سارة سويلم تكتب: الضيف ورفاقه حين تتكلم الذاكرة
محمد الضيف، الذي عاش سنوات طويلة بعيداً عن الكاميرات، بدا في التحقيق أكثر من صورةٍ نادرة لشخصية غامضة.
عرض مثير من داخل الانفاق
لم يكونوا أسماء في نشرات الأخبار
لم تكن مشاهدة حلقة «ما خفي أعظم» عن محمد الضيف ورفاقه مجرّد متابعة لتحقيق تلفزيوني يكشف صوراً ووثائق بقيت بعيدة عن العيون سنوات طويلة.
كانت، في لحظات كثيرة، مواجهة مع ذاكرة فلسطين مع وجوهٍ عرفها الناس أسماءً تتردد في الأخبار، ثم ظهرت أمامهم بشراً من لحم ودم، يجلسون ويتحدثون ويتبادلون التحية، ويصلّون في مكانٍ مغلق، كأن الكاميرا أعادت للحظةٍ قصيرة ما غاب عن المشهد العام: الحياة التي كانت خلف الأسماء.
في الصورة التي تجمع الضيف بيحيى السنوار، وفي المشاهد التي ظهر فيها رفاقهما، لا تقف الذاكرة عند تفاصيل الاجتماع وحدها.
تتوقف عند حقيقة أكثر إنسانية
أن الذين صاروا لاحقاً جزءاً من رواية الحرب كانوا، قبل أن تبتلعهم نهاياتها، أصحاب أصوات وملامح وعلاقات ورفقة.
وبين الصورة التي تحفظهم أحياءً والخبر الذي يعلن رحيلهم، تتسع المسافة التي يعرفها الفلسطيني جيداً؛ مسافةٌ بين الحياة التي يريدها للناس، والموت الذي صار يحاصر يومهم.
أكثر ما يوجع في المشاهد النادرة ليس الغياب وحده، بل عودة الحضور.
أن ترى رجلاً ظلّ اسمه محاطاً بالغموض يظهر وهو يتحرك ويتحدث، وأن تشاهد مجموعة من القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة شديدة القسوة من تاريخ فلسطين، فتدرك أن التاريخ لا يُكتب من البيانات وحدها.
خلف كل اسم حياةٌ كاملة، وخلف كل صورة زمنٌ لن يعود، ووراء كل غياب عائلات وأصدقاء وشعبٌ يحمل ذاكرته على الرغم من الخسارات.
محمد الضيف، الذي عاش سنوات طويلة بعيداً عن الكاميرات، بدا في التحقيق أكثر من صورةٍ نادرة لشخصية غامضة.
بدت سيرته نافذة على تحولات القضية الفلسطينية، من تجربة اللجوء التي حملتها أسرته، إلى سنوات التشكّل السياسي والعسكري، وصولاً إلى قيادة كتائب القسام في مراحل مفصلية.
لكن قراءة هذه السيرة لا ينبغي أن تحوّل صاحبها إلى أسطورة معزولة عن سياقها، ولا أن تختزل فلسطين في رجل أو تنظيم.
فالقضية أوسع من الأفراد، والشعب الذي يصنع تاريخها ليس كتلةً واحدة، بل مجتمعٌ متنوع يحمل تطلعاته وآلامه وأسئلته وحقه في الحياة والحرية.
وتمنح المشاهد التي جمعت الضيف والسنوار وإسماعيل هنية، وكذلك التسجيل الذي أعاد إلى الواجهة تواصلهما عقب معركة سيف القدس عام 2021، مادةً للتأمل في العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري داخل حركة حماس.
فالتاريخ الفلسطيني الحديث لا يمكن فهمه من دون النظر إلى تداخل القرار السياسي مع مسارات المواجهة، وإلى أثر الحصار والاحتلال والاغتيالات والانقسامات في خيارات القوى الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، فإن الكشف عن الوثائق التي تناولت التحضير لأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 يفتح أسئلة ثقيلة حول صناعة القرار، وتقدير موازين القوة، وما ترتّب على ذلك من كلفة بشرية هائلة في غزة.
هنا يبدأ السؤال السياسي الذي لا يجوز أن تطغى عليه حرارة المشهد:
ماذا تركت الحرب للفلسطينيين؟
لقد أعادت القضية إلى مركز الاهتمام الدولي، وكسرت لدى قطاعات واسعة من الرأي العام روايات جاهزة عن الصراع، وفتحت نقاشاً عالمياً حول الاحتلال والحصار وحقوق الفلسطينيين.
لكنها في المقابل خلّفت دماراً واسعاً، وفقداناً لا يمكن قياسه بالأرقام وحدها، وجرحاً اجتماعياً وإنسانياً سيحتاج زمناً طويلاً كي يلتئم.
ولا تكفي أي رواية عن البطولة أو الصمود لتجيب عن أسئلة المدنيين الذين فقدوا بيوتهم وأحبّتهم، أو عن الأطفال الذين صار مستقبلهم معلّقاً على ما ستقرره السياسة.
إن الوفاء للشهداء لا يكون بإغلاق الأسئلة، بل بحفظ الذاكرة وفتحها في آنٍ واحد.
الوفاء أن نتذكر وجوههم وصلاتهم ورفقتهم، وأن نرى فيهم بشراً عاشوا في زمن استثنائي، وأن نرفض في الوقت نفسه تحويل الألم إلى مادةٍ عابرة أو استخدام التضحيات لتبرير الصمت عن معاناة الناس.
فالمقاومة، في معناها الأوسع لدى شعبٍ واقع تحت الاحتلال، ليست اسماً واحداً ولا صورة واحدة، إنها أيضاً التمسك بالأرض، وحماية المجتمع، وصون الكرامة، وبناء القدرة على البقاء، والدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
أما التداعيات السياسية لهذه المشاهد، فتتجاوز استعادة سيرة الضيف ورفاقه.
إنها تعيد فتح النقاش بشأن مستقبل القيادة الفلسطينية، وشكل التمثيل السياسي، وحدود القوة العسكرية في تحقيق الأهداف الوطنية، وموقع غزة في أي تسوية مقبلة.
كما تضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته في وقف دوامة الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وعدم اختزال مستقبل الفلسطينيين في ترتيبات أمنية تُصاغ بعيداً عن إرادتهم.
فالسلام الذي يتجاهل الحقوق لا يصنع استقراراً، كما أن أي أفق سياسي لا يضع الحرية والعدالة وإعادة إعمار غزة في قلبه سيظل هشّاً ومؤقتاً.
وفي المنطقة، ستبقى آثار الحرب حاضرة في حسابات الحكومات والرأي العام، وفي علاقة الشعوب بمواقف دولها، وفي النقاش حول جدوى المسارات الدبلوماسية وقدرتها على انتزاع الحقوق.
لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن القضية الفلسطينية لا يمكن حبسها داخل حدود غزة، وأن مشاهد الدمار والتهجير والنجاة تتحول إلى أسئلة أخلاقية وسياسية في العواصم والجامعات والميادين.
لكن اتساع التضامن وحده لا يكفي؛ المطلوب أن يتحول إلى ضغط سياسي وقانوني وإنساني مستدام، يضع إنهاء الاحتلال وحماية الشعب الفلسطيني على جدول العمل لا على هامش الخطب.
ما يبقى من الحلقة
في النهاية، ليس السر الذي كُشف فحسب، بل الوجوه التي خرجت من الظل لتعود إلى الذاكرة.
لعل أكثر ما يختصر المشهد هو التناقض بين بساطة لحظات الرفقة وقسوة المصير الذي انتهى إليه كثيرون ممن ظهروا فيه.
وبين هذين الطرفين تقف فلسطين، لا بوصفها حكاية موتٍ متواصل، بل قضية شعب يريد أن يعيش حراً وآمناً على أرضه، وأن يمتلك مستقبله بيده.
رحم الله من رحلوا، وحفظ لأهل فلسطين حقهم في الحياة والحرية والكرامة. ستظل الصور شاهدةً على زمنها، وستظل الأسئلة مفتوحة أمام السياسة والتاريخ.
أما الوفاء الحقيقي، فليس أن نكتفي بالبكاء على الراحلين، بل أن نصون معنى تضحياتهم في ذاكرة لا تنسى، وفي موقف لا يتخلى عن الإنسان، وفي عملٍ جادّ يقرّب اليوم الذي لا يضطر فيه الفلسطيني إلى دفع حياته ثمناً لحقه في وطنه.
شاركنا برأيك