إبراهيم القاضي يكتب: أربعة وسبعون عامًا، وما زلنا عند مفترق الطريق
كم أربعة وسبعون عامًا آخرين نحتاج حتى نخرج من دائرة الصراع، وندخل أخيرًا إلى مساحة الوطن؟

صورة لجمال عبد الناصر (وسائل التواصل)
تمر ذكرى يوليو 52 كل عام، فتخرج من دفاتر التاريخ، وتمشي بين الناس في الأسواق، وعلى الأرصفة، وفي الوجوه التي أرهقها الركض خلف لقمة العيش.
أربعة وسبعون عامًا انقضت، والبلاد ما تزال تدور حول نفسها، كمن يبحث عن باب في بيت يعرفه، ولا يعثر عليه.
تبدلت الحكومات، وتغيرت الشعارات، وتعاقبت الأجيال، بينما بقيت الخصومة القديمة حاضرة، تمد جذورها في كل مرحلة.
حتى غدا الوطن ساحة لصراع لا يعرف الشيخوخة، وفي الطرف البعيد يقف المواطن، يحمل أثقال الاقتصاد، ويعد ما تبقى في جيبه، ثم يمضي يحدث نفسه، تخت وطأة الغلاء والفساد والاستبداد.
إبراهيم القاضي يكتب: (مو صلاح) خريج الجُرن
إبراهيم القاضي يكتب: مصر، حين كان التاريخ يتعلم المشي (كانت الحضارة)
كثيرًا ما أتوقف أمام سؤال لا يغادرني
كيف كان سيبدو وجه مصر لو لم يصعد ناصر و البنا إلى خشبة التاريخ؟
سؤال لا يطلب محاكمة رجلين، وإنما يبحث عن الطريق الذي ضاع بين طريقين.
ربما كانت مصر ستعرف حياة سياسية أكثر اتساعًا، ودولة تحتمل اختلاف أبنائها، ومجتمعًا يفتش عن المستقبل بدل الدوران في معارك سعي للسلطة لا ناقة للشعب فيها ولا جمل.
ظل الإخوان المسلمون ينظرون إلى السلطة باعتبارها الغاية الكبرى، أو الوعد الإلهي المؤجل، ولم تقنعهم التجارب المتعاقبة بضرورة مراجعة الأفكار التي قادتهم وقادتنا إلى النتيجة نفسها.
كأن الزمن يدور، وهم يدورون معه، يعيدون الخطوات ذاتها، وينتظرون نهاية مختلفة
فما جرى بعد يناير 2011 هو نفسه نسخة بالكربون لما جرى بعد يوليو 1952، المشهد تبدل، أما العقل الذي يديره فبقى على حاله.
وفي الجهة الأخرى، وجد النظام في الجماعة خصمًا دائمًا، وورقة في جيبه الخلفي جاهزة كلما ضاق المجال السياسي، أو تأجل الإصلاح، أو خفت صوت الحياة الحزبية.
وهكذا استقرت البلاد بين خوفين، خوف من الجماعة، وخوف من السياسة نفسها، حتى أصبحت الساحة شبه خالية إلا من الطرفين.
ويبقى سؤال يفرض نفسه:
ما الذي يمنع جماعة الإخوان من إعلان نهاية هذا التنظيم، بعد عقود طويلة امتلأت بالإخفاقات؟
إن كانت تؤمن بأن التوفيق من عند الله، فقد أدت ما تراه واجبًا، ثم جاءت النتائج على غير ما أرادت. عندها قد يسقط من يد السلطة السلاح الذي أشهرته طويلًا، وقد تبدأ صفحة جديدة أكثر هدوءًا.
ويبقى سؤال آخر موجهًا إلى الدولة: لماذا لا تُفتح الأبواب أمام حياة سياسية مدنية حقيقية؟
أحزاب تظهر في الشارع بين الناس، وتقوم على الأفكار والبرامج، وليست أحزاب تقوم على الزبائنية السياسية والوجاهة الاجتماعية.
ويتصدر مشهدها رجال أعمال أغلبهم من سكان إيجيبت، لا يعرفون شيئًا عن هموم المواطن، ولا حتى أبسط الأشياء عن مبادئ أحزابهم.
فكل فراغ سياسي سرعان ما يجد من يملؤه، وأكثر من يملأ الفراغ عادةً هو الطرف الأكثر تنظيمًا، مهما كان حجمه.
إن مصر أكبر من أن تظل رهينة صراع بين أبناء ناصر وأبناء البنا. أكبر من أن تبقى معلقة بين مشروعين يستهلك أحدهما الآخر، بينما يستهلكان معًا أعمار الناس وأحلامهم.
هذا الوطن يستحق طريقًا ثالثًا، لا يحمل ثأرًا من أحد، ولا يوزع الولاءات، ولا يقتات على الخوف، وإنما ينحاز إلى الإنسان، وإلى القانون، وإلى الحرية، وإلى العدالة، وإلى حق المصري في أن يعيش كريمًا.
أربعة وسبعون عامًا مرت، والسؤال ما زال معلقًا فوق هذا البلد:
كم أربعة وسبعون عامًا آخرين نحتاج حتى نخرج من دائرة الصراع، وندخل أخيرًا إلى مساحة الوطن؟
فالأوطان لا تنهض بانتصار فريق على فريق، وإنما تنهض حين يدرك الجميع أن مصر أكبر من الجماعات، وأبقى من الزعامات، وأن المستقبل لا يكتبه من يكرر الماضي، وإنما من يتعلم منه.






