مقالات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

إيران بين الديموقراطية والثورة!

حين اندلعت الثورة عام 1979 لم تكن مجرد احتجاج اقتصادي أو ديني، بل انفجارًا تاريخيًا لتراكم بدأ منذ 1953. سقط الشاه، وعاد روح الله الخميني، وتأسست الجمهورية الإسلامية

مشاركة:
حجم الخط:

تجربة محمد مصدق

في مطلع الخمسينيات شهدت إيران واحدة من أهم المحاولات الديمقراطية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.

صعد الدكتور محمد مصدق إلى رئاسة الحكومة عام 1951 عبر آلية دستورية وبرلمانية، مستندًا إلى أغلبية نيابية وحراك شعبي واسع، حاملاً برنامجًا واضحًا: تثبيت السيادة الوطنية، إخضاع المؤسسة الملكية للدستور، وإنهاء السيطرة الأجنبية على النفط الإيراني الذي كانت تحتكره شركة النفط الأنجلو-إيرانية البريطانية.

قرار تأميم النفط في مارس 1951 لم يكن مغامرة شعبوية، بل خطوة قانونية أقرها البرلمان، هدفت إلى إعادة توزيع عوائد الثروة الوطنية داخل الاقتصاد الإيراني.

لكن هذا القرار مسّ جوهر المصالح الاستراتيجية لبريطانيا، ثم للولايات المتحدة التي رأت في مصدق – في أجواء الحرب الباردة – احتمال انزلاق نحو معسكر مغاير لنفوذها، رغم أن الرجل لم يكن شيوعيًا بل ليبراليًا وطنيًا واضح الانتماء الدستوري.

محمد رضا بهلوي

بدأ حصار اقتصادي خانق، وتكثفت عمليات الضغط السياسي، وصولًا إلى عملية الانقلاب في 19 أغسطس 1953، المعروفة بعملية “أجاكس”، التي نُفذت بتنسيق بين الاستخبارات الأمريكية والبريطانية. أُطيح بالحكومة المنتخبة، وحُوكم مصدق وسُجن حتى وفاته، وأُعيد تثبيت محمد رضا بهلوي بسلطات مطلقة تجاوزت عمليًا حدود النظام الدستوري.
بهذا الحدث لم تُسقط حكومة فحسب، بل أُجهض مسار ديمقراطي سلمي كان يمكن أن يشكل نموذجًا إقليميًا مختلفًا. منذ تلك اللحظة، ارتبط الاستقلال الاقتصادي في الوعي السياسي الإيراني بمخاطر التدخل الخارجي، وارتبط الإصلاح البرلماني بإمكانية الإطاحة به إذا تعارض مع ميزان المصالح الدولية.
على امتداد ربع قرن تكرس حكم أمني مركزي مدعوم غربيًا، وتوسعت صلاحيات جهاز السافاك في ملاحقة المعارضين من قوميين ويساريين وإسلاميين.

الثورة الإسلامية

كانت إيران تُقدَّم في الخطاب الغربي بوصفها ركيزة استقرار، بينما كان الداخل يعيش انسدادًا سياسيًا متراكمًا. ومع غياب قنوات التغيير التدريجي، تحولت المعارضة شيئًا فشيئًا من مطالب إصلاحية دستورية إلى مشروع ثوري شامل.
حين اندلعت الثورة عام 1979 لم تكن مجرد احتجاج اقتصادي أو ديني، بل انفجارًا تاريخيًا لتراكم بدأ منذ 1953. سقط الشاه، وعاد روح الله الخميني، وتأسست الجمهورية الإسلامية على منطق مغاير تمامًا لمنطق مصدق. الفارق الجوهري أن مشروع 1951 راهن على التوازن الدستوري والتدرج، بينما مشروع 1979 تأسس على قناعة بأن الثورة لا تحمي نفسها إلا بإعادة صياغة الدولة جذريًا وإقصاء خصومها بصورة حاسمة، هنا تتضح المفارقة التاريخية: إسقاط تجربة وطنية ديمقراطية بدعوى حماية الاستقرار أنتج لاحقًا نظامًا أكثر صدامًا وأشد تحصنًا أيديولوجيًا.

ما جرى لم يكن صراعًا دينيًا في جوهره، بل صراعًا على السيادة وتوزيع القوة.

وعندما أُغلق المسار المدني، أصبح البديل الثوري هو القناة الوحيدة المتاحة للتغيير.
اليوم، في ظل التوتر المستمر بين إيران والغرب، والعقوبات الممتدة، والصراعات الإقليمية المتشابكة، لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن تلك اللحظة المؤسسة عام 1953.

إن جزءًا كبيرًا من انعدام الثقة البنيوي بين الطرفين يعود إلى تجربة إسقاط حكومة منتخبة لأنها مست مصالح استراتيجية كبرى. والنتيجة أن العلاقة دخلت منذ ذلك الحين في دائرة أمنية مغلقة: كل طرف يرى في الآخر تهديدًا وجوديًا.

الخلاصة ليست تبريرًا لمسار أو إدانة خطابية لآخر، بل تقرير لحقيقة تاريخية واضحة: حين يُجهض مشروع استقلالي ديمقراطي بالقوة، فإن التداعيات لا تنتهي بسقوط حكومته، بل تعيد تشكيل الخريطة السياسية لعقود.

التجربة الإيرانية تقدم مثالًا صارخًا على أن كلفة إجهاض الاعتدال قد تكون صعود بديل أكثر حدة، وأن التدخل القصير الأمد لحماية المصالح قد ينتج صراعًا طويل الأمد يصعب احتواؤه.
هذا هو الدرس الذي لا يزال حاضرًا في الإقليم حتى الآن.

شارك المقال: