خلافات العقيدة والشريعة: من يحكم فيها ومتى؟
يا أيها الناس إنّا خلقناكم من أب واحد وأُم واحدة - آدم وحواء - فلا تفاضل بينكم في النسب، وجعلناكم بالتناسل شعوبًا وقبائل متعددة مختلفة في معتقداتها وطبائعها وعاداتها،

صورة تعبيرية للمقال
سنة الله سبحانه في خلقه الاختلاف
سنة الله سبحانه في خلقه الاختلاف، سواء في عقيدتهم، أو في أمور معيشتهم
“يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات13)
يا أيها الناس إنّا خلقناكم من أب واحد وأُم واحدة – آدم وحواء – فلا تفاضل بينكم في النسب، وجعلناكم بالتناسل شعوبًا وقبائل متعددة مختلفة في معتقداتها وطبائعها وعاداتها، ليعرف بعضكم بعضًا، لا لتتفاخروا بينكم.
لأن التمايز لا يكون إلا بالتقوى، إن الله عليم بأحوالكم، خبير بما أنتم عليه من كمال ونقص، لا يخفى عليه شيء من ذلك، إِنَّ المتقين هم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ سبحانه العَلِيمٌ الخَبِيرٌ.
ويقول سبحانه:
“وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود 118) وجاء في سورة الذاريات “وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8)”
يقسم الله تعالى بالسماء ذات الطرق: إنكم أيها المكذبون من مشركي مكة لفي قول مضطرب متناقض بشأن القرآن وبشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما يختلفون في قضايا الغيب والعقيدة “عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)” (سورة النبأ).
الدين عقيدة فيكون الإيمان والكفر، والدين شريعة فتكون الطاعة والمعصية
الدين، أي دين عقيدة وشريعة، وعقيدة جميع الأنبياء هي التوحيد (الإسلام)
أي أن العقيدة واحدة أما الشريعة فلكل دين شريعته
“………. لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً…………..” (48 المائدة)
“لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ …….” (67 الحج)
وجوانب الشريعة التي تختلف من دين لدين هي بعض أحكام العبادات والمعاملات، والأخلاق من الشريعة إلا أنها لا تختلف بين الشرائع.
واختلفت الشرائع لِتُنَاسِبَ قوم كل نبي وزمانه حتى جاءت شريعة الرسالة المحمدية (الإسلام) – الدين الخاتم – لتناسب كل زمان ومكان.
ولأن سنة الله الاختلاف، اختلف الناس في عقائدهم وفي دياناتهم، فكيف ستكون علاقاتهم نتيجة خلافهم حول العقيدة؟
وكيف سيكون حال أصحاب الدين الواحد عند اختلاف فهمهم لشرائعهم؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه في هذا المقال.
د. مجدي قرقر يكتب: ماهو تفسير (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ)؟
د. مجدي قرقر يكتب: إبراهيم عليه السلام إمامُ الحكمةِ والمنطقِ
خلافات العقيدة من يحكم فيها ومتى؟
نعرض هنا لنماذج من خلافات خلقه من القرآن الكريم:
الخلاف بين اليهود والنصارى:
“وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” (البقرة 113)
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
الخلاف بين النصارى ومن كفر من اليهود برسالة المسيح عليه السلام:
“إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (آل عمران 55)
إِلَيه سبحانه مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة فَيَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ.
الخلافات بين المؤمنين والكفار وبيت بعضهم البعض: “إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ” (الحج 17) إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

الخلافات العقائدية بين اليهود وبعضهم البعض:
“وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25)” (السجدة)، يَوْمَ الْقِيَامَةِ يفصل ربك بينهم فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
الخلاف بين المؤمنين بدين الإسلام والمشركين المكذبين:
“أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)” (الشورى)
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ.
ويوصي الله سبحانه المؤمنين بآبائهم خيرا حتى وإن كانوا على الشرك: “وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (العنكبوت 8)
“وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ” (لقمان 15)
ثُمَّ إِلَيَّ الله مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة فَينَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.
وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة ورسالته إلى المشركين يقول رب العزة:
لن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم إذا واليتم الكفار:
“إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)” (الممتحنة) ثم يوم القيامة يَفْصِلُ الله بَيْنَكُمْ فهو بما تعملون بصير.
خلاصة القول إن خلافات العقيدة بين الناس لن يحكم فيها في الدنيا، لأن كلمة من الله سبقت أن الحكم والفصل فيها سيكون يوم القيامة.
ولأنه لا إكراه في الدين فلا حرج أن تدعو غير المؤمنين بالحسنى للإيمان فإن آمنوا فبها ونعمت وإن أبو فلا تنازعهم فالله سيحكم بيننا وبينهم يوم القيامة.
وماذا عن تساؤلات العقيدة والشريعة من يحكم فيها أو يجيب؟
وإذا كان الله سبحانه قد أرجأ الفصل النهائي في خلافات العقائد إلى يوم القيامة، فإنه لم يترك الناس في قضايا الشريعة دون بيان، بل أنزل الوحي موضحًا ما يحتاجون إليه من أحكام العبادات والأخلاق والمعاملات.
يعلم رب العزة رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم كيف يحاج المشركين وكيف يجيب على أسئلة المؤمنين في العقيدة وأيضا في الشريعة بما تشمله من عبادات وأخلاق ومعاملات، فيعرض سبحانه السؤال بصيغة (يسئلونك) ويلقن رسوله الإجابة بلفظ (قل).
ومن هنا نرى أن عدم فهم عامة المسلمين لبعض القضايا الفقهية أو حدوث قضايا جديدة لم تكن مطروحة من قبل بتغير الزمان والمكان واختلاف الحال، فإن مساحة الاجتهاد كبيرة لأنه الدين الخاتم والذي يلزم أن يكون صالحا لكل زمان ومكان ومهما اختلف الحال فإن هذه مهمة علماء المسلمين بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
الخلاصة
خلاصة القول أن الفصل النهائي والحكم الحق في خلافات العقيدة بين الناس على طول الزمان مؤجل إلى يوم القيامة. ولأنه لا إكراه في الدين فلا حرج أن تدعو غير المؤمنين بالحسنى للإيمان فإن آمنوا فبها ونعمت وإن أبو فلا تنازعهم فالله سيحكم بين عباده يوم القيامة.
أما التساؤلات المتعلقة بقضايا أو مسائل الشريعة من عبادات وأخلاق ومعاملات فقد أجاب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن لقنه الله سبحانه إياها بوحيه وقرآنه، وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قام بهذه المهمة صحابته رضي الله عنهم ثم التابعون والعلماء من بعدهم وحتى يومنا هذا.
أدعو الله أن يكون قد وفقني في هذا العرض فإن وفقت فمن عنده سبحانه، وإن أخطأت فمن عندي وأستغفره سبحانه، والله أعلم وهو من وراء القصد، والحمد لله رب العالمين






