الهارب الطبقى
سلوك هذا الهارب من طبقته المتنكر لها ربما يصل لمعاداتها هو ظاهرة إنسانية موجودة ليست فى مصر فقط لكن فى كل العالم لكنها وفى المجتمعات الفقيرة والدول المتخلفة أكثر ظهورا،فتجد بعضهم رجال أعمال جدد أو على الشاشات كإعلاميبن أوصحفيين

نموذج ابداعه نجيب محفوظ في القاهرة 30 ولم يكن يتصور أ، يصبح عصرا
– هل أنت رجل متدين ؟!
– نعم أنا رجل متدين ؟!
– ولكنك تضرب الأمثلة فى حكاياتك بالأفلام والروايات ومن ثرثرات مافى ليل القاهرة وأزقة الحياة ومن طين البرك !
– أنا لست عالم دين ولا زانق نفسى فى كتب التراث ولكنى إبن لهذا البلد منفتح على الجميع أنير شمعة فى ظلامه بطريقتى فأنا كالسكين قطعت هذا البلد رأسيا وأفقيا من رفح حتى سيوة ومن حلايب حتى الإسكندرية فعرفت الكثير عنها مما قد لايعرفه الكثيرون !
فى فيلم القاهرة 30 كان محجوب عبد الدايم مثال للمتعلم الحالم الذى يريد أن يهرب من طبقته إلى طبقة أعلى إقتداءًا ببلدياته سالم الإخشيدى وأول مافعله عندما أمسك بطرف الخيط هو التنكر لطبقته والتبرأ منها بنسف أدبياتها وأخلاقها من قاموسه وثانيها هو التنازل عن كرامته”كانت فى الرواية أقسى أنواع التنازلات”
إن حلم الترقى الطبقى هو حلم طبقة المتعلمين الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى وهو حلم مشروع ولكن كيف الوصول إليه ؟!
البعض يرى أن المال يمكن أن يفعل ذلك والبعض قد يظن أن العلم يمكنه أن يفعلها والحقيقة أن الرقى الإجتماعى يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد وقد يستغرق زمناً يظل لأكثر من جيل…
وفى أمريكا على سبيل المثال دوائر المال ليست بالضرورة هى دوائر الحكم وطبقات الأنجلوساكسون وإن كان بينهما علاقة إنتهازية فيد وإستفيد فى مصر عائلات عريقة ذات حسب ونسب لكن ليس بالضرورة هى الأغنى لكنها فى مكانة اليسر إلى حافة الرفاهية لاتجد فيها فرعاً ضعيفا(كلهم من أساتذة جامعة ومشاهير الأطباء والمحامين وقضاة وسفراء وقادة فى جهات سيادة) ،وقد يكون فى طبقة الأغنياء من هو هارب من طبقة الفقراء وربنا فتحها عليه بزواج طبقى أو علاقة شراكة فى عمل كبير ،لكن أغرب مافى الموضوع هو تنكر معظم هؤلاء الهاربون لرفاقهم القدامى وبنى جلدتهم …ومامحفوظ عبد الدايم إلا واحد من هؤلاء…
النماذج فى المجتمع كثيرة وأنظر حولك ستجد حولك واحداً منهم أو أكثر ممن تعرف !
سلوك هذا الهارب من طبقته المتنكر لها ربما يصل لمعاداتها هو ظاهرة إنسانية موجودة ليست فى مصر فقط لكن فى كل العالم لكنها وفى المجتمعات الفقيرة والدول المتخلفة أكثر ظهورا،فتجد بعضهم رجال أعمال جدد أو على الشاشات كإعلاميبن أوصحفيين يوقعون على مقالات لهم تتصدر الصحف ،يسمعون الكلام وينفذون المطلوب وينشرون بأقلامهم ماهو ليس بلسانهم وإحتلوا مواقعهم بالإنكفاء وليس بالكفاءة ،خداماً لأى صاحب سلطة أو سلطان وأصبحوا يقلدون سادتهم أمام الناس رغم أن الشعور بالدونية يلازمهم فى قرارة أنفسهم ولديهم دائما الإستعداد لتقديم قرابين جديدة من الإنحناء والتزلف تمسكاً بالمواقع والمناصب بدءا من كتابة التقارير فى زملائهم وربما التسجيل لهم وتوريطهم…وأوضح الأمثلة على ذلك هم النجوم الجدد الذين تعلقوا بأهداب الثورات ليس إيمانا بها بل تمسكا بمكاسبهم المحتملة منها ،ولا يسمحون لأبناء طبقتهم بالإقتراب منهم بل وإزاحتهم من طريقهم بزرع أسافين “أمنية” لهم تارة وعقبات إدارية تارة أخرى تمسكاً بمواقعهم الجديدة…أما الناس أولاد الناس فإعتزلوا الأحداث أو دفعوا الثمن…
وقد تكون المطربة المشهورة واحدة من الهاربات من طبقتها لذا قدمت الكثير من التنازلات لكى تنعم بالرقى الوهمي فى الطبقة الجديدة وأهمها زواجها من واحد إبن ناس إستغل هذا الشغف لنحل وبرها وإذاقتها الويل فأدمنته وأدمنت مايقدمه لها فتجرأ على الإستيلاء على ثروتها المكتسبة بموهبتها…وظهرت بنت البواب وهى تشرب الخمر وتصعد للمسرح مصطولة وتدمن المخدرات وكذا ذلك الفنان الشعبى وتاريخه معروف فلم نر لهم إسهاما فى مشروع خيرى ولامستوصف صحى حتى الضرائب لم نسمع عنه و عنهم إلا محاولات تهربهم الضريبى .
الموضوع عميق رغم بساطته وإختيار مثل هؤلاء الهاربون من طبقتهم فى المواقع هو عين الخبث حيث يسهل تطويعهم وتلقينهم ،إنهم عبده مشتاق أو محفوظ عبد الدايم أو سالم الإخشيدى…
ومع ذلك هناك الكثير من العصاميين الذين ساعدوا أبناء وطنهم منهم المرحوم سيد جلال وطه حسين ونجيب محفوظ والحاج محمود العربى وأعلوا إنسانيتهم على مادونها بل ومن أبناء الطبقات الراقية من خدم أبناء وطنه خدمات جليلة منهم أحمد عرابى ومحمد فريد وأحمد لطفى السيد .
مشكلتنا هذه الأيام أننا أمام زلزال حقيقى…إنهيار طبقات المجتمع لدرجة التلاشى فلم يصبح لدينا طبقات ولا حلم الصعود لطبقة أعلى والحال أصبح يافوق ياتحت مع تلاشى الطبقة المتوسطة وهى العمود الفقرى للمجتمع ،وأنا هنا مع أصدقائى قاعدين تحت لأن فوق بقت بعيدة علينا ولاأمل فى الترقى والهروب وآدى قعدة لما نشوف آخرتها !
“اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا وأحشرنى فى زمرة المساكين” .






