشاركة فعلية حتى في الوقت الذي ترفض الحكومات الخليجية هذا التوصيف.
ترى المدرسة التي تؤيد استمرار الضغط أن إيران لم تقدم تنازلات جدية إلا عندما واجهت تهديدا عسكريا واقتصاديا مباشرا، وأن وقف الضربات الآن سيمنحها فرصة لإعادة بناء ترسانتها واستعادة السيطرة على مضيق هرمز.
ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن تكثيف الحملة يمكن أن يدفع طهران إلى قبول قيود أوسع على برنامجها النووي والصاروخي ودعمها للحلفاء، خاصة مع ارتفاع تكاليف إعادة الإعمار وتعطل التجارة والطاقة.
غير أن هذه المدرسة لا تقدم إجابة واضحة عن حجم القوة اللازمة لتحويل التدمير العسكري إلى اتفاق سياسي دائم، ولا عن كيفية منع النظام الإيراني من استخدام الحرب لتعبئة الداخل وإسكات المعارضة وتحويل الخسائر إلى خطاب مقاومة وطني.
ترى مدرسة مقابلة أن الولايات المتحدة تواجه حدود القوة الجوية نفسها التي واجهتها في حروب سابقة، لأن الطائرات تستطيع تدمير المنشآت لكنها لا تستطيع فرض نظام سياسي أو ضمان التزام طويل الأمد من دون تسوية تفاوضية.
وقد يعيد الإيرانيون بناء الجسور والمواقع ومخازن الصواريخ، أو ينقلون الأنشطة إلى منشآت أصغر وأكثر تشتتا، فيما تضطر واشنطن إلى تكرار الضربات للمحافظة على نتائج مؤقتة.
ويحول هذا النمط الحرب إلى عملية صيانة عسكرية مستمرة تكلف مليارات الدولارات وتعرض القوات والقواعد لهجمات متجددة.
ويدعم هذا التقييم ارتفاع كلفة الحملة الأمريكية إلى عشرات المليارات من الدولارات واستمرار إيران في شن الهجمات رغم اثنتي عشرة ليلة متتالية من الغارات.
يرى تقييم ثالث أن التصعيد لا يستهدف تحقيق نصر عسكري نهائي، وإنما تحسين شروط التفاوض عبر إقناع كل طرف للآخر بأنه قادر على رفع التكلفة إلى مستوى غير مقبول.
وتدعم هذا الرأي استمرار الرسائل غير المباشرة واتصالات الوسطاء، بما فيها التحركات الباكستانية، رغم تبادل الضربات والتهديدات.
غير أن دبلوماسية الإكراه تواجه مشكلة جوهرية عندما يعتقد الطرفان أن الزمن يعمل لمصلحتهما: تتوقع واشنطن أن تضعف إيران تحت الضغط، بينما تراهن طهران على أن ارتفاع أسعار النفط والخلافات داخل الكونغرس والإرهاق الشعبي الأمريكي ستدفع ترامب إلى خفض مطالبه.
وتصبح المفاوضات في هذه الحالة امتدادا للحرب لا بديلا عنها، إذ يستخدم كل طرف الجولة العسكرية التالية للحصول على شروط أفضل في الجولة الدبلوماسية التالية.
تتزايد القيود الداخلية على إدارة ترامب مع ارتفاع الخسائر والكلفة الاقتصادية واتساع الحرب خارج الأهداف التي جرى إعلانها في بدايتها
وقد تحرك أعضاء في الكونغرس لتقييد صلاحيات الرئيس العسكرية، بينما يطالب جزء من القاعدة المؤيدة لترامب بإنهاء الحرب وتجنب التورط في نزاع مفتوح جديد.
ولا تستطيع القرارات الرمزية وحدها وقف العمليات إذا أصر البيت الأبيض على استمرارها، لكنها تكشف تراجعا في الإجماع وتزيد الكلفة السياسية لكل توسع جديد.
كما يربط المواطن الأمريكي الحرب بارتفاع أسعار الوقود والتضخم والإنفاق العسكري، ما قد يجعل القدرة على تحقيق نتائج واضحة عاملا حاسما في استمرار التأييد الشعبي.
وكلما طال الصراع من دون اتفاق أو نصر قابل للتعريف، زاد احتمال تحوله من أداة قوة للرئيس إلى عبء داخلي عليه.
تترك الحرب آثارا تتجاوز الجبهات العسكرية، لأن ضرب شبكات الكهرباء والطرق والاتصالات وفرض القيود على الإنترنت يعمق الأزمات الاجتماعية والإنسانية داخل إيران.
وأظهرت دراسات فنية أن السلطات الإيرانية طورت قدرة مركزية واسعة على تعطيل الاتصال بالشبكة خلال أزمات 2026، ما يمنحها أداة للسيطرة على المعلومات لكنه يعطل الأعمال والخدمات ويصعب توثيق الخسائر.
وقد تستخدم الحكومة هذه القيود لمنع انتشار صور الضربات والاحتجاجات، بينما تعتمد القوات الأمريكية والإيرانية على الحرب المعلوماتية لتقديم روايات متناقضة حول حجم النجاح والخسائر.
ويعني ذلك أن تقييم الحرب من خلال البيانات الرسمية وحدها سيظل ناقصا، لأن السيطرة على تدفق المعلومات أصبحت جزءا من العمليات وليست مجرد نتيجة جانبية لها.
تقود هذه المؤشرات مجتمعة إلى نتيجة لا تقول إن حربا برية شاملة أصبحت حتمية، لكنها تؤكد أن سقف المخاطر ارتفع وأن أدوات الاحتواء تضعف يوما بعد يوم. توسع الولايات المتحدة بنك الأهداف، وتربط إيران الرد ببنية المنطقة الحيوية، ويفتح الحوثيون جبهة البحر الأحمر، وتستعد إسرائيل لهجمات جديدة، وتتحول حدود العراق والكويت إلى (عقد لوجستية) مستهدفة، فيما تتراجع قدرة الوسطاء على إنتاج وقف مستقر للقتال.
وقد يتراجع الطرفان بعد جولة قاسية جديدة، غير أن منطق الحرب الحالي لا يوفر مخرجا واضحا، لأن كل طرف يفسر ضبط النفس باعتباره ضعفا ويعتقد أن الضربة الإضافية ستجبر خصمه على التراجع.
ويصنع هذا الاعتقاد تصعيدا بلا نهاية واضحة، لا بسبب غياب القوة، وإنما بسبب غياب تصور سياسي متفق عليه لما ينبغي أن يأتي بعد استخدامها.





