حسن مدبولي يكتب: هوية كيميت أم هوية مصر؟ (1-2)
هنا يصبح من الضروري أن نعيد النظر في الصورة الرومانسية التي يجري تقديمها أحيانًا عن مصر القديمة، لا بقصد الإساءة إلى تاريخها، وإنما بقصد وضعه في حجمه وتكوينه الحقيقي.

مصر الأرض السوداء (منصات)
” كِمِت ” هو الاسم الذي أطلقه المصريون القدماء على أرضهم(مصر)، ويُفهم عادة بمعنى الأرض السوداء، في مقابل دِشرت، الأرض الحمراء، أي الصحراء.
ومن هذه الأرض السوداء الخصبة نشأت حضارة عظيمة تركت للإنسانية الأهرامات والمعابد والكتابة والفنون والعمارة والزراعة والنظم الإدارية والمعارف الفلكية والطبية والهندسية، وهي منجزات لا يحتاج المصري إلى اختلاق الأساطير حولها حتى يعتز بها.
يكفي أن ينظر إلى ما بقي من آثارها حتى يدرك حجم القدرة التي امتلكها المصري القديم على التنظيم والبناء والتدوين وإدارة الدولة.
لكن الاعتراف بعظمة الحضارة المصرية القديمة شيء، وتحويلها إلى عقيدة سياسية وهوية وحيدة لمصر الحديثة شيء آخر تمامًا.
فالمشكلة لا تبدأ عندما يفتخر المصري بأجداده القدماء، وإنما عندما يُطلب منه أن يرى في تلك الحضارة الأصل الوحيد الذي ينبغي أن ينتمي إليه، وأن ينظر إلى كل ما جاء بعدها باعتباره انحرافًا عن الأصل أو احتلالًا ثقافيًا أو دخيلًا على الشخصية المصرية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعروبة والإسلام.
هنا يصبح من الضروري أن نعيد النظر في الصورة الرومانسية التي يجري تقديمها أحيانًا عن مصر القديمة، لا بقصد الإساءة إلى تاريخها، وإنما بقصد وضعه في حجمه وتكوينه الحقيقي.
فالحضارة المصرية القديمة كانت عظيمة في منجزاتها، لكنها لم تفرز مجتمعًا مثاليًا، ولم تكن عصرًا ذهبيًا للحرية والمساواة والعدالة، ولم تكن نموذجًا إنسانيًا مكتملًا يمكن للمصري الحديث أن يستعيده ببساطة.
بل كانت دولة شديدة المركزية والهرمية، تتركز فيها السلطة السياسية والدينية والثروة في قمة المجتمع، ويحتل الفرعون وكهنته وجنوده موقعًا استثنائيًا بوصفه رأس الدولة ووسيطًا بين البشر والعالم المقدس، بينما كان كبار الموظفين والكتبة والفنانون يمثلون طبقات مؤثرة في إدارة المجتمع ونهب موارده .
كما كانت الدولة تعتمد على الجباية الضرائب والعمل الإلزامي وتسخير الموارد البشرية في المشروعات الكبرى.
ومع ذلك فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية أن الصورة الشعبية التي تجعل بناة الأهرامات مجرد جموع من العبيد ليست دقيقة نسبيا، فالكثير من العمال كانوا مصريين أحرار يعملون في إطار مؤسسات الدولة ويحصلون على الطعام والرعاية،لكن بشكل أقرب للسخرة والقسر والارغام.
ومع ذلك فتصحيح هذه الصورة لا يعني تحويل المجتمع الفرعوني إلى مجتمع حر ومتساو.
فغياب صورة العبد بالسلاسل لا يعني غياب علاقات القوة والاستغلال والعمل القسري والتراتبية الاجتماعية.
كما أن عظمة الأهرامات لا تقدم شهادة على عدالة النظام الذي شيدها، و ضخامة المشروع لا تعني أن الإنسان الذي عمل فيه كان يتمتع بالمكانة والعبقرية المطلقة.

الأكثر دلالة هنا أن النظام السياسي نفسه كان قائمًا على تقديس السلطة وربطها بالمقدس.
فلم يكن الفرعون مجرد رئيس دولة بالمعنى الحديث، وإنما كان مركز النظام الديني والسياسي معًا، وكانت شرعية الحكم تستند إلى تصور ديني للعالم والملك والنظام الكوني.
فلم يكن المجتمع الفرعوني مجتمع مواطنة بالمعنى الحديث، ولا دولة قانون بالمعنى الذي تشكل لاحقًا في التاريخ السياسي، بل كان مجتمعًا تتفاوت فيه المكانة والسلطة والامتيازات تفاوتًا واسعًا بحسب الموقع الاجتماعي والقرب من السلطة والمؤسسات الدينية والإدارية.
أما المنظومة الدينية، فهي أكثر ما يكشف استحالة تحويل مصر القديمة إلى نموذج كامل أو صالح بذاته لهوية معاصرة.
فقد كان المصري القديم يعيش داخل منظومة دينية شديدة التعقيد والتعدد، تضم عددًا كبيرًا من الآلهة والمعبودات المحلية، وتربط الطبيعة والحيوانات والظواهر الكونية بعالم مقدس واسع.
وكانت بعض الحيوانات تُعامل باعتبارها تجليات لمعبودات معينة، وتُربى أعداد هائلة منها داخل مراكز دينية ثم تُقتل وتُحنط وتُدفن في مقابر خاصة.
وتكشف المتاحف والمواقع الأثرية عن مئات الآلاف من مومياوات الحيوانات التي أُعد بعضها لهذا الغرض تحديدًا، وهو جانب حقيقي من الحياة الدينية المصرية القديمة لا يمكن حذفه من الصورة لمجرد أنه لا ينسجم مع الرواية الرومانسية عن الماضي.
ولا يعني ذلك أن المطلوب هو السخرية من معتقدات المصريين القدماء أو محاكمتهم بأدوات عصرنا، وإنما يعني رفض تحويلهم إلى نموذج مثالي لا وجود له إلا في الخطاب المعاصر.
فكما لا يصح أن نحاكم إنسانًا عاش قبل آلاف السنين وفق معاييرنا الحالية، لا يصح كذلك أن ننتقي من حياته ما يعجبنا ونحذف ما يخالف الصورة التي نريد إنتاجها ثم نسمي ذلك استعادة للتاريخ.
كذلك فالحضارة المصرية القديمة نفسها لم تكن كتلة واحدة ثابتة.
فقد امتدت لآلاف السنين، وتغيرت خلالها الدولة والدين والمجتمع واللغة وموازين القوة.
و شهدت مراحل من القوة والتوسع، كما شهدت فترات من الانقسام والصراع الداخلي والانهيار السياسي والاحتلال الأجنبي.
و تعاقبت عليها أسر حاكمة كثيرة، ووقعت صراعات بينية على العروش، وانقسمت البلاد في فترات مختلفة، فتعرضت للغزو الفارسي والهكسوسى ثم المقدوني ثم الروماني، كما شهدت في مراحل لاحقة اضطرابات اجتماعية ودينية وسياسية واسعة.
ولذلك فإن الحديث عن فرعونية واحدة ثابتة ونقية لا يقل تبسيطًا عن اختزال التاريخ المصري كله في لحظة واحدة.
بل إن التاريخ المصري القديم نفسه يقدم مثالًا صارخًا على أن مصر لم تكن ثابتة الهوية حتى في عصورها الفرعونية.
فاللغة المصرية نفسها مرت بمراحل طويلة من التطور، من المصرية القديمة إلى المصرية الوسطى والمتأخرة والديموطيقية ثم ألغيت وتم محوها تماما وحلت محلها لغة الكتاب( المقدس) وهى اللغة القبطية.
ويؤكد علم اللغة التاريخي أن القبطية ليست لغة منفصلة ظهرت من العدم، وإنما هى ترتبط بلغة المحتل الرومانى وهويته المسيحية، والتى انتشرت عقب تجريم التعامل باللغة المصرية القديمة، ومنع التعبد وفقا للطقوس الفرعونية التى تم اعتبارها وثنية.
وهذا وحده كافٍ لإسقاط الوهم القائل إن هناك نسخة واحدة ثابتة من مصر القديمة يمكن تجميد التاريخ عندها ثم إعلانها الهوية المصرية الوحيدة.
فحتى المصري القديم نفسه لم يبقَ ثابتًا، بل تغيرت لغته وعقائده وأنظمة حكمه ومجتمعه عبر آلاف السنين .
المهم هنا أن مصر لم تختف بانتهاء عصر الفراعنة.
فقد دخلت البلاد في مراحل فارسية ومقدونية وبطلمية ورومانية، وتغيرت النخب الحاكمة واللغات المستخدمة في الإدارة والحياة العامة.
وتبدلت الأديان والمراكز السياسية، بينما ظلت مصر مجتمعًا حيًا يعيش على أرضه نفسها ويعيد تشكيل نفسه مع كل تحول.
حتى وصلت لعصر كليوباترا التى استدعت الأجنبي لتسليم بلادها له.
حيث كانت مصر البطلمية تعيش صراعًا داخليًا على السلطة، وكان تدخل يوليوس قيصر جزءًا من صراع الأسرة الحاكمة نفسها، ثم أصبحت مصر ولاية رومانية بعد اندحار أنطونيوس وكليوباترا.
وفي العصر الروماني أصبحت مصر جزءًا من إمبراطورية واسعة
وتحولت إلى واحدة من أهم مصادر الحبوب والثروة بالنسبة إلى الدولة الرومانية.
ومع انتشار المسيحية وتغير البنية الدينية للمجتمع، أخذت الديانة المصرية القديمة في الانحسار بفعل القسر والترهيب.
كما تراجعت المؤسسات والمعابد التي حملت التقاليد الفرعونية، واختفت الكتابة الهيروغليفية من الاستخدام الحي بالتجريم والمنع .
وبالتالى انتهى العالم الديني الذي استمر آلاف السنين، لا لأن المصريين اختفوا، وإنما لأن المجتمع (الرسمى) تحول إلى مجتمع جديد في دينه وثقافته ولغته.






