مقال بوك
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

كاتب صحفي بالأهرام

المسارات البديلة لإيران للالتفاف حول العقوبات

رغم الحصار الأمريكي والضربات الإسرائيلية المكثفة، نجحت إيران في بناء شبكة معقدة من المسارات البديلة التي تسمح لها بالحفاظ على حد أدنى من التجارة والتمويل والقدرات العسكرية

مشاركة:
حجم الخط:

السطور التالية تقول أن المواجهة ستطول وأن الأجدي هو البحث عن مخارج معقولة من أزمة صنعتها برعونة إدارة لا تحسن التخطيط الاستراتيجي ومن ثم الدور علي القوي الإقليمية لتضع نهاية لهذا العبث

عزت إبراهيم

إيران تنجح في بناء شبكة مسارات 

رغم الحصار الأمريكي والضربات الإسرائيلية المكثفة، نجحت إيران في بناء شبكة معقدة من المسارات البديلة التي تسمح لها بالحفاظ على حد أدنى من التجارة والتمويل والقدرات العسكرية.

الجديد في المشهد ليس فقط قدرة طهران على التكيف، بل انتقالها من نموذج “الالتفاف المؤقت” على العقوبات إلى بناء اقتصاد موازٍ كامل قائم على الظل البحري والتهريب المالي والشراكات الجيوسياسية مع روسيا والصين

كيف استفادت أوكرانيا من حرب إيران؟

لماذا يبدو المقترح الأمريكي الجديد لإنهاء الحرب انتصاراً لإيران؟

شريان إستراتيجي 

أصبح بحر قزوين يمثل الشريان الاستراتيجي الأهم لإيران منذ تشديد الحصار على مضيق هرمز. هذا البحر المغلق، الذي لا تستطيع البحرية الأمريكية العمل داخله بحرية، تحول إلى ممر آمن نسبيا لنقل السلع والقطع العسكرية والمكونات الإلكترونية والطائرات المسيرة بين روسيا وإيران.

الضربة الإسرائيلية لميناء بندر أنزلي لم تكن عشوائية، بل اعتراف عملي بأن هذا الميناء أصبح مركزا لوجستيا حيويا لاستمرار الاقتصاد والمجهود العسكري الإيراني.

العلاقات الإيرانية الروسية 

العلاقة الروسية الإيرانية تجاوزت مرحلة “التعاون التكتيكي” إلى ما يشبه التكامل اللوجستي في زمن الحصار.

موسكو ترسل مكونات للطائرات المسيرة عبر بحر قزوين لمساعدة إيران على إعادة بناء ترسانتها بعد خسارة نحو 60% من قدراتها المسيرة خلال الحرب الأخيرة، بينما تستفيد روسيا في المقابل من الخبرات الإيرانية التي راكمتها منذ سنوات طويلة في الالتفاف على العقوبات الغربية. 

حصانة بحرية 

إيران استفادت من الطبيعة الجغرافية الخاصة لبحر قزوين، إذ لا تملك الولايات المتحدة حق اعتراض السفن هناك، لأن الملاحة مقتصرة على الدول الخمس المطلة عليه فقط.

هذا منح طهران “منطقة حصانة بحرية” لا تتوفر لها في الخليج العربي أو بحر العرب، وحول قزوين إلى ما يشبه الممر الخلفي السري للاقتصاد الإيراني. 

الأسطول المظلم 

واحدة من أهم أدوات إيران للالتفاف على العقوبات هي “الأسطول المظلم” أو Shadow Fleet، وهو شبكة ضخمة تضم أكثر من 200 ناقلة نفط تستخدم تقنيات تمويه متطورة لإخفاء مصدر النفط الإيراني ومساراته الحقيقية.

هذه السفن تغير أعلامها باستمرار، وتعطل أجهزة التتبع، وتستخدم شركات واجهة مسجلة في ملاذات ضريبية غامضة.

عمليات النقل من سفينة إلى أخرى Ship-to-Ship Transfers أصبحت العمود الفقري لصادرات النفط الإيرانية.

النفط الإيراني في عرض البحر 

يتم نقل النفط الإيراني في عرض البحر، خصوصا قرب إندونيسيا وماليزيا، إلى ناقلات أخرى تحمل هويات مختلفة، ما يسمح بإعادة تصنيف النفط وكأنه قادم من دول أخرى مثل عمان أو ماليزيا.

المنطقة القريبة من أرخبيل رياو الإندونيسي تحولت إلى مركز عالمي شبه سري لتجارة النفط الإيراني.

ناقلات إلى الصين 

هناك جرى نقل ما لا يقل عن 22 مليون برميل نفط إلى ناقلات متجهة للصين منذ بدء الحصار البحري الأمريكي، بقيمة تتجاوز ملياري دولار، ما يوضح أن الحصار لم ينجح في وقف التدفقات بالكامل بل دفعها إلى مزيد من السرية والتعقيد. 

الصين تمثل الرئة الاقتصادية الأساسية لإيران. بكين لا تعلن رسميا تحدي العقوبات، لكنها تسمح عمليا لشبكات مالية وشركات وسيطة ومصاف مستقلة بشراء النفط الإيراني بأسعار مخفضة.

صراع على النفوذ العالمي 

الصين لا ترى في النفط الإيراني مجرد تجارة، بل جزءا من صراعها الأوسع مع واشنطن على النفوذ العالمي وأمن الطاقة. 

إيران لم تعتمد فقط على التهريب البحري، بل بنت “اقتصاد تخزين عائم”. فمع صعوبة التصدير المباشر، بدأت باستخدام ناقلات عملاقة كمخازن نفط متنقلة قرب خليج عمان وجنوب شرق آسيا، بحيث يبقى النفط في البحر بانتظار فرص البيع أو إعادة التوجيه. 

تعطيل أجهزة تتبع السفن 

تعطيل أجهزة التتبع AIS أصبح سلوكا شبه يومي في تجارة النفط المرتبطة بإيران.

السفن تختفي رقميا لساعات أو أيام كاملة أثناء التحميل أو النقل، ثم تعود للظهور بهويات ومسارات جديدة.

هذه الظاهرة المعروفة باسم Dark Activity أصبحت من أكبر التحديات أمام أجهزة المراقبة الغربية.

ثقافة بحرية عالمية 

اللافت أن إيران لم تعد وحدها في استخدام هذه الأساليب، بل أصبحت جزءا من ثقافة بحرية عالمية جديدة في زمن العقوبات والحروب.

حتى ناقلات مرتبطة بدول أو شركات آسيوية بدأت تستخدم أساليب مشابهة، مثل إطفاء أجهزة التتبع أو تغيير المسارات، بسبب المخاطر الأمنية في هرمز.

طهران تستفيد أيضا من الانقسام البيروقراطي داخل المؤسسات الأمريكية نفسها.

فراغ استراتيجي أمريكي لصالح إيران 

منطقة بحر قزوين موزعة بين أكثر من قيادة عسكرية أمريكية وأكثر من مكتب داخل الخارجية الأمريكية، ما يخلق فراغا استراتيجيا تستغله إيران وروسيا لتوسيع النشاط بعيدا عن التركيز الأمريكي التقليدي على الخليج العربي.

إيران طورت خلال سنوات العقوبات خبرة متقدمة في إنشاء شبكات شركات وهمية ووكلاء شحن وسماسرة دوليين يعملون في هونغ كونغ ودبي وماليزيا وآسيا الوسطى.

هذه الشبكات تجعل تتبع الملكية الحقيقية للسفن أو الشحنات أمرا شديد التعقيد. 

ناقلات مظلمة 

الحصار الأمريكي على هرمز دفع إيران لتوسيع استخدام ميناء تشابهار شرق البلاد، خارج منطقة الضغط التقليدية في الخليج.

تقارير الملاحة تشير إلى تكدس ناقلات “مظلمة” قرب تشابهار، ما يوحي بأن إيران تحاول خلق مركز تصدير بديل أقل تعرضا للرقابة العسكرية الأمريكية.

روسيا وإيران تعملان منذ سنوات على مشروع ممر الشمال-الجنوب الذي يربط بحر البلطيق بالمحيط الهندي عبر روسيا وقزوين وإيران.

شبكة تجارة بديلة 

الحرب والعقوبات أعطت هذا المشروع بعدا استراتيجيا جديدا، لأنه لم يعد مجرد مشروع تجاري بل محاولة لبناء شبكة تجارة بديلة عن النظام البحري الخاضع للنفوذ الغربي.

النفط الإيراني الذي يصل إلى الصين لا يدخل غالبا عبر القنوات الرسمية الكبرى، بل يتم تكريره في مصاف مستقلة صغيرة تعرف باسم “teapot refineries”، وهي أقل حساسية للضغوط الغربية وأكثر استعدادا لشراء النفط المخفض القادم عبر شبكات الظل. 

امتداد جديد لمضيق هرمز 

الحرب حولت مضيق ملقا في جنوب شرق آسيا إلى امتداد غير مباشر لمعركة هرمز.

فكلما اشتدت القيود على الخليج، انتقلت عمليات النقل السري والتخزين وإعادة التصدير نحو ملقا وإندونيسيا وماليزيا، ما جعل الأزمة الإيرانية تؤثر على واحد من أهم شرايين التجارة العالمية.

إسرائيل باتت تنظر إلى الموانئ وشبكات النقل الإيرانية باعتبارها أهدافا استراتيجية مساوية للقواعد العسكرية.

الاقتصاد الموازي جزء من استراتيجة إيران العسكرية 

قصف ميناء بندر أنزلي يعكس إدراكا إسرائيليا بأن الاقتصاد الموازي الذي تبنيه إيران أصبح جزءا من بنيتها العسكرية، وأن تعطيل هذه المسارات قد يكون أكثر تأثيرا من ضرب منصات الصواريخ نفسها.

رغم نجاح إيران في الالتفاف على العقوبات، فإن هذا النموذج يحمل تكلفة هائلة.

الاعتماد على النقل السري والأساطيل القديمة والتخزين العائم يرفع تكاليف الشحن والتأمين والعمولات، ويجعل الاقتصاد الإيراني أكثر اعتمادا على الوسطاء والشبكات غير الرسمية، ما يعمق الفساد والاقتصاد الموازي داخل الدولة. 

تحول في النظام العالمي 

الأهم أن التجربة الإيرانية تكشف تحولا أوسع في النظام الدولي نفسه. العقوبات الغربية لم تعد كافية لعزل دولة تمتلك شراكات مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، وتملك خبرة طويلة في بناء شبكات التهريب والاقتصاد الموازي.

ما يحدث اليوم ليس فقط قصة “تهرب إيراني” من العقوبات، بل ولادة عالم اقتصادي بحري مواز يعمل خارج النظام المالي والتجاري الذي قادته الولايات المتحدة لعقود

شارك المقال: