مقالات
سامح حسنين
سامح حسنين

كاتب صحفي

سامح حسنين يكتب: منك لله يا عبد الناصر !

مشاركة:
حجم الخط:

تتمالك الست دموعها رغم أنها كادت أن تبكي مرتين وهي تغني “ياما طول عمري رضيت منك آسية” أما أنا فأفلتت دموعي.

في جنازة عبد الناصر سار أبي باكيًا وشقت أمي جلبابها، وبكت أسبوعًا، كلما تذكرت دموع أبي حنّ قلبي إلى عبد الناصر، فدموع أبي كانت غالية وهو لا يذرفها إلاّ على كل كبير وغال.

ورثت الدموع وحب عبد الناصر عن أبي

الذي احتفظ بصورة للريس تُزّين مندرة الدار، ذات يوم أثناء لعبي كسرت الصورة، حزن أبي وعاتبني: بقى كده تكسر صورة الريس؟!
أعاد أبي إصلاح برواز الصورة وأعادها مكانها وفرحت بعودة الرجل المهيب ليزين المندرة.

في إحدى التظاهرات قبل غزو العراق عام 2003 طالبًا في الجامعة كنت، أحمل صورة كبيرة للريس وأهتف: عبد الناصر اصحى وشوف الخيانة ع المكشوف.
ينقض على الصورة بحقد أحد أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان راغبًا في تمزيقها.

تذكرت أبي وحزنه منذ زمن يوم كسرت الصورة

استمت في الدفاع عن الصورة وكدت أكسر عنق عضو مكتب الإرشاد ولم ينجح في تخليصه من قبضتي سوى صديقي الأعز حمدين صباحي، وابتسمت وأنا أنظر لصورة أبي في قلبي.

أتابع الحملات اليومية والموسمية مدفوعة الأجر لتشويه صورة الريس الذي لا زال يقض مضاجع بعض أجهزة الاستخبارات.
وينغص حياة بعض قادة الخليج فيدفعون لحثالة يقودهم الأعرج -الذي في زمن تراجع فيه الرجال تولى ذات يوم وكيل جهاز معلوماتي في مصر-

أملًا في إنهاء صورة الرجل الذي مات منذ زمن، وأتذكر الإمام علي وكم لعنوه من فوق المنابر مدة ثمانية عقود!

ومنه لله عبد الناصر.

فالموضة كانت تنزل في سرس الليان قبل أن تظهر في لندن وباريس بأمارة “الألبسة” اللي كانت من غير دكة والبراغيث تلعب فيها لعبة “الاستغماية”

والحلاق الذي كان يونانيًا وفي أقوال شركسيًا أو جريجيًا والأمارة حين كان الحلاق يعلق جلدة في رقبة جدك، ويسن الموس يحلق به للبلد كلها.

والحلاقة كانت بالميسانية أي بكوزين من الدرة أو بيضتين، ولن أحدثك عن الجرسون الذي كان إيطاليًا وفي روايات فرنسيًا وهو يخدّم على جدك الذي يخط المصارف وينقي الدودة في الوسية!!

وهل أتاك حديث شوارع عزبة القرود التي كانت تُغسل بالصابون وتُرش بالعطور الباريسية ولنتناسى الأنكلستوما والكوليرا.

ويا لعبث الأقدار، فلقد كانت مصر كلها باشوات بأمارة المشروع القومي لمحاربة الحفاء.

وطبعا يا مونشيغ لن أحدثك عن مصر وكانت دائنة بريطانيا العظمى بأمارة جنود الاحتلال الذين حاصروا قصر عابدين في حادثة 4 فبراير 1942.

ثم أجبروا جلالة ملك مصر والسودان وكردفان وسامية جمال وبلاد تركب الأفيال وغير الأفيال أن يكلف النحاس باشا بالوزارة أو يقدم استقالته، وطبعا جلالة الملك المعظّم وقّع وكلف النحاس!

طبعا عبد الناصر ضيّع السودان

التى ما حكمها مصري واحد منذ جرى توقيع اتفاقية الحكم الثنائي للسودان عام 1899 بين جلالة الخديوي وبريطانيا.

ومن فرط حرص السودانيين على الوحدة أنهم حين زار اللواء محمد نجيب كعب الغزال السودان بعد الثورة ألقوه بالجزم وهم يهتفون “لا مصري ولا بريطاني السودان للسوداني”

أما عن الانتخابات والبرلمان قبل ثورة يوليو فقد كانت نزيهة نزاهة إخوة يوسف

وكانت رسوم التقدم للترشح فقط 150 جنيهًا، وهذا بالتأكيد كان مبلغًا تافهًا في يد جدك في الوسية.

فالبلد كانت كلها وسايا وجفالك وأبعاديات وتلك الوسايا كانت ملأ بالتملية، لكن لا أحد توقف ليسأل إذا كانت البلد كلها باشوات من أين كانوا يأتون بالتملية ؟!

أكيد كانوا يستوردونهم من إيطاليا المحطة أو إيطاليا البلد!

ومنها لله ثورة يوليو لقد قضت على التجربة الديمقراطية الرائعة في العهد الملكي، حتى أن الملكة نازلي والدة جلالة الملك المعظّم كانت ترافق اثنين حافظ عفيفي وأحمد حسنين.

وفي ظل التعددية الديمقراطية هربت خارج مصر وتنصرّت وزوجت ابنتها الأميرة فتحية لشاب مسيحي يعمل بالقنصلية المصرية في مارسيليا اسمه رياض غالي.

طبعا في العهد الليبرالي الوسطي الجميل كانت علاقات الملك المتعددة يقودها بوللي وكريم ثابت، ولا ينبيك عن خلق الملك إلاّ مذكرات أحمد مرتضى المراغي باشا آخر وزير داخلية للملك ومن ينسى ناهد رشاد؟

وهل ننسى التعليم في العهد الملكي الذي كان يضاهي تعليم السوربون

لدرجة أن معظم المصريين لم يكونوا بقادرين على التمييز بين الألف وكوز الدرة.

ومنها لله الدراما التي شوهت عصر جلالته كمسلسل الوسية عن قصة الدكتور خليل حسن خليل.

وفيلم الحرام للعظيم صلاح أبو سيف “وجدر البطاطا الذي كان السبب يا ضنايا!”

أما عن هزائمه فحدث ولا خرج فقد هُزم في السويس بعدما أمم القناة – حتى لو بريطانيا قد اعترفت بهزيمتها وسقطت وزارة أنتوني إيدن في لندن ووزارة جي موليه في باريس ووزارة بن جوريون في تل أبيب!!

هو كذلك مهزوم في حرب 48 رغم انه كان مجرد ضابط صغير، وهُزم في حرب 54 التي حتى اللحظة أحاول الوصول الي موقعها في التاريخ، وأكيد هُزم في حروب داحس والغبراء!

أما حرب ٦٧ فتلك الطامة الكبرى،

فمصر وحدها التي توقف التاريخ فيها عند ٦٧ ولم يتجاوزه أحد وكأن الأميركان ما لحقت بهم الهزيمة في بيرل هاربور.

ولا فرنسا جرى احتلال نصفها! وكأنه ما أعاد بناء الجيش وجهزه للعبور.

ولأن البلد كانت كلها باشوات ومعظم المصريين فجأة صاروا أحفاد أصحاب الوسايا والجفالك والأبعاديات، فواجب عليّ الاعتراف:
أعترف بأنني ابن الرجل الذي عمل في شركات القطاع العام التي أنشأها عبد الناصر فرُحم من أن يكون أجيرًا.

وحصل على راتب شهري محترم بتأمين صحي شامل ومعاش يقيه سؤال الناس حتى مات.

أعترف بأنني ابن المدارس الحكومية

التي علّمتنا دون أن تكلفنا شيء حتى الكراسات كان تُعطى لنا بالمجان غير التغذية المدرسية اليومية التي كانت تُوزع علينا قبل جرس الفسحة.

نحن الذين لبسنا من عمر أفندي ومن بنزيون وعدس وريفولي أجود الملابس وبأسعار معقولة ومقبولة.

وأكلنا من منتجات قها وأخواتها للمنتجات الغذائية أكلًا صحيًا، نحن الذين تخرّجنا من جامعات مصر وكليات القمة دون أن نكون عبئًا على أسرنا.

نحن الذين انحاز عبد الناصر لنا كأكثرية ساحقة من أبناء هذا الوطن فحفظ لنا كرامتنا الإنسانية.

لكنهم انقلبوا على تجربته وانحيازاته الاجتماعية قبل السياسية، فهرسنا قطار الرأسمالية المتوحشة وسياسات دعه يعمل دعه يمر أو بالأصح دعه يسرق دعه يفر، فجرى ازاحتنا لاسفل الهرم الاجتماعي وتحوّل البناء الاقتصادي والاجتماعي ليخدم مصالح طبقة الكريم شانتيه.

نحن الذين عشنا فيما تبقّى من ظل سياسات عبد الناصر.

فأتاح لنا هذا الظل الرفيع الحياة بكرامة قبل أن يقتلوا ما بقي من ظله وسياساته الاجتماعية، وللأسف كلما أفلسوا فتشوا في دفاترهم القديمة ليجدوا بقايا من بقاياه في مصانع وشركات يبيعونها.

نحن الذين سترنا عبد الناصر حيًا وسترنًا ما بقي من ظله ميتًا

فلتلعنوه كيفما شئتم ولتهيلوا التراب علي ذكراه كما يحلو لكم، لكني بكل يقين أقول رحم الله جمال عبد الناصر .

تحت ضغط دموعها، تعيد الست الكوبليه أكثر من مرة” ياما طول عمري رضيت منك آسية”
تُطلق عيوني دموعها نيابة عني، وعن الذين أنصفهم عبد الناصر، وعن الست التي لا زالت تحبس دموعها!

شارك المقال: