آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

أبطال وخونة (2) النهايات المريحة

شير دراسة التاريخ أن كل الهزائم ليست نتيجة خيانة، لكن الوعي يميل إلى هذا التفسير. فحين تتعقد الوقائع، ويصعب ردّها إلى سبب واحد، يُعاد ترتيبها في صورة بسيطة: بطلٌ يقاتل، وخائنٌ يُسقط كل شيء.

مشاركة:
حجم الخط:

بين البطولة والخيانة
د. محمد الغمري

كيف تُصنع النهايات المريحة

تشير دراسة التاريخ أن كل الهزائم ليست نتيجة خيانة، لكن الوعي يميل إلى هذا التفسير. فحين تتعقد الوقائع، ويصعب ردّها إلى سبب واحد، يُعاد ترتيبها في صورة بسيطة:
بطلٌ يقاتل، وخائنٌ يُسقط كل شيء.
هذه الصياغة لا تمنحنا الفهم بقدر ما تمنحنا الراحة؛ إذ تختزل التعقيد في فعلٍ واحد، وتُحمّل فردًا ما عبء ما هو أوسع منه.

التبسيط لا يفسر التاريخ 

غير أن هذا التبسيط لا يفسر التاريخ، وإنما يخفي بنيته، لأنه يتجاوز ما لا يُرى: تراكمات بطيئة، واختلالات صامتة، وشروط تتآكل قبل أن تظهر نتائجها.

فالتاريخ لا يتحرك بلحظة واحدة، ولا يُحسم بقرار منفرد، بل يتشكل عبر مسارات ممتدة، تتداخل فيها البنية مع الفعل، والزمن مع الإمكان.

ومن هنا، لا تكون لحظة السقوط بداية الانهيار، بل لحظة ظهوره فقط.

الفعل جزء من حركة التاريخ 

في هذا السياق، تُظهر لحظات التحول التاريخي الكبرى حدود القراءة الأخلاقية المباشرة للفعل السياسي، إذ تتكثف الأحداث وتتسارع التحولات، وتُعاد صياغة معايير الحكم على الأفعال.

وفي هذه اللحظات، لا يعود الفعل مستقلًا عن سياقه، بل يصبح جزءًا من حركة تاريخية أوسع تتجاوز الفاعلين أنفسهم.
وقد سبق أن قرر بن خلدون أن العمران البشري تحكمه سنن متدرجة، وأن الدول تمر بمراحل النشوء والقوة والضعف، وأن “الأحوال لا تدوم على وتيرة واحدة”

لا تكمن أهمية هذا الطرح في توصيفه للدورات، بل في تأكيده أن التاريخ يتحرك وفق بنى عميقة ومسارات ممتدة.

لحظة التحول العثماني 

في هذا الإطار، تمثل لحظة التحول العثماني واحدة من أكثر اللحظات كثافة في التاريخ، حيث انهار نظام سياسي قائم منذ قرون، وصعد نظام جديد.

غير أن هذا التحول لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة معركة، بل بوصفه نتيجة مسار طويل من: التآكل البنيوي، الاختلال في التوازن، والتحول في مراكز القوة.

الفعل السياسي داخل المسار التاريخ لا منفصل 

من هنا تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية: الفعل السياسي لا يُفهم إلا بوصفه موضعًا داخل مسار تاريخي، لا كحدث مستقل.
ومن ثم تعيد هذه الدراسة بناء الفعل السياسي في لحظة التحول العثماني في مصر والشام (1516–1521م) عبر مقاربة مسارية تربط الفعل بموقعه داخل مسار تاريخي متغير.

من خلال تتبع دقيق لتطور الأحداث – من التآكل البنيوي للدولة المملوكية، إلى معركة مرج دابق، فسقوط الشام، ثم الريدانية وسقوط القاهرة، وصولًا إلى تمرد دمشق .

وقراءة مقارنة لحالات طومان باي، وخاير بك، وجان بردي الغزالي، تبيّن الدراسة أن اختلاف المآلات لا يُفسَّر بشدة الفعل أو دوافعه، بل بدرجة توافقه مع الشروط البنيوية وتوقيته واتجاه المسار.

وتخلص إلى أن معيار الحكم التفسيري هو صلاح الفعل وظيفيًا، مع إمكان إعادة توصيفه قيميًا.

أولًا: التآكل البنيوي للدولة المملوكية

لم يكن التآكل البنيوي الذي أصاب الدولة المملوكية في أواخر عهدها استنتاجًا تحليليًا لاحقًا فحسب، بل تؤكده بوضوح شهادات معاصرة متعددة تنتمي إلى رؤى إدراكية مختلفة، وتلتقي – رغم تباين مواقعها – على توصيف حالة تفكك داخلي سبق لحظة السقوط.
فقد رصد بن طولون الصالحي من داخل المجال الشامي اختلال البنية السياسية، مشيرًا إلى أن
“الأحوال اختلّت، وكثرت الفتن بين الأمراء، ولم يبق للناس اعتماد على أحد”

في تعبير دقيق عن تآكل الثقة العامة وانهيار مركز الضبط.

يؤكد محمد بن إبراهيم الحلبي (ابن الحنبلي) هذا المسار من زاوية ميدانية أقرب إلى خطوط المواجهة، إذ يقرر أن العثمانيين “لم يجدوا من يدافع دفاعًا يُذكر، لاختلاف الكلمة وفساد التدبير”

بما يكشف أن العجز العسكري لم يكن طارئًا، بل نتيجة مباشرة لانقسام القرار السياسي.
ولا تختلف الرواية العثمانية – رغم انتمائها إلى موقع المنتصر – في جوهر هذا التوصيف؛ إذ يقر كمال باشا زاده بأن عسكر المماليك “قد فسد نظامه وتفرّق رأيه، فلم يثبت عند اللقاء” وهو اعتراف ضمني بأن الحسم العسكري جرى في بيئة فقدت تماسكها البنيوي مسبقًا.

انهيار متاح وليس مفروضا 

تذهب بعض الكتابات العثمانية المبكرة – كما عند سعد الدين أفندي – إلى أبعد من ذلك حين تصف فتح مصر بأنه لم يكن عسيرًا “لما كان بأهلها من التنازع والتخاذل”  في إعادة صياغة لفكرة أن الانهيار كان مُتاحًا قبل أن يكون مفروضًا.

وعلى نحو متقاطع، تقدم الشهادات الأوروبية المعاصرة قراءة قريبة.

فجوة بين الكم العسكري والكفأءة 

إذ يلاحظ مارينو سانوتو – استنادًا إلى تقارير دبلوماسية وتجارية: أن الجيش المملوكي، رغم ضخامته، كان “ضعيف النظام قليل الطاعة” بما يعكس فجوة حاسمة بين الكمّ العسكري والكفاءة الفعلية.

لا تقف دلالة هذه الشهادات عند حدود الوصف، بل جاءت الدراسات الحديثة لتؤكد -من خلال أدوات تحليلية أوسع- أن التآكل البنيوي كان العامل الحاسم في سقوط الدولة المملوكية.

توازنات عسكرية هشة 

ففي حين يرى بيتر مالكولم هولت أن النظام المملوكي قام على توازنات عسكرية هشّة سرعان ما تتحول إلى مصدر صراع داخلي عند غياب مركز قوي.

يذهب أندرو هيس إلى أن الفتح العثماني لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل اختراقًا لبنية فقدت قدرتها على التماسك.

كما يبرز ستانفورد شو الفارق الحاسم بين نموذجين للدولة: دولة عثمانية مركزية قادرة على التنظيم والتعبئة، في مقابل نظام مملوكي قائم على الولاءات الشخصية والتوازنات المتغيرة.

جمود البنية المؤسسية 

في السياق ذاته، يشير كارل بروكلمان إلى أن جمود البنية المؤسسية وعدم قدرتها على التكيف مع التحولات العسكرية والاقتصادية كانا من أبرز أسباب الانهيار.

بينما تبرز جين هاثاواي أن انتقال السلطة إلى العثمانيين لم يكن قطيعة كاملة، بل إعادة توظيف لبنية منهكة داخل إطار أكثر مركزية.
وعليه، فإن تضافر الشهادات المعاصرة مع التحليلات الحديثة لا يقدّم مجرد وصف لأحداث السقوط، بل يكشف عن بنية منهارة كانت قد فقدت قدرتها على إنتاج القرار الموحد، وضبط أدواتها، وحماية أطرافها، بحيث غدت الهزيمة العسكرية لاحقًا نتيجة منطقية لمسار داخلي سبقها.

عندما تفقد الدولة شروط الصمود تسقط

بعبارة تحليلية أدق: لم تُهزم الدولة لأنها ضعفت لحظة المواجهة، بل لأنها فقدت شروط الصمود قبل أن تبدأ المواجهة ذاتها. وهو ما يعني أن الفعل السياسي – مهما بلغ من شجاعة أو كفاءة – لم يعد قادرًا على تجاوز حدود البنية، بل أصبح محكومًا بها.

تفاعل مركب وبنية منهارة 

الأمر الذي يفرض الانتقال من تفسير السقوط بوصفه نتيجة هزيمة، إلى تحليله بوصفه تفاعلًا مركبًا بين الفاعل وبنية منهارة وزمن لم يعد يسمح بالفعل المؤسس.

ومن هنا، لا يمكن فهم الفعل العثماني اللاحق بوصفه سببًا مستقلًا، بل بوصفه تفاعلًا مع بنية بلغت حدّها الأقصى من التآكل.

ونستكمل في المقال القادم 

 

شارك المقال: