آراء و تحليلات
د. محمد محفوظ
د. محمد محفوظ

كاتب و محلل

د. محمد محفوظ يكتب : مفرمة ( الإشلاح ) الاقتصادي واقتصاد ( السوء )

إن ما نكابده في مصر هو ( نظام ملفق ) ، اقتصاد يتم الادعاء بأنه اقتصاد سوق ، لا تقابله ديمقراطية سياسية حقيقية ، مع انخفاض شديد في منسوب الحرية باعتبارها قيمة مجتمعية غير حيوية أو غير أساسية .

مشاركة:
حجم الخط:

ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار

سورة إبراهيم : 28

 

يمكن وصف النظرية الليبرالية باعتبارها طائرة .

جناحها السياسي هو : الديمقراطية .

وجناحها الاقتصادي هو : اقتصاد السوق .

وذيلها المحقق لتوازنها هو : الحرية ، في كافة المجالاتثقاقيةإعلاميةآكاديمية –  عقائدية .. إلخ

وبالطبع فإن سياق عمل النظرية الليبرالية هو :

المجتمع ، الحامل لهذه الثلاثية لينطلق باكتمالها في أجواء التقدم والتحضر ، أو لينكفئ بغيابها في أنفاق التخلف والتأخر .

 وتأسيسا على ما سبق، فإن ما نكابده في مصر هو ( نظام ملفق ) ، اقتصاد يتم الادعاء بأنه اقتصاد سوق ، لا تقابله ديمقراطية سياسية حقيقية ، مع انخفاض شديد في منسوب الحرية باعتبارها قيمة مجتمعية غير حيوية أو غير أساسية .

 وتعنيالديمقراطيةباعتبارها الجناح السياسي لليبرالية، أن يصل للسلطة من يعبِّر عن أغلبية الشعب بموجب انتخابات نزيهة

نزيهة بمعنى : أن لا يتم تصميم قوانينها لضمان نتائج بعينها .

ونزيهة بمعنى : أن لا يُسمح بتدخل الأجهزة الأمنية لتوجيهها من خلال الدفع بعناصر بذاتها تم برمجة ولاءها .

 علاوة على ذلك ، تعني الديمقراطية كجناح سياسي لليبرالية : الفصل بين السلطات ، لتحقيق الرقابة من كل سلطة على الأخرى وليس التواطؤ بينها فتتحول من سُلطات إلى سلاطات ، وتتحور من مؤسسات إلى عزب وتكيات .

 أما ( الحرية ) كقيمة ليبرالية ، فهي تعني احترام حرية التعبير ليستفيد المجتمع من مجموع أفكار وإبداعات علمائه ومفكريه ومثقفيه والنابغين فيه .

د. محمد محفوظ يكتب : الثنائيات المكسورة لبناء الإنسان وتنظيم المجتمع

 كما تعنيالحريةاحترام الفردية والتعددية والتنوع 

لاسيما وأن المجتمعات التي ينسحق أفرادها في المجموع تتحول إلى مجتمعات أصفار ، وبمنطق الحساب : صفر + صفر + صفر = صفر .

بينما المجتمعات التي تحترم فردية مواطنيها لكي يمثل كل فرد وزناً حسابياً ما ، تتحول إلى مجتمعات قيم وقامات وابتكارات وإبداعات ، وبمنطق الحساب : ربع + نص + تلت= رقم ما ، دائماً يكون أكبر من الصفر .

 إذن، فالحرية تدعم السياسة فتترسخ الديمقراطية، وتدعم الاقتصاد فيتأسس اقتصاد السوق .

 ولهذا ، فإن اقتصاد السوق هو انعكاس للحرية على المجال الاقتصادي ، فلا تتدخل الدولة بالسوق إلا لحماية المستهلك وضمان عدم الانحراف والفساد .

لأن السوق يغتصب الاقتصاد عندما يصبح موبوءا بالاحتكارات وتضارب المصالح وتجاهل المعايير والمواصفات وتغول الأسعار .. إلخ .

 من هذا المنطلق ، فحيثما تغيب الحرية أو تخفت أضواؤها أو يساء استخدامها، فإن الديمقراطية تتحول إلى مسخ مشوه، يمكن أن نطلق عليه لفظ : ( الديكتوقراطية ) أو ( الديموكتاتورية ) مزيج وخليط من الديكتاتورية المقنعة بالديمقراطية الصورية الشكلية ، أو الديمقراطية المبطنة بالديكتاتورية السلوفانية المخملية .

 وأينما تضمر الحرية وتتصلب شرايينها ، يتحول أيضا اقتصاد السوق إلى مسخ ملفق 

يمكن أن نطلق عليه لفظ : ( اقتصاد السوء ) ، سوء القصد والمآل ، وسوء العمل ومن قبله سوء النية . ليصبح مزيجا وخليطا من حرية السوق الراعية لفوضى الهبش والكبش والتهليب والنصب ، المتزينة بمؤشرات البورصة وفرص الاستثمار ونسب النمو غير التنموية.

 ففي ظل الديكتوقراطية أو الديموكتاتورية 

يعمل اقتصاد السوء كالشفاط الذي يمتص الجانب الأكبر والأعظم من عوائد أي نمو ، فلا تذهب هذه العوائد إلى القاعدة العريضة من الشعب، وإنما يستأثر بها طبقة رجال المال والأعمال المحيطة بالسلطة من أجل مصالحها واستمرار بقائها، أو الهيئات الاقتصادية التي لها موازنتها المالية الخاصة ولا تندرج بالموازنة العامة للدولة !!

 اقتصاد السوء باعتباره المقابل الاقتصادي للديكتوقراطية أو الديموكتاتورية ، هو في معناه ومبناه سحق ومحق للطبقات العريضة من الشعب ، وتراكم مهول للثروة في يد أقلية يزداد غناها بينما يزداد المجتمع فقرا.

 والأمر المؤلم والمحزن أن السلطة في مصر لم تعتبر من دروس الماضي القريب ولم تتعظ

فما يكتوي به الشعب المصري الآن من أثر التعويم الكامل للجنيه اعتبارا من 2016 بدعوى الإصلاح الاقتصادي ليصل سعر الدولار إلى 50 جنيها ، هو ما سبق أن شهده الشعب المصري مع نظام مبارك.

حيث تم السير في طريق الإصلاح الاقتصادي من خلال : تبني الخصخصة منذ عام 1993 ، والتعويم الكامل للجنيه عام 2003، وإطلاق حوافز الاستثمار لجذب الدولار .

الأمر الذي أسفر ظاهريا عن معدلات نمو واعدة

إلا أنها لم تنعكس بالمضمون على مجموع الشعب ؛ لترحم أحياؤه ، وتترفق بقتلاه . فقد كان اقتصاد السوء هو المسيطر المتمكن ، بينما اقتصاد السوق مقيدا ومستنزفة قواه .

 ولهذا ، تبدو ترهات وسخافات الإصلاح الاقتصادي في دول تتلبد سماؤها بالغيوم التي تحجب شمس الحرية، بمثابة مسرحية هزلية قد تفتح الباب بالفعل للاستثمارات الأجنبية والعوائد الدولاريةفالعالم يبحث عن مصالحه وفرص جديدة لزيادة إيراداته ومواردهولكنها لا تفتح الباب حتماً للرخاء والرفاهية .

 فبرامج الإصلاح الاقتصادي في ظل اقتصاد السوء موبوءة بتكاليف شيطانية تبدد إيراداتها 

مثل :

تكلفة الفساد المستشري المتنطع المتمكن ، المتفلت من أية رقابة حاسمة ومحاسبة قضائية .

تكلفة إهدار المال العام في بالوعات الإهمال وانحطاط الكفاءة والفشل الإداري .

تكلفة الإنفاق الحكومي الباهظة التي تؤسس لثنائية هزلية : الشعب الفقير / الحكومة الغنية .

تكلفة المشروعات العملاقة ، المتعملقة في النفقات والمصروفات ، والمتقازمة في العوائد والإيرادات .

تكلفة تهميش التنظيمات النقابية ومحاصرة دورها في توازن العلاقة بين : أرباب الأعمال ، والشرائح العمالية والتخصصات المهنية والمستويات الوظيفية .

تكلفة زواج المال بالسلطة بكل تبعاته غير الأخلاقية الإجرامية.

تكلفة تضارب المصالح الناتجة عن إنشاء كل من المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية لمنظومتهما الاستثمارية الاقتصادية، فيختلط الأمن بالدفاع بالتجارة بالاستثمار في دائرة مصمتة مستغلقة ، تفتقر إلى تكافؤ الفرص والرقابة والمحاسبة والشفافية 

من هذا المنطلق ، فإن أي برامج للإصلاح الاقتصادي موبوءة بكل هذه التكاليف الشيطانية ، مصيرها المحتوم : نزيف داخلي في الموارد والأصول بما يضاعف المعاناة وضيق العيش على القاعدة الشعبية العريضة ، ونتاجها المعلوم : عوائد تصب في جيوب وكروش الدائرة المحيطة بالسلطة .

 بالخلاصة ، هي برامج تستنسخ تجربة مبارك في الإصلاح الاقتصادي ، إصلاح لا ينفي الثورة .. ولا يحقق الرخاء .

 بالإضافة إلى أن هذه التكاليف الكارثية تتناقض كلياً مع برامج الإصلاح الاقتصادي الحقيقي في ظل اقتصاد السوق ، تلك البرامج التي تترافق معها بصورة وجوبية :

ضرائب تصاعدية على الأغنياء .

شبكات ضمان اجتماعي قوية لدعم الفقراء .

منع الاحتكارات التي تتحكم بقطاعات بعينها من الاقتصاد .

مواجهة تضارب المصالح وخلط الأدوار والأوراق .

ترتيب الأولويات الوطنية لترسيخ التنمية الصحية والتعليمية والبحثية والصناعية والزراعية .. إلخ .

 لذلك ، فإن الاسئلة الأجدر بالطرح في مواجهة من يروج أو يطبل أو يزمر لأي إجراءات اقتصادية إصلاحية باعتبارها الدواء المُر الذي يجب على الشعب تجرعه بالرضى أو بالغصب، للانطلاق بالاقتصاد وأحوال العباد إلى النمو والرخاء والرفاهية ، هذه الاسئلة هي :

ماذا تغير في مصر على مستوى كل مؤسسات الدولة الموبوءة بالبيروقراطية ، والإدارة العشوائية ، والفساد والوساطة والمحسوبية ؟!

وهل يمكن لدولة تفشل في جمع القمامة وتنظيم المرور ووقف مخالفات البناء ، أن تنجح في حل أزمتها الاقتصادية والتطلع لآفاقها التنموية ؟!

وهل الدولة التي أهدرت عشرات المنح والقروض في بالوعات المشروعات التي ليس لها أولوية ، يمكن ائتمانها على المزيد من القروض ليكون مصيرها رقم يضاف إلى قائمة الديون التي تغتال أحلام الأجيال الحاضرة والمستقبلية ؟!

 الإجابة بكل سرعة وفورية : لا شيء .. لا شيء تغير .

ومن العبث المجادلة بأي معدلات مرتفعة للنمو بالمعايير الدفترية ، وقسمة عوائد هذا النمو على مجموع أفراد الشعب ، لتكون النتيجة أرقام تبدو مرتفعة ومرضية.

بينما هي في حقيقتها مجرد أرقام وهمية، لا علاقة لها بمعدلات التوزيع الحقيقية التي لا تصب معظمها في خزينة الشعب، وإنما في خزائن الطبقة المالكة النافذة المتحلقة حول دوائر السلطة في دولتنا الدكتوقراطية أو الديموكتاتورية .

 وبالفعل ، لا يمكن إنكار أن تراكم الثروة في يد الأقلية النافذة الثرية يمثل أحد النتائج السلبية الملازمة لأي رأسمالية ليبرالية .

لكن الديمقراطية السياسية تمارس رد الفعل ؛ الذي إن كان غير مساويٍ في المقدار ؛ إلا أنه مضاد في الاتجاه ، بما يضمن للشعب مستويات أجور ورواتب كافية ومتسقة مع أسعار مناسبة ومنضبطة ، وخدمات اجتماعية راقية ومنتظمة . بينما تتكفل الحرية المجتمعية بإسباغ حالة من الرضا العام والسكينة المجتمعية .

 لذلك ، حيثما غابت الحرية يتبخر الرخاء وتستحيل الرفاهية ، ويصبح النمو المستدام في مقام النمو المستباح لأقلية رغم أنف الأغلبية .

 الاستثناء الوحيد لإمكانية تأسيس الرخاء والرفاهية في ظل غياب الحرية والديمقراطية ، يتواجد في الدول التي تمتلكنتيجة صدفة جيولوجيةموارد طبيعية مهولة وحيوية .

فيتم تعويض الانسداد في قنوات الديمقراطية وسياقات الحرية ، بالإغداق على الشعب في مجال الأجور والخدمات الاجتماعية . دول الخليج في أغلبها نموذجاً : للوفرة الاقتصادية ، والندرة الديمقراطية ، وكبت الحرية .

 وقد يجادل البعض بأن الصين نموذج ناجح للجمع بين اقتصاد السوق وغياب الحرية .

ولكن لعل الواقع الذي تعانيه أغلبية الشعب الصيني بعيدا عن أبواق الحزب الشيوعي الدعائية ، هذا الواقع يقرر بأن معدلات النمو الصينية تكرر ذات المأساة التي مفادها :

معدلات نمو مرتفعة لا تذهب لمجموع الشعب ، بل تستأثر بها الطبقة الحاكمة وما يحيط بها من دوائر موالية ؛ عسكرية وأمنية واقتصادية !!

 والمحصلة، أن ( اقتصاد السوء ) في ظل الدولة الديكتوقراطية أو الدولة الديموكتاتورية، لا ينتج عنه أي إصلاح اقتصادي ، وإنما هو ( إشلاح اقتصادي ) يؤدي لشلح الستر الذي كان يعم معظم البيوت والجيوب، ويرمي بها في ( مفرمة ) الغلاء والفقر والحاجة ، ومن ثم الغم والهم والنكد والمرض .

 ولكن ، إن كانت مفرمة الإشلاح الاقتصادي نتيجتها الحتمية هي الفرم

فإن البعض يمارس الفرم بأسلوب شعرة معاوية، فيمارس الفرم بدرجات متفاوتة ما بين السرعات العالية والسرعات المتوسطة أو السرعات الدنيا .

بينما البعض الآخر يمارس الفرم بجلافة وغشومية، فتظل يده معلقة على أعلى سرعة للفرم، فتكون النتيجة احتراق المفرمة ، وقد يمتد الحريق ليطال كل ربوع الحارة أو العزبة أو الوسية .

” … فاعتبروا يا أولي الأبصار ”  [ سُورَةُ الحَشر :2 ]

 

 

 

 

 

شارك المقال: