مقالات
د.محمد محفوظ
د.محمد محفوظ

كاتب ومحلل

الديمقراطية والدين

الدولة المدنية الديمقراطية من وجهة نظر معارضيها ؛ دولة تدير ظهرها لأحكام الله ( أوامره ونواهيه ) ؛ وتستبدلها بأحكام بشرية ؛ غالبا ما تخطئ وقلما تصيب

مشاركة:
حجم الخط:

 الدولة المدنية الديمقراطية والدين .. هل من تعارض ؟

تبدو الدولة المدنية الديمقراطية من وجهة نظر منتقديها ؛ دولة مناهضة للدين ؛ تعمل على تقليص دور الدين في المجتمع بحيث لا يمتد نفوذه إلا داخل دور العبادة ؛ ولا يتجاوز لأبعد من ذلك .

والدولة المدنية الديمقراطية من وجهة نظر معارضيها ؛ دولة تدير ظهرها لأحكام الله ( أوامره ونواهيه ) ؛ وتستبدلها بأحكام بشرية ؛ غالبا ما تخطئ وقلما تصيب .

ويمتلك المخالفون للدولة المدنية الديمقراطية حجة عقلية غاية في البساطة ؛ تتأسس على قاعدة منطقية مفادها : بأن الله تعالى هو خالق الإنسان ؛ وبالتالى فهو سبحانه وتعالى القادر وحده على وضع المنهج ( الكتالوج ) ؛ الذي يضمن الإرشادات المثالية لحركة الإنسان في الحياة .

وبالتالي ؛ طالما قضى الله سبحانه وتعالى أمراً فلا مجال للالتفاف حول هذا الأمر ؛ بل يصبح الانصياع له واجباً ولازماً .

ولكن ؛ رغم وجاهة هذه الأفكار وبساطتها ؛ إلا أن القضايا التى تفصل فيها ؛ أعمق من أن يتم الوصول لقاعها بمثل هذه البساطة ؛ بل يحتاج الأمر إلى المزيد من الغوص بعيداً عن السطح الرائق الظاهر ؛ لنستكشف الطبقات التى تظل مختفية عن النظرة العابرة والمنطق المباشر البسيط .

والواقع أن ( أول ) مظهر يسيء لسمعة الدولة المدنية الديمقراطية ؛ هو أنها دولة لا تطبق ( الحدود ) التي نص عليها القرآن ؛ وباقي الكتب السماوية كالإنجيل والتوراة . الأمر الذي يمثل خروجاً عن منهج الله لصالح تشريعات بشرية .

وإذا تأملنا لفظ ( الحدود ) ؛ فإنه من حيث موضعه في القرآن ينصرف إلى : تنظيم الطلاق ؛ والمواريث ؛ والصيام ؛ والاعتكاف ؛ وكفارة الرجوع عن ظهار الزوج لزوجته . ولم يرد مطلقاً في آيات القتل ؛ والسرقة ؛ والزنى ؛ والقذف ؛ ومحاربة الله ورسوله والإفساد في الأرض .

إلا أن اللفظ اكتسب مدلوله العام في نصوص روايات أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ لكي يدل على العقوبات المقررة لبعض الأفعال المحرمة .

ولعل السياق الذي ورد فيه لفظ الحدود ضمن آيات القرآن الكريم ؛ لا يشير إلى الحدود باعتبارها قيود لا يتم تجاوزها أو التقهقر عنها ؛ وإنما هو يشير إليها – حصراً – باعتبارها ما لا يمكن تعديه أو تجاوزه . مصداقا لقول الله تعالى :
( تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فأولئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ) . [ البقرة: ٢٢٩]
( وَمَنْ يَعْص اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلهُ نارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ) . [ النساء: ١٤]
( وَتِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فقَد ظَلَمَ نفسَهُ .. ) .
[ الطلاق: ١]

وبالتالي ؛ فالحدود هي ما لا يتم تجاوزه ؛ وتمثل الدرجة القصوى التي تصل إليها العقوبة على الفعل المحرم فى أشد درجاته ؛ بما يعني إمكانية النزول عنها لمواجهة الأفعال المحرمة فى درجاتها الأقل شدة .

فإذا قلنا لشخص ما ؛ تلك حدود أرضك فلا تتعداها ؛ فإن هذا لا يعني أن يقتصر سيره فوق الخطوط المرسومة لحدود الأرض فقط ولا يخرج عنها ؛ وإنما يعني أن يسير داخل كل الأرض تقدماً وتراجعاً دون أن يتجاوز هذه الخطوط أو الحدود .

فالحدود فى القرآن ؛ هى تعريف بالحد الأقصى للعقاب الذى لا يمكن تجاوزه ؛ ولكن يمكن النزول عنه بعقوبات أقل ؛ فأقل ؛ بما يناسب شدة الفعل المحرم .

فالحدود ترسم مساحة ؛ خطوطها الخارجية ( القصوى ) هى التشريع الإلهي ؛ ومحتواها ( النسبي المتدرج ) هو التشريع البشري ؛ أو ما يسمى فقهاً ( التعزير ) .

وبالتالي ؛ لا مجال للتمترس على خط الحدود ورفض أى إمكانية للنزول عن مداها الأقصى .

كما أنه لا مجال أيضاً لتفضيل تشريع بشرى على آخر ؛ أو تعزير بشرى على آخر ؛ اعتماداً على التعصب لمذهب فقهى أو الانبهار بإنجاز تراثى . وذلك مصداقا لقوله تعالى :
( خـُذِ العَفوَ وَأمُرْ بِالعـُرف وَأَعرضْ عَن الجَاهِلِينَ ) . [ الأعراف: ١٩٩ ]

فالعفو هنا ؛ لا يعنى إلغاء الحدود ؛ وإنما يعني النزول عن حدها الأقصى بما يناسب شدة الفعل المحرم .

والعـُرف هنا – أيضاً – لا يعني هجر الحدود ؛ وإنما يعني النزول عن حدها الأقصى بما يناسب السائد والمألوف من قواعد التحضر والرحمة والتقاليد .

والإعراض عن الجاهلين ( أى الفارغين من العلم ) يعني – بمفهوم المخالفة – الاستعانة بأهل العلم فكراً وعملاً ؛ أي المتخصصين في مجالاتهم المتنوعة .

وبالتالي ؛ لا مجال للأخذ بالعفو أو الأمر بالعـُرف ؛ إلا بناء على دراسة علمية تحترم التخصص الذي تقتضيه المسألة المطروحة .

الحدود إذن خطوط لا ينبغي تجاوزها ؛ ولكن يمكن الانطلاق داخل مساحتها بفقه العفو وقواعد العـُرف ومنهج العلم .

نعم ؛ فقه العفو .. وقواعد العـُرف .. ومنهج العلم .

فقه العفو ؛ يرى العقوبات متدرجة وفقاً للآتي :
– شدة الفعل المحرم ومدى تكراره .
– قواعد العـُرف السائد ومدى استقراره .
– منهج العلم المعروف ومدى انتشاره .

ومن ثم فإن لجوء الدولة المدنية الديمقراطية للتشريع البشرى ( القوانين ) لمواجهة كافة صور الشدة المتدرجة لجرائم الحدود ؛ هو أمر يدور فى إطار ما أمر به الله طالما لم يتجاوز العقوبة الحدية .
وهذا يؤكد بأن الدولة المدنية الديمقراطية تعترف بالحدود ولا تنكرها .

ولعل المظهر ( الثاني ) الذى يسئ للدولة المدنية الديمقراطية ؛ وصفها بأنها دولة تفصل بين الدين والدولة ؛ وبالتالى تجرِّد الدولة وحكامها ومواطنيها من الوازع الدينى ؛ وتترك الدين مهجوراً معزولاً داخل دور العبادة .

والواقع أن الدولة المدنية الديمقراطية لا تتعامل مع الدين بهذا المنطق ؛ وإنما تتعامل مع الدين باعتباره مصدر للقيم والأخلاق والضمير ، وبالتالى فهو جوهر ومضمون كل اجتماع بشرى.
وتتعامل مع الدولة باعتبارها مصدر للنظام والتخطيط ؛ وبالتالى فهى الإطار والهيكل لكل اجتماع بشري .

وهذا يوضح ، بأن الدين ( كمنظومة للقيم ) هو جوهر كل دولة ، بينما الدولة ( كإطار ) هي المجال لحركة الدين. 

وهذا يوضح بأن الدولة المدنية الديمقراطية ؛ لا تفصل الدين عن الدولة ؛ وإنما تفصل عن الدولة ؛ رجال الدين.

فالدولة لها رجالها وهم الساسة ؛ والدين له رجاله وهم رجال الدين .
فلا رجال دين فى السياسة ؛ ولا رجال سياسة فى الدين .

وتلتزم الدولة المدنية الديمقراطية بفصل رجال الدين عن الدولة ؛ لأنها ترى أن سلطة الدين مقرها نفس الإنسان وليس قصور الحكام ؛ ولذلك تحتفظ لرجال الدين بسلطتهم الروحية الدعوية ؛ وتحتفظ للساسة بسلطتهم المادية الجبرية .

ولا شك بأن هذا الفصل يحقق مصلحة الدولة والدين معاً .
وذلك لأن الدين جوهر اختياري وليس شكلاً أو مظهراً أو سمتاً إجبارياً ، ومن ثم فإن موقعه الحقيقي هو النفس الإنسانية التى إن استوعبته عكسته على الواقع ؛ فأصبح هذا الواقع مسايراً لمنهج الله .

فالدين عرشه فى النفوس ؛ وليس على مقاعد السلطة التى إن استحوذت عليه فرضته فرضاً على الواقع والناس ؛ فصار شكلاً يفتقد الجوهر والمضمون .

وهذا يوضح أن الدولة المدنية الديمقراطية عندما تقوم بالفصل بين رجال الدين والدولة ؛ فإنها بذلك تُعلى من شأن الدين ؛ وسلطته الروحية التى إن تغلغلت في النفوس فإنها تنعكس بالخير على الواقع.

ويتمثل المظهر ( الثالث ) الذي يسئ للدولة المدنية الديمقراطية ؛ فى أنها دولة تسمح بالحرية الدينية لأقصى مدى ؛ بما قد يؤدي عملياً إلى انتشار الدعوات اللادينية التى تتطاول على الدين وتهدد بزواله .

والواقع أن الدولة المدنية الديمقراطية باعتناقها لمبدأ الحرية الدينية لحدودها القصوى ؛ لا تخرج بذلك عن منهج الله ؛ بل هي – قولاً وعملاً – تلتزم به ؛ لأنها تعترف بما اعترف الله به للإنسان ؛ وهو أنه حر ومخيَّر .
فالأمانة التى حملها الإنسان هى أمانة العقل ومسئولية الاختيار ؛ ولذلك أقر الدين حرية الإيمان ؛ مصداقاً لقوله تعالى :
( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرشْدُ مِنَ الغيِّ .. ) [ البقرة: ٢٥٦ ]

كما كفل الدين للناس حرية الكفر أو الإيمان ، مصداقا لقوله تعالى :
( فَمَنْ شَاءَ فَليُؤمِنْ وَمَنْ شَاءَ فليَكفر ) [ الكهف: ٢٩ ]

وذلك لأن الله تعالى بعلمه الشامل ؛ علم يقيناً أن الحرية هى السبيل الوحيد للوصول بالإنسان إلى الإيمان الحق ، وليس الإيمان الموروث .

فالحرية هى السبيل لصحة الاعتقاد ، والله الذى خلق الناس والمصالح ، جعل مشيئة الإنسان قائدة للإيمان ، لأنه سبحانه يريد أن يؤمن به الأحرار ، العباد فى طاعته ؛ ولكنهم الأحرار فى التزام تلك الطاعة .

ولذلك ؛ فإن الدولة المدنية الديمقراطية بحمايتها للحرية الدينية تعزز من الإيمان الحقيقي القائم على العقل والإصلاح في الأرض ؛ وتقلص من الإيمان الشكلي المقتصر على الشعائر واللامبالي بمصالح الناس وصلاح الأرض .

ولعل اللافت للنظر ؛ أن البحث التاريخي يثبت أن الدولة غير المدنية هى التى تحاصر رجال الدين وتطاردهم ؛ لأنها بعدم سماحها بالحرية الدينية إلى حدودها القصوى ؛ تحتضن التزمت والتعصب ؛ وتضيق بالفكر الدينى القائم على الإصلاح فى الأرض ؛ ولنا فى محنة الإمام أبوحنيفة النعمان والإمام أحمد بن حنبل ؛ بالغ العبر .

الدولة المدنية الديمقراطية – إذن – لا تنكر الحدود ؛ ولكنها تتعامل معها بفقه العفو وقواعد العـُرف ومنهج العلم .

ولا تفصل الدين عن الدولة ؛ وإنما تفصل عنها رجال الدين .

ولا تشجع الدعوات اللادينية عندما تسمح بالحرية الدينية لحدودها القصوى ؛ وإنما تشجع فطرة الله فى الأرض القاضية بأنه لا جدوى من إيمان الناس إن لم يكونوا أحراراً .

الدولة المدنية الديمقراطية لا تنشغل ببناء أقفاص ذهبية معقمة لتحبس الناس بداخلها بدعوى الحفاظ على الدين ؛ لأن الدين الحق ينمو فى المجتمعات المفتوحة الحرة وليس المجتمعات المنغلقة المسورة . ولأن الله خلق الإنسان حراً لكى يمارس الخطأ والصواب ؛ والكفر والإيمان ؛ والشر والخير ؛ وبالتالى لا مجال لإقامة مجتمعات معقمة على الأرض ؛ لأن الله بعد أن استجاب لدعوة نوح عليه السلام بألا يترك على الأرض أحداً من الكافرين ؛ عادت الأرض بعد سنين وامتلأت بمن هم أشد كفراً .

الدولة المدنية الديمقراطية لا تنشغل بإقامة العدالة المطلقة ؛ ولكنها تجاهد لكي تحقق أكبر قدر من العدالة لأكبر عدد من الناس .

الدولة المدنية الديمقراطية – إجلالاً وليس اجتراءً – لا تنشغل بالدفاع عن حقوق الله ؛ وإنما تنشغل بالدفاع عن حقوق الناس ؛ لأن الناس فى حاجة إلى من يدافع عن حقوقهم ؛ والله العزيز القادر غني عن العالمين .

الدولة المدنية الديمقراطية لا يترأسها ( خليفة ) أو ( مرشد أعلى ) أو ( إمام ) أو ( أمير للمؤمنين ) اختاره الله ؛ وإنما يترأسها موظف انتخبه الشعب ليحقق ما يريده الشعب ؛ فإن أخفق اختار غيره الشعب .

الدولة المدنية الديمقراطية لا تتدخل فى حياة الناس الخاصة إلا بالقدر الذى يمنع الإضرار بالآخرين ؛ ومن ثم لا تعطي لنفسها الحق لكى تتلصص وتتجسس على الناس بدعوى صيانة المجتمع من الحرمات ؛ فمن ستره الله لا ينبغى هتك ستره .

الدولة المدنية الديمقراطية ؛ لا يمكن أن تكون دولة لادينية ؛ لأنها دولة تعترف بالتنوع ؛ وتمارس إدارة الاختلاف ؛ وتقر سيادة القانون ؛ وترسي مبدأ الفصل بين السلطات .

الدولة المدنية الديمقراطية هي الطريق لكي تصل كل التيارات على اختلافها إلى الحكم ؛ طالما اختارها الشعب .
الدولة المدنية الديمقراطية هى الحل .

– ملحوظة : مثلما لا يشغل مقاعد السلطة بالدولة المدنية الديمقراطية ( درويش ) ، فإنه وبالمثل لا يشغل تلك المقاعد ( شاويش ) .
وفي هذا مقال آخر بإذن الله تعالى .

شارك المقال: