إبداع
د. رمضان بلال
د. رمضان بلال

قصة د. رمضان بلال (حين علم الحمام المدينة كيف تطير)

ارتفعت، دارت فوق القباب، مرّت فوق الأزقة، ثم اختفت خلف السور. في المساء، عادت. لم يكن في ساقها شيء. لكن في عينيها لمعانٌ لم يره من قبل

مشاركة:
حجم الخط:

 قصة قصيرة 
بقلم: د. رمضان بلال

لم يكن أحدٌ في الحارة العتيقة قرب
المسجد الأقصى
يعرف متى بدأ الأمر بالضبط.
قالت أمّ يونس إن الحمام تكاثر فجأةً في الفجر،
وقال الحاج سليم إن المدينة نفسها هي التي أنجبت جناحين.
أما يونس، فلم يقل شيئًا.
كان في العاشرة، يحمل في جيبه حبّات قمحٍ يابسة، ويصعد كل صباح إلى سطح البيت الحجري، هناك، حيث القباب تتلألأ بلونٍ يشبه الحلم، كان ينتظر حمامةً واحدة لا تشبه سواها.
لم تكن بيضاء تمامًا.
كان في جناحها الأيسر ريشةٌ رمادية، كأنها ندبة قديمة.
في تلك الأيام، كانت المدينة تمشي بحذر.
الأبواب تُغلق أسرع، والهمس أطول، والسماء أقرب مما ينبغي.
لكن الحمام لم يتوقف عن الطيران.
قال يونس للحمامة ذات الريشة الرمادية:
“لو حملتكِ رسالة… هل تعرفين الطريق؟”
مالت برأسها، كما لو أنها تفهم.
كتب على ورقةٍ صغيرة:
“إلى من بقي في القلب… ما زلنا هنا.”
طواها بعناية، وربطها بخيطٍ خفيف في ساقها.
أطلقها.
ارتفعت، دارت فوق القباب، مرّت فوق الأزقة، ثم اختفت خلف السور.
في المساء، عادت.
لم يكن في ساقها شيء.
لكن في عينيها لمعانٌ لم يره من قبل.
في اليوم التالي، جاء إلى الحارة رجلٌ غريب.
لم يحمل سلاحًا، بل حقيبة كتب.
سأل عن بيتٍ قديمٍ كان يسكنه شاعرٌ رحل قبل أعوام.
همس الحاج سليم:
“ربما أخطأ الطريق.”
لكن يونس لم يخطئ.
صعد إلى السطح، وانتظر.
جاءت الحمامة.
هذه المرة، كانت تحمل شيئًا.
ورقةٌ أخرى، مكتوب فيها:
“وصلت الرسالة الكلمة ما زالت حيّة.”
لم يفهم يونس كل شيء، لكنه شعر أن المدينة تنفست.
تكرّر الأمر.
رسائل قصيرة، بلا أسماء، بلا عناوين.
جملةٌ من هنا، ردٌّ من هناك.
لم يعرف أحد كيف تعبر الحمامة الحواجز،
ولا لماذا لا يصيبها رصاص الصدفة.
لكن شيئًا تغيّر.
بدأ الأطفال يرسمون حمامًا على الجدران.
بدأت النساء يضعن أوعية ماءٍ على النوافذ.
حتى الرجال الذين تعلّموا الصمت، رفعوا رؤوسهم قليلًا حين يمر سربٌ في السماء.
وذات فجرٍ ثقيل، لم تأتِ الحمامة.
انتظر يونس حتى أرهقته الشمس.
جلس على حافة السطح، والقمح بين يديه.
في الظهيرة، سمع رفرفةً ضعيفة.
كانت هي.
لكن ريشة الجناح الرمادية صارت أكبر،
كأن الجرح اتسع.
لم تحمل رسالة هذه المرة.
سقطت قرب قدميه.
حملها برفق.
شعر بقلبها الصغير يخفق بسرعة مدينةٍ كاملة.
همس:
“لا بأس… سنكتب نحن.”
في تلك الليلة، لم يربط رسالةً في ساقها.
بل كتب على جدار السطح:
“ما دام في السماء متّسعٌ لجناحين… فالأرض ليست ضيقة.”
في الصباح، رأى الجيران الكتابة.
ثم رأتها المدينة.
لم تعد الحمامة وحدها التي تحمل الرسائل.
صار كل طفلٍ رسولًا.
كل نافذةٍ جناحًا.
كل كلمةٍ طائرًا.
كبر يونس.
وصارت الريشة الرمادية ذكرى في قلبه.
لكن الحمام ظلّ يحلّق فوق
القدس
كأنه يعرف أن المدن لا تسقط ما دام فيها من يؤمن بأن السماء لا تُحتل.
وهكذا، لم تكن القصة عن حمامةٍ فقط…
بل عن مدينةٍ تعلّمت، رغم كل شيء،
أن تطير.

شارك المقال: