مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

زلزال هرمز (5) قانون الكثرة والقلة

عندما نضع هذا الرقم مقابل القدرات الجوية الإقليمية نرى الفارق، لكن المفاجأة أن الفارق لا يضمن حسمًا إذا لم يكن الهدف “حرب سيطرة جوية تقليدية” تُحسم بإخضاع المجال الجوي ثم فرض شروط سياسية

مشاركة:
حجم الخط:

هل تحسم الأرقام المعركة أم يحسمها التوازن؟

هناك لحظة بعينها في كل حرب تكشف زيف الاطمئنان إلى الجداول والإحصاءات، لحظة تدرك فيها أن ميزانيات الدفاع لا تُساوي بالضرورة قدرة على الحسم، وأن آلاف الطائرات قد لا تمنع “سلاحًا أقل” من إرباك المشهد كله، وأن الكثرة- مهما بدت ساحقة- قد تتحول إلى عبء سياسي واقتصادي إذا طال الزمن وتعقّدت الجبهات وتعددت ساحات الرد، بينما القلة- إذا امتلكت مفاتيح الضغط – قد تُحوّل ضعفها العددي إلى قوة تأثير، وتستبدل فكرة “الانتصار العسكري” بفكرة أخطر: تعطيل إرادة الخصم ورفع كلفة قراره، وهذا بالضبط هو جوهر ما أسميه هنا (( قانون الكثرة والقلة في الحرب الإيرانية)) ؛ قانون يشرح لماذا لا تُحسم المعركة بالعدد وحده، ولماذا يصبح التوازن- بكل معانيه الاقتصادية والنفسية والردعية والزمنية – هو الحكم الأخير حتى حين تبدو الأرقام محسومة منذ الصفحة الأولى.

1) الكثرة على الورق: ميزانيات تفوق تُغري بالحسم… لكنها لا تضمنه

إذا بدأتَ من معيار القوة الأكثر شيوعًا -الإنفاق العسكري – ستجد فجوة تكاد توحي بأن النتيجة محسومة سلفًا، فالولايات المتحدة وحدها تجاوزت ال 997 مليار دولار إنفاقًا عسكريًا في عام 2024، وهو رقم يمثّل نحو 37% من الإنفاق العسكري العالمي وفق بيانات SIPRI، بينما قفز إنفاق إسرائيل إلى 46.5 مليار دولار في 2024 (زيادة كبيرة)، في حين تراجع إنفاق إيران إلى 7.9 مليارات دولار في العام نفسه وفق المصدر ذاته.
هذه الأرقام وحدها تكفي لصناعة سردية “الكثرة”: موارد مالية ضخمة، تحديث مستمر، قدرة على الاستمرار، وشبكات تسليح وتحالفات وتدريب. لكن الحرب لاتخضع لقوانين المحاسبة، لأن السؤال ليس: كم تملك؟ بل: كم تستطيع أن توظّف مما تملك في هذا المسرح تحديدًا، وكم تستطيع أن تدفع ثمن توظيفه سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا؟ وهنا يبدأ قانون الكثرة والقلة في قلب الحسابات.

2) الكثرة الجوية: أساطيل ضخمة… لكن السماء ليست “ساحة واحدة”

لدى الولايات المتحدة -على مستوى سلاح الجو وحده – إجمالي قوة طائرات يصل إلى 5,286 طائرة ضمن “إجمالي القوة” (Active + الحرس الوطني + الاحتياط) بحسب إحصاءات Air & Space Forces في “Almanac”.
وعندما نضع هذا الرقم مقابل القدرات الجوية الإقليمية نرى الفارق، لكن المفاجأة أن الفارق لا يضمن حسمًا إذا لم يكن الهدف “حرب سيطرة جوية تقليدية” تُحسم بإخضاع المجال الجوي ثم فرض شروط سياسية بعدها؛ لأن إيران تبني جانبًا كبيرًا من ردعها ليس على منافسة التفوق الجوي رأسًا برأس، بل على نقل الحرب إلى معادلة مختلفة تتعلق بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتشويش وإرباك الدفاعات وإطالة الزمن، أي تحويل الحرب من “سباق طائرات” إلى “مسألة كلفة واحتمال وخوف” تتوزع على أكثر من مسرح.

3) الكثرة الإسرائيلية مقابل القلة الإيرانية: أرقام تُفسّر… لا تُنهي

عند النظر إلى الأرقام التفصيلية للأساطيل الإسرائيلية والإيرانية وفق دليل Flight Global World Air Forces 2025، نجد أن إسرائيل تشغّل مزيجًا نوعيًا كبيرًا من المقاتلات، بينها 174 طائرة F-16C/I و66 طائرة F-15A/C/I و38 طائرة F-35I، مع قدرات إسناد خاصة كطائرات التزويد بالوقود ووسائل الاستطلاع والإنذار المبكر.
في المقابل، تُظهر بيانات الدليل ذاته أن إيران ما زالت تعتمد بدرجة معتبرة على منصات أقدم مثل 65 طائرة F-4 و41 طائرة F-14 و18 طائرة MiG-29 و21 طائرة Su-24، مع إشارات إلى صفقات/خطط لبعض الطائرات الأحدث.


والخلاصة هنا ليست السخرية من “قدم” أو “حداثة”، بل قراءة معنى الفارق: إسرائيل تراهن على النوعية والدقة والاستخبارات والضربات المحسوبة، بينما إيران – في فلسفة الردع الأوسع- تراهن على أدوات أخرى تكمّل قصور الجو: صواريخ، مسيرات، وحرب إرباك اقتصادي وإقليمي، أي أن القلة الجوية لا تعني القلة الشاملة، لأنها تُعوَّض بـ“كثرة” من نوع آخر.

4) قلب قانون الكثرة والقلة: حين تتحول القلة إلى “كثافة” لا إلى عدد

هنا تتضح الفكرة الأكثر خطورة: قد تكون “القلة” عددًا، لكنها تصبح “كثرة” أثرًا عندما تُدار باعتبارها كثافة ضغط لا كعدد منصات .. ولهذا تؤكد “Missile Threat” التابعة لـ CSIS أن إيران تمتلك أكبر وأكثر ترسانة صاروخية تنوعًا في الشرق الأوسط وتشمل آلاف الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بما يجعلها قادرة – من حيث المبدأ- على تهديد أهداف بعيدة نسبيًا وتوليد ضغط ردعي مستمر.
وبهذا المعنى، فإن الطرف الذي يبدو أقل في الطائرات قد يراهن على أن خصمه- مهما امتلك من دفاعات – لا يستطيع اعتراض “كل شيء”، ولا يستطيع إدارة جبهة طويلة مفتوحة بلا كلفة سياسية داخلية، ولا يستطيع إقناع الأسواق وشركات التأمين والشحن بأن “كل شيء تحت السيطرة” إذا تكررت موجات التهديد.

إن ما تعتمده طهران في مقاربتها العسكرية والسياسية لا ينطلق من محاولة محاكاة التوازن التقليدي مع القوى العظمى، بل من خلال تطبيق “قانون الكثرة” القائم على الإغراق الرقمي بأسلحة منخفضة التكلفة وعالية التأثير، فبينما يستغرق بناء مدمرة بحرية سنوات ومئات الملايين من الدولارات، تقوم استراتيجية “الزوارق السريعة” و”أسراب المسيرات” على تحويل مضيق هرمز ومحيطه إلى ساحة معركة لا مركزية يصعب على الرادارات التقليدية والمنظومات الدفاعية الموحدة التعامل معها بكفاءة كاملة، حيث تشير التقارير الاستراتيجية الحديثة إلى أن كلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد قد تتجاوز خمسين ضعف كلفة الهدف الذي يطارده، مما يعني أن “الأرقام” هنا ليست مجرد إحصاء للقطع العسكرية، بل هي أداة لإنهاك الخصم اقتصادياً ونفسياً، وهو ما يفسر لجوء طهران الدائم لتعظيم مخزونها من “القلة الفعالة” التي تستطيع شل حركة التجارة العالمية بمجرد التهديد، محولةً مضيق هرمز من ممر مائي إلى سلاح جيوسياسي فتاك.

 هل يحسم التوازن المعركة أم تفرض الأرقام “الحتمية الجديدة”؟

إن البحث عن “توازن القوى” بمفهومه الكلاسيكي بات ضرباً من الماضي في العقيدة الإيرانية، إذ يتم استبداله بـ “توازن الردع” القائم على تعطيل المصالح الحيوية؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه الأرقام عن طاقة إنتاجية فائضة لدى دول أوبك تصل إلى 2.2 مليون برميل يومياً، نجد أن هذا الرقم يفقد قيمته الاستراتيجية تماماً أمام رقم آخر أكثر خطورة وهو هبوط معدل العبور في المضيق من 56 ناقلة إلى 8 ناقلات فقط، فهنا تحسم “الأرقام الجغرافية” المعركة قبل أن تبدأ، لأن تعطل شريان يضخ 20% من الاستهلاك العالمي للنفط لا يمكن تعويضه بأي طاقة إنتاجية بديلة مهما بلغت، ومن هنا يبرز الدرس القاسي بأن “القلة” في حركة المرور الدولي تعني بالضرورة “الكثرة” في الأزمات الاقتصادية والتضخم العالمي، مما يجعل طهران تراهن على أن العالم لن يتحمل تكلفة انهيار هذا التوازن الدقيق بين المعروض النفطي وأمن الممرات.

5) شواهد تاريخية تثبت القانون: “قليل” يغير سوقًا… و”كثير” يعجز عن إنهاء أثره

لكي لا يبدو قانون الكثرة والقلة مجرد بلاغة، يكفي استدعاء نموذجين رقميين واضحين من التاريخ الاقتصادي–الاستراتيجي: في حرب اكتوبر 1973، لم يكن الأمر حربًا شاملة بأسراب طائرات في كل مكان، بل سلسلة قرارات وقيود وتوترات أدت إلى قفزات سعرية كبيرة؛ ويُظهر Chicago Fed Letter أن متوسط سعر النفط المستورد للولايات المتحدة ارتفع من 2.75 دولار للبرميل في يناير 1973 إلى 11.10 دولار للبرميل بحلول اكتوبر 1974، أي انتقال “مرعب” في زمن قصير نسبيًا، حيث القلة في الفعل السياسي أحدثت كثرة في الأثر الاقتصادي.
ثم نموذج أكثر حداثة ووضوحًا: هجوم أبقيق/خريص 2019 الذي عطّل جزءًا كبيرًا من إمدادات السعودية، وتذكر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية EIA أن منشأة أبقيق وحدها لديها طاقة معالجة 7 ملايين برميل يوميًا (حوالي 7% من طاقة الإنتاج العالمية آنذاك تقريبًا)، وأن الهجوم شكّل صدمة واضحة للأسواق.
وكذلك في الأزمة الروسية-الأوروبية الأخيرة عام 2022، حيث تبين أن “القلة” في إمدادات الغاز الطبيعي عبر “نورد ستريم” كانت كفيلة بهز أركان الاقتصاد الصناعي الأوروبي أكثر من أي هجوم عسكري تقليدي، وهذه الأمثلة التاريخية تؤكد أن طهران لا تبتدع استراتيجية جديدة، بل تقوم بـ “رقمنة” دروس التاريخ وتطبيقها ببرود استراتيجي على مضيق هرمز، مدركةً أن العالم الذي يعاني من انكشاف طاقوي لا يستطيع تحمل “زلزال” يضرب هذا الممر الحيوي.
المعنى المباشر: لا تحتاج دائمًا إلى “ألف طائرة” كي تُربك منظومة كاملة؛ أحيانًا تكفي ضربة محدودة في نقطة اختناق أو منشأة مفصلية، وهذا هو جوهر “القلة” حين تُحسن اختيار موضعها.

6) متى تحسم الكثرة؟ ومتى تكسب القلة؟ الإجابة في “التوازن”

الكثرة تحسم عندما تكون الحرب قصيرة، والهدف محدد، والخصم عاجز عن نقل المعركة إلى ساحات أخرى، والاقتصاد قادر على امتصاص الصدمة بلا قفزات في الطاقة والتمويل والتأمين، وعندما يكون الرأي العام الداخلي لدى الطرف الأقوى متماسكًا ومستعدًا لدفع كلفة قرار ممتد.
لكن القلة- حتى وهي أضعف عددًا – قد “تكسب” بمعنى أدق: قد تمنع الخصم من الانتصار السياسي، وذلك عندما تنجح في ثلاثة أمور متداخلة؛ أولها تحويل الحرب إلى استنزاف كلفة وزمن بدل لحظة حسم، وثانيها توسيع مساحة عدم اليقين عبر تهديد الممرات والإمدادات ورفع أقساط المخاطر، وثالثها الحفاظ على “حد أدنى من الردع” يجعل أي خطوة إضافية للطرف الأقوى أغلى مما كان يتصور وهو يقرأ الأرقام على الورق.
الأرقام تُرهب… لكن التوازن يقرر النهاية
إذا أردنا خلاصة واحدة تصلح عنوانًا فرعيًا دائمًا في تغطية الحرب الإيرانية، فهي أن الكثرة الرقمية ليست ضمانة حسم، وأن القلة ليست قدرًا للهزيمة؛ لأن الحرب ليست سباق عدّاد، بل صراع توازنات: توازن كلفة، توازن زمن، توازن ردع، وتوازن قدرة على تحمّل التبعات الاقتصادية والسياسية، ولهذا قد تبدأ المعركة بالأرقام، لكن نهايتها تكتبها الأسئلة التي لا تظهر في الجداول: من يقدر على الاستمرار؟ من يقدر على منع الخصم من تحقيق هدفه السياسي؟ ومن ينجح في جعل “كثرة” خصمه عبئًا عليه بدل أن تكون سيفًا في يده؟

شارك المقال: