مصطفي الجارحي يكتب: القصيدة وحدها تدافع عن نفسها (2-3)
المؤكد أن القصيدة لن تخفت.. لن تتلاشى، فثمة تجارب مهمة يتردد صداها في الهامش، أو في أروقة الكيانات المستقلة؛ تثبت أن المحطة الثمانينية لم تكن هباء

مصطفي الجارحي في ندوة شعرية
واقع يكشف كم الزيف والشعارات الرنانة
ولا ننكر أن هذا التحول الجذري، الذي اضطلع به جيل الثمانينيات، اصطدم بمتلقٍ لم يكن جاهزًا، أو على مستوى الحدث، خصوصًا مع خلخلة الثوابت الراسخة منذ عقود، بل وباتت نظرته إلى مثل هذه التجارب مغلفة بالشك وبمراجعة مستمرة للأفكار حول ما إذا كان ما يسمعه أو يقرأه الآن هو شعر من أساسه.
هنا يمكن ملاحظة الهوة والتي بسببها بات المشهد الثمانيني غريبًا، وصفه بعض النقاد بالضبابية.. ذلك أنه جيل تلقى الشعر مباشرة من الجيل الستيني، بعد أن أدرك أن القصيدة السبعينية آنذاك سقطت في فخ التقليد الكربوني الباهت، اللهم إلا بعض تجارب الشعراء: عبد الدايم الشاذلي في (بصمات منقوشة بالحنين)، ومحمود الطويل في (عيونك سكة الفقرا)، وماجد يوسف خصوصًا في تجربته (ست الحزن والجمال).
المتلقى ينصرف عن التجارب
هكذا لم يجد المتلقي إجابة شافية، أعني إجابة نقدية توقفه على حقيقة الأمر، فانصرف عن هذه التجارب وراح يبحث عن ما يعرفه هو واعتاد عليه، وللأسف وجد ضالته في موضة الصالونات الأدبية، وما أكثرها الآن، إذ يكفي أن تمتلك المال وتستأجر قاعة كبيرة تزدحم بأشخاص يقتاتون على استنساخ القوالب الشعرية القديمة والمفاهيم الجاهزة المحفوظة، حتى بات هو نفسه، أقصد المتلقي، قادرًا بعد ندوة أو ندوتين أن يعتلي المنصة ويلقي كلامًا مرصوصًا وينال درجة التصفيق نفسها، ما دام الأمر بهذه السهولة.
وغير خافٍ أن الساحة تشهد الآن صالونات لا حصر لها، وذات مجالس إدارات، وتمنح شهادات تقدير ودروعًا، بل وتنظم مسابقات وتقدم جوائز.
قصيدة تدافع عن نفسها بنفسها
قبل انتهاء العام 2025 شهد الوسط الثقافي جدلًا واسعًا يؤكد استمرار النظرة الفوقية لتلك القصيدة المصرية من قبل المؤسسة الرسمية، وبعد أن استرحنا لأعوام من نظرة ترفع القصيدة الرسمية (الفصحى) لمكانة سامية وتضع العامية في مكانة متدنية، إذا بنا نسقط في جدل عقيم حول أحقية قصيدتنا في حصد جوائز الدولة التشجيعية، في إهمال تام للسؤال الأهم: ولماذا لا تحصد جوائز الدولة التقديرية (؟!)
وأيًا كان قرار عدم منح التشجيعية مؤقتًا أو معطلًا أو سيتم العدول عنه، بعد حين، فإن الأمر لا يحتاج منّا أن نكون على طول الخط في موقف الدفاع عن ما نكتبه، فالقصيدة وحدها قادرة على التصدي والدفاع عن نفسها؛ بعد أن حققت منجزًا لا يخفى على أحد.. فدعونا نبتعد عن هذه المسألة حتى لا نستهلك أنفسنا فيما لا طائل من ورائه، خاصة أن قصيدتنا تقف بشموخ وكبرياء، ووجودها يجُب أي تنظير عنها أو حولها.
صامدة برغم الردة
المؤكد أن القصيدة لن تخفت.. لن تتلاشى، فثمة تجارب مهمة يتردد صداها في الهامش، أو في أروقة الكيانات المستقلة؛ تثبت أن المحطة الثمانينية لم تكن هباء، فقد أثبتت أنها رأس الحربة في مسيرة القصيدة الجديدة، وسرعان ما توالت أجيال استوعبت النص الثمانيني جيدًا بل وحاولت أن تضيف ملامحها الجمالية الخاصة (جيل صادق شرشر وبهاء عواد وطارق هاشم) أقصد جيل التسعينيات المتمرد والذي فتح آفاق النثر على القصيدة.
فبدت تجربته ثرية في تجددها، واشتغل على التجارب الواقعية القاسية، مستفيدًا من كل الأجيال السابقة عليه ولكن بشخصيته هو، متحررًا من المجاز المركب، ومن تغوّل الأنا، مستعينًا بقاموس لغوي مختلف.
كتب عنه بعض النقاد للأسف الشديد بأنه البسيط والعادي والهامشي واليومي والمعاش وما إلى ذلك، ناسين أن الاشتغال الأهم كان يتلخص في البحث عن شخصية القصيدة الجديدة.. هويتها.. جمالياتها الخاصة.. حتى وإن اعتقدوا أن النص الثمانيني فقد جدواه أو استنفد المرجو منه.





