دراسة: موارد المياه في مصر
يتضح مما سبق أن إجمالي كميات المياه المتاحة في مصر لاستخدامات الزراعة والصناعة والاستخدامات المنزلية في حدود 80.00 مليار م3.
مصادر المياه في مصر
تنقسم الدراسات المائية إلى نوعين من الدراسات:
أولا- الدراسات الهيدروليكية وتُعني بدراسة سلوك السوائل وحركتها كما تعني بالمياه السطحية (المحيطات والبحار والأنهار والترع والمصارف والمجاري المائية عموما)
ثانيا- الدراسات الهيدرولوجية وتهتم بدراسة المياه ودورتها الطبيعية، بما يشمل مياه الأمطار والمياه السطحية والجوفية.
والخلاف في قضايا الدراسات الهيدروليكية ومواردها محدود، حيث إنها موارد محسوسة وملموسة ويمكن رصدها وقياس ظواهرها وإجراء التجارب المعملية والرقمية عليها، على خلاف الدراسات الهيدرولوجية وخاصة دراسات المياه الجوفية فالخلاف حولها خلاف كبير، حيث أنها غير محسوسة وغير ملموسة لوجودها في باطن الأرض (غير مرئية) وتختلف التقديرات في رصدها وقياس ظواهرها ومن الصعوبة إجراء التجارب المعملية والرقمية بشأنها.
ومن هنا يتباين علماء الجيولوجيا والهيدرولوجيا تباينا كبيرا في تقدير حجم المياه الجوفية في مصر بين التهوين والتهويل، فهناك من يقول بشح المياه الجوفية في مصر وهناك من يهول بأن مصر تعوم على ترليونات الأمتار المكعبة من المياه
ومن هنا تأتي هذه الدراسة في جزأين: أولهما بعنوان “موارد المياه في مصر” وثانيهما بعنوان “خزان الحجر الرملي النوبي في مصر بين الوهم والحقيقة”
موارد المياه في مصر
موارد المياه في مصر تكاد تكون ثابتة ولا تواكب الزيادة السكانية وما تحتاجه من مشروعات تنموية زراعية وصناعية، وتتنوع مصادر المياه التقليدية (الأساسية) بين نهر النيل والمياه الجوفية ومياه الأمطار، وتتمثل موارد المياه غير التقليدية (الثانوية) في إعادة استخدام مياه الصرف وتحلية مياه البحر (وهي موارد غير تقليدية وتعتمد على خطة الدولة وتوفر الاستثمارات اللازمة لها)، ويمكن إجمال هذه الموارد في الجدول التالي وفقا للبيانات الرسمية لوزارة الموارد المائية والري:

يقرأ الجدول السابق في ضوء ما يلي:
1- حصة مصر من مياه النيل 55.50 مليار م3 سنويا، والحمد لله أنها لم تتأثر حتى الآن إذ تزامنت سنوات ملء بحيرة سد النهضة الإثيوبي مع سنوات فيضان النيل الأزرق.
وتحرص مصر على ألا تتأثر هذه الحصة بنقص أي نقطة مياه منها، كما أنه من المهم التعاون مع دول حوض النيل لعمل مشروعات مياه على حوض النهر لتعظيم عائد المياه لدولتي المصب مصر والسودان والتي تبلغ حاليا (84.00 مليار م3 سنويا من جملة 1600.00 مليار م3 مياه أمطار تسقط على دول حوض نهر النيل بنسبة حوالي 5.00 %) طبقا لتصريحات وزير الموارد المائية والري المصري.
2- موارد المياه الجوفية في حدود 6.5 مليار م3 سنويا، وفرص زيادة هذا المورد محدودة وتكثف مصر من الدراسات اللازمة بغرض زيادة حصة المياه الجوفية.
(منها 5.00 مليار م3 من خزانَي الوادي والدلتا المتجددين، والباقي وقدره 1.50 مليار م3 من خزان الحجر الرملي النوبي غير المتجدد). والخلاف الحاصل حول مورد المياه الجوفية ليس في “وجود” المياه، بل في معدل السحب الآمن والزمن الاقتصادي للمخزون.
3) مياه الأمطار التي يُستفاد منها في حدود 1.00 مليار م3.
4) إعادة استخدام (تدوير) مياه الصرف الزراعي ومياه الصرف الصحي المعالجة، والتي تتضمن مياه الصرف الصناعي (وهي موارد غير تقليدية وتدويرها يحتاج استثمارات وتكنولوجيا عالية) في حدود 17.00 مليار م3 وقد تصل إلى 23.00 مليار م3 بما قد يزيد إجمالي موارد المياه في سيناريو محتمل إلى 86.00 مليار م3 / سنة، وهو من أعلى المعدلات العالمية في إعادة التدوير مما ساعد على الحد من أزمة ندرة المياه في مصر.
5) تحلية مياه البحر بكميات محدودة، (وهو أيضا مورد غير تقليدي ويحتاج إلى خبرة تكنولوجية واستثمارات عالية حتى تاريخه) وتعمل مصر على زيادة هذه الكميات وتطوير التكنولوجيات اللازمة لتخفيض تكلفة التحلية.
يتضح مما سبق أن إجمالي كميات المياه المتاحة في مصر لاستخدامات الزراعة والصناعة والاستخدامات المنزلية في حدود 80.00 مليار م3.
مع ملاحظة ما ذكرناه من أن إعادة استخدام مياه الصرف (مورد غير متجدد) وتحلية مياه البحر موارد غير تقليدية، ورغم أنها غير متجددة إلا أنها قابلة للزيادة وفقا لخطة الدولة وتوفير الاستثمارات اللازمة لها.

موارد المياه في مصر والزيادة السكانية
تستخدم الدراسات المائية مؤشر الإجهاد المائي، الذي يُعبَّر عنه بنسبة مئوية تمثل العلاقة بين كمية الاستخدامات الفعلية للمياه وكمية موارد المياه المتجددة. كما يعبر عن الندرة المائية في بعض الأدبيات بقيم مطلقة (وليس كنسبة) كحد خط الفقر المائي والذي يبلغ 1000 م3/ فرد / سنة، وتحدد مؤشرات أخرى الإجهاد المائي بقيم تتراوح بين (1000: 1700 م3/ فرد/ سنة)، والندرة المائية بقيم تتراوح بين (500: 1000 م3/ فرد/ سنة)، والندرة المطلقة بأقل 500 م3/ فرد/ سنة.
وتعاني ثلاث عشرة دولة عربية من الندرة المطلقة للمياه (أقل من 500 م3/ فرد/ سنة) وليس من بينها أية دولة أخرى من دول العالم، بينما تعاني خمس دول عربية أخرى من ندرة المياه (أقل من 1000 م3/ فرد/ سنة)
فمن بين خمس وعشرين دولة تعاني من ندرة المياه على مستوى العالم توجد ثماني عشرة دولة عربية، وتحتل مصر المركز الرابع عشر بين دول العالم التي تعاني من ندرة المياه.
ومع زيادة عدد السكان وثبات الموارد المائية فإن مصر مرشحة في السنوات القادمة للانتقال من منطقة الندرة المائية إلى منطقة الندرة المطلقة.
وبافتراض أن عدد سكان مصر الحالي 115.00 مليون نسمة، وأن احتياجات مصر في حدود حد الفقر المائي (1000 م3/ فرد/ سنة) فتكون الاحتياجات المائية لمصر 115.00 مليار م3 سنويا، وعليه فإن مصر تعاني حاليا عجزا مائيا في حدود 35.00 مليار م3 سنويا.
ويمثل استيراد الغذاء أحد أوجه تعويض العجز المائي من خلال استيراد المياه الافتراضية الكامنة في تلك المنتجات (وهو ما يعرف بالمياه الافتراضية المستوردة)
وهذا العجز المائي ينتج عنه فجوة غذائية بقيمة 15.00 مليار دولار أمريكي (عام 2023) تزيد أو تقل بحسب تقلبات أسعار الغذاء العالمية في السنوات الأخيرة، ولذا يتم استيراد غذاء بهذا المبلغ لسد هذه الفجوة الغذائية.
وكلما اتسعت الفجوة المائية نتيجة ثبات الموارد المائية في مقابل الزيادة السكانية تفاقمت أزمة المياه، وزادت الحاجة إلى استيراد الغذاء.
والجدول والشكلين المرفقين يوضحان موارد مصر من مياه النيل سنويا (مليار متر3) وعدد السكان بالمليون نسمة ونصيب الفرد م3 / سنة في الفترة من عام 1900م إلى ما هو متوقع عام 2040م.

يلاحظ من الجدول والشكلين أن نصيب الفرد في مصر من مياه النيل كان في حدود 2000 م3/ سنة عام 1900م، تناقص إلى 933 م3/ سنة (دون خط الفقر المائي) عام 1964م.
ثم تضاعف إلى 1682 م3/ سنة عام 1970م بعد بناء وتشغيل السد العالي، ومع زيادة السكان تناقص نصيب الفرد إلى 1000 م3/ سنة (حد خط الفقر المائي) عام 1993م، ليصل إلى 693 م3/ سنة عام 2010م.
ويتسارع في النقص ليصل نصيب الفرد من مياه النيل حاليا إلى أقل من 500 م3/ سنة وإلى حوالي 700 م3/ سنة إذا أخذنا المياه الجوفية والأمطار وإعادة التدوير في الاعتبار.
ويؤكد الواقع أن الانخفاض المحتمل من حصة مياه النيل مع زيادة السكان قد يحول مصر من دولة تواجه مشكلة ندرة المياه إلى دولة تواجه مشكلة الندرة المطلقة للمياه، ويوضح الجدول والأشكال تفاقم المشكلة عام 2040م في ظل الزيادة السكانية حتى لو افترضنا ثبات الموارد المائية دون نقص.
موارد المياه الجوفية في مصر
ونظرًا إلى الخلاف الكبير في تقدير حجم المياه الجوفية في مصر، فقد أفردنا دراسة مستقلة لبحث هذا الموضوع بعنوان “خزان الحجر الرملي النوبي في مصر بين الوهم والحقيقة”
من المهم أن يدرك أفراد الشعب المصري حقيقة الوضع المائي في مصر حتى يشاركوا الحكومة في تحمل المسؤولية، ولله الأمر من قبل ومن بعد
المراجع:
– معهد بحوث المياه الجوفية، “المياه الجوفية بوادي النيل – الإمكانات والمحاذير”، القاهرة، 1997م
-صالح نور، “معوقات المياه الجوفية بالصحراء الغربية”، بحث مقدم في ندوة مشروع ترعة جنوب الوادي الجديد، جمعية التخطيط بجمعية المهندسين المصرية، القاهرة، 1997م.
– كامل عامر، التنبؤ بالأمطار والإدارة الاستراتيجية للري، رسالة دكتوراه، كلية الهندسة جامعة القاهرة، 1999م
– تقرير السيول الصادر عن وزارة الموارد المائية والري، 1996م
إرم بزنس، 23 سبتمبر 2023، كلمة وزير الخارجية المصري سامح شكري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
-اليوم السابع، 3 فبراير 2025، وزير الري: مصر أعلى دولة تعانى من الإجهاد المائي في حوض النيل.
شاركنا برأيك