تقرير: نتنياهو يعرقل اتفاق غزة هرباً
يرى محللون أن ما يجري لا يقتصر على خلافات إجرائية حول بنود الاتفاق، بل يرتبط برؤية إسرائيلية أعمق تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في قطاع غزة بما يخدم أهداف الاحتلال الاستراتيجية

بنيامين نتنياهو (صورة أرشيفية)
في ظل تعثر المسار التفاوضي واستمرار الخروقات الميدانية الإسرائيلية، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الاتفاقات المطروحة لوقف الحرب على غزة، ومدى قدرة الوسطاء والضمانات الدولية على إلزام الاحتلال بتنفيذ تعهداته.
وبينما تبدي الفصائل الفلسطينية مرونة سياسية في التعاطي مع المبادرات المطروحة، يواصل الاحتلال سياسة المماطلة والتصعيد العسكري، في مشهد يعكس صراعًا مفتوحًا بين منطق التسوية ومنطق فرض الوقائع بالقوة.
ويرى محللون أن ما يجري لا يقتصر على خلافات إجرائية حول بنود الاتفاق، بل يرتبط برؤية إسرائيلية أعمق تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع السياسي والأمني في قطاع غزة بما يخدم أهداف الاحتلال الاستراتيجية.
المسارات البديلة لإيران للالتفاف حول العقوبات
د.أيمن خالد يكتب: هل أصبح العراق منصة للحرب القادمة على إيران؟
مقامرة محسوبة
قال الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، إن “استمرار الاحتلال الإسرائيلي في تعطيل تنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رغم الضمانات الأميركية والجهود المصرية والقطرية المكثفة، لا يمكن قراءته باعتباره تعثرًا تفاوضيًا عابرًا، بل يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية راسخة تقوم على إدارة الصراع لا إنهائه”.
وأوضح شاهين أن “الاحتلال يدرك أن الانتقال إلى المرحلة الثانية يعني الدخول في ترتيبات أمنية وسياسية حساسة، تتعلق بملفات الانسحاب من قطاع غزة والحدود ومستقبل التهدئة، لذلك يعتمد رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو سياسة المماطلة المتعمدة والتشدد التفاوضي كأداة لإطالة أمد الهدنة الهشة دون دفع استحقاقات السلام الحقيقي”.
وأضاف أن “ما يجري يمثل مقامرة إسرائيلية محسوبة تستثمر حالة الاختلال الصارخ في ميزان القوى، إلى جانب غياب إرادة دولية قادرة على إلزام الاحتلال بتنفيذ التزاماته.
ورأى أن “الضمانات الأميركية التي رافقت الاتفاق تحولت عمليًا إلى حبر على ورق في ظل عجز الإدارة الأميركية، أو تواطئها غير المعلن، عن وقف الخروقات الميدانية، سواء عبر استمرار الغارات والاغتيالات أو تعطيل تدفق المساعدات الإنسانية وفق ما نص عليه الاتفاق”.
وأشار إلى أن المشهد يكشف بوضوح هيمنة منطق القوة العسكرية على حساب النصوص السياسية، مؤكدًا أن “دبلوماسية المعايير المزدوجة” جعلت الراعي الأميركي أسيرًا لأولويات الحفاظ على التفوق الإسرائيلي، حتى وإن جاء ذلك على حساب مصداقيته السياسية أمام الفصائل الفلسطينية التي أبدت، بحسب وصفه، مرونة قانونية وسياسية لافتة في التعاطي مع الآليات المصرية والقطرية وتجاوز العقبات الإجرائية.
استنزاف تحت سقف الهدنة
أوضح شاهين أن الاحتلال تعامل مع هذه المرونة الفلسطينية بمنطق انتهازي، إذ اعتبر كل تنازل أو تسهيل إجرائي فرصة لمزيد من التعنت والتنصل من الالتزامات، ضمن سياسة تقوم على استنزاف المقاومة تدريجيًا تحت سقف الهدنة، بما يُبقي قدراتها في حالة إنهاك مستمر، فيما يواصل الاحتلال فرض سيطرته الميدانية. واعتبر أن هذا النهج يجسد عمليًا سياسة “الحرب بلا نصر والسيطرة بلا ضم”، التي تهدف إلى تقويض فرص قيام كيان فلسطيني متماسك وإفراغ المسار التفاوضي من مضمونه الحقيقي.
وأكد أن “جهود الوسطاء، رغم كثافتها، تحولت إلى إدارة للأزمة أكثر من كونها مسارًا لصناعة السلام، مشددًا على أن الوساطة القطرية والمصرية تصطدم بغياب أدوات ضغط فعلية قادرة على تعديل ميزان القوى السياسي”.
ولفت إلى أن “أي عملية سلام حقيقية تحتاج إلى دبلوماسية ضغط متدرج، تتضمن تهديدات واضحة وحوافز مشروطة تجعل كلفة التعطيل أعلى من كلفة الالتزام، محذرًا من أن “غياب هذا المسار سيجعل الاتفاق مجرد غطاء هش لخطة إسرائيلية أعمق تهدف إلى تكريس حالة (اللا حرب واللا سلام)، بحيث تبقى غزة ساحة مفتوحة للردع والاستنزاف بدل أن تتحول إلى ساحة لإعادة الإعمار والاستقرار”.
احتلال “بلا تكلفة” وعقدة نزع السلاح
من جانبه، قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية علي الأعور، إن “الاحتلال لا يعرقل فقط تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، بل يعمل أيضًا على تعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية”، موضحًا أن “أي تقدم في المسار السياسي يبقى مشروطًا بالتزام إسرائيل الكامل باستحقاقات المرحلة الأولى وفق الخطة المطروحة”.
وأكد الأعور في حديث لـ”قدس برس”، أن “إسرائيل لا تبدو معنية أصلًا بتنفيذ أي استحقاقات حقيقية، لأن هدفها الاستراتيجي، بحسب تقديره، يتمثل في فرض احتلال كامل لقطاع غزة، مع الاستمرار في القصف الجوي واستهداف المدارس ومراكز الإيواء، بالتوازي مع السعي إلى نزع سلاح المقاومة الفلسطينية دون تقديم أي ثمن سياسي أو عسكري مقابل ذلك”.
وأضاف أن “الاحتلال يسعى إلى الدخول إلى غزة من دون تكلفة، عبر فرض معادلة تقوم على تجريد المقاومة من سلاحها ومن بيئتها الحاضنة”، معتبرًا أن “حركة (حماس) لن تقبل بنزع سلاحها إلا ضمن تفاهمات إقليمية ودولية واضحة تضمن انسحاب الجيش الإسرائيلي بشكل كامل من القطاع”.
المستقبل مرهون برحيل نتنياهو
وأشار إلى أن “الفجوة ما تزال واسعة بين الموقف الإسرائيلي وموقف المقاومة الفلسطينية، ما يجعل فرص التوصل إلى تسوية شاملة محدودة في المرحلة الحالية”.
ولفت إلى أن “الاحتلال يواصل تثبيت سيطرته على نحو 55 بالمئة من مساحة قطاع غزة، مع الإبقاء على واقع ميداني يتيح له التحكم بالقطاع دون تحقيق أهدافه الأمنية المعلنة”.
وتساءل الأعور عمّا “إذا كانت هذه السياسة قد نجحت فعلًا في إعادة مستوطني (غلاف غزة) إلى منازلهم أو في استعادة الأمن والاستقرار في جنوب إسرائيل”، مؤكدًا أن “المناطق المحاذية للقطاع ما تزال أقرب إلى (مناطق عسكرية مغلقة)، الأمر الذي يعكس فشل الاحتلال في تحقيق هدفه الاستراتيجي رغم استمرار وجوده العسكري”.
وأكد على أن “حركة (حماس) ما تزال حاضرة بقوة في الميدان، وأن المشهد يتجه نحو مزيد من المفاوضات لا نحو عودة شاملة للحرب، مرجحًا أن “يواصل نتنياهو سياسة الاستهدافات المحدودة لقيادات المقاومة دون الذهاب إلى تغيير جذري في خارطة السيطرة داخل القطاع”.
كما رأى أن أي “تحول حقيقي في السياسة الإسرائيلية تجاه غزة أو لبنان يبقى مرهونًا بخروج نتنياهو من المشهد السياسي الإسرائيلي وحدوث تغيير في موازين الحكم داخل إسرائيل”
المصدر: وكالة قدس برس





