أمريكا في مواجهة إيران
هشاشة الاقتصاد الأمريكي تجعل من الحرب الطويلة خيارا غير مرغوب فيه، وبخاصة إذا تأثرت أسواق الطاقة، كما أن ضغوط القضايا السياسية الداخلية تشكل عاملا متناقضا،

بقلم: د. أحمد مجاهد
معضلات استراتيجية دقيقة
في صراعها مع طهران، تواجه واشنطن خيارا أساسيا: هل تسعى إلى تغيير النظام الإيراني نفسه، أم تكتفى بتغيير سلوك هذا النظام مع الحفاظ على الاستقرار الإقليمي؟ هذان التصوران يعكسان منطقا أمنيا متباينا في واشنطن وطهران (وتل أبيب)، تحكمه اعتبارات ومتغيرات معقدة ومتداخلة وسريعة التطور.
إيران لديها ثلاث أولويات. الأولى هي بقاء النظام.
فقيادة الجمهورية الإسلامية تقيم أي تحرك خارجي من زاوية تأثيره على الاستقرار الداخلي. بالتالي، فأي تنازل يبدو وكأنه رضوخ أو خضوع للإرادة الأمريكية سيكون من شأنه إضعاف تماسك النخبة الحاكمة والمزيد من التآكل في شرعية النظام أمام شعبه.
الأولوية الثانية تتمثل فى الحفاظ على السيادة والاستقلال الاستراتيجي.
وتعد مسألة تخصيب اليورانيوم رمزا للاستقلال الوطني، لكن الأهم من ذلك هو قدرات إيران في مجالي تصنيع الصواريخ متعددة النوعية والمدى والطائرات المسيرة. فبسبب الفارق الكبير في القوة العسكرية التقليدية بينها وبين الولايات المتحدة (وإسرائيل) ترى طهران في الصواريخ الباليستية والمسيرات أدوات ردع أساسية تضمن رفع تكلفة أي هجوم عليها. كما أن شبكاتها الإقليمية -حتى بعد الضربات الموجعة التي تعرضت لها خلال العامين الماضيين- تمنحها عمقا استراتيجيا وخيارات للرد غير المباشر، المزعج والمكلف.
الأولوية الثالثة هي تخفيف العقوبات وجذب الاستثمار الأجنبي
حيث أضعفت سنوات الضغط الاقتصادي قدرات الدولة الإيرانية وأثرت في معنويات المواطنين وثقتهم في النظام. لذلك يبقى الوصول إلى عائدات النفط، والقنوات المالية، والاندماج الاقتصادي في الاقتصاد الدولي، وتحديث البنية التحتية للنفط والغاز وأسطول النقل الجوي المدني المحلى، شروطا ضرورية لاستقرار النظام على المدى الطويل هذه تمثل المعضلة الثلاثية للردع” لدى إيران.
فهي لا تستطيع تعظيم أهداف بقاء النظام، والسيادة، والإنعاش الاقتصادي كلها في آن واحد.
فزيادة القدرات النووية والصاروخية تعزز الردع، لكنها تجلب عقوبات أشد وعزلة أكبر. وتقديم تنازلات كبيرة مقابل تخفيف العقوبات قد يبدو ضعفا داخليا. والاستمرار في مواجهة ضغوط اقتصادية طويلة يهدد بانفجار الأوضاع الاجتماعية وقدرة النظام على السيطرة على الوضع الداخلي.
لكل ذلك، يميل نظام الحكم في إيران إلى سياسة التصعيد المحسوب، والاتفاقات القابلة للتراجع، بحيث يحافظ على أوراق قوته دون تجاوز الخطوط بما يهدد وجوده.
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة داخل ما يمكن أن نطلق عليه “معضلة ثلاثية للمصداقية”
فهي تريد منع انتشار السلاح النووي، وطمأنة إسرائيل، وتجنب حرب إقليمية واسعة. لكن هذه الأهداف تتعارض أحيانا فسياسة الضغط الأقصى تعزز مصداقية منع الانتشار، وتؤكد التزام واشنطن بأمن إسرائيل، لكنها ترفع خطر التصعيد. أما التهدئة الدبلوماسية فقد تخفف التوتر مؤقتا، لكنها تقلق الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، وتضعف صورة الحزم الأمريكي، وحتى التحرك العسكري -بهدف المزيد من استعراض العضلات الاستراتيجية والمزيد من طمأنة تل أبيب- قد يخرج عن السيطرة ويزعزع استقرار المنطقة بشكل لا يمكن التنبؤ به ولا التحكم بمساراته، ويقع الملف الصاروخي في قلب هذا التوتر.
فبالنسبة لواشنطن وتل أبيب، تضخم الترسانة الصاروخية والمسيرات الإيرانية الخطر النووي المحتمل لطهران وتمنحها قدرة ضغط كبيرة لا يمكن السماح باستمرارها، وذلك حتى بدون امتلاك سلاح نووي. أما بالنسبة لإيران، فهذه الصواريخ غير قابلة للتفاوض لأنها تمثل الحد الأدنى من ضمان أمنها. لذلك غالبا ما تفشل المفاوضات حين يطرح موضوع تفكيك الصواريخ ضمن الاتفاق النووي.
وعندما يكون رئيس الولايات المتحدة شخصية مثل دونالد ترامب، تتسم هذه المعادلة بقدر أكبر من الحدة.
فأسلوب ترامب يعتمد على الضغط العلني، وتحديد المهل الزمنية، وإظهار القوة. والإكراه بالنسبة له ليس مجرد أداة استراتيجية، بل استعراض سياسي أيضا. والحشد العسكري الكبير في المنطقة -الذى يروَّج له باعتباره الوسيلة المثلى لانتزاع صفقة أفضل، وطمأنة إسرائيل وتعزيز أمنها- يخلق ديناميكية خاصة، حتى بدون شن الحرب. فبعد نشر حاملات الطائرات وهذا العدد الضخم من القوات والمعدات، يبدأ الداخل الأمريكي في التساؤل: هل هذا مجرد استعراض قوة أم تمهيد لعمل عسكري كبير؟ وهل هناك هدف واضح من كل ذلك؟ ولماذا يتحمل دافع الضرائب الأمريكي كل هذه التكاليف؟
هنا يظهر ما يمكن تسميته “فخ المصداقية”.
فالحشد الذى يهدف إلى الردع قد يولد ضغطا لاستخدام القوة إذا لم تتراجع إيران علنا. بالنسبة لرئيس يحرص على تضخيم صورة الحزم والتحكم، فإن التراجع بعد توجيهه تهديدات علنية يضر بسمعته وصورته. لكن في نفس الوقت، ستؤدى أي عمليات حربية إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة التضخم في أمريكا واهتزاز الاستقرار الإقليميي، وكلها تكاليف سياسية كبيرة في ظل أوضاع اقتصادية أمريكية تتسم بالهشاشة وعدم اليقين.
رغبة ترامب في تعزيز مختلف جوانب صورته ذات الأبعاد المتناقضة -كقائد قوى يُخضع الخصوم بالقوة، وصانع صفقات لا يٌشق له غبار، وصانع سلام ينقذ الأرواح- وفى آن واحد، تزيد التوتر والتنافر بين الرغبة في إظهار الصرامة من جانب، والطموح نحو تحقيق إنجاز دبلوماسي تاريخي من جانب آخر.
تتمحور عملية صنع القرار حول المرشد الأعلى والحرس الثوري
آية الله خامنئي يحدد الخطوط الحمراء: فلا تنازل عن أدوات السيادة الأساسية، ولا اتفاق يهدد بقاء النظام. أما الحرس الثوري فيدير عمليا منظومة الردع، من الصواريخ إلى الشبكات الإقليمية، وله مصالح اقتصادية واسعة. استمرار التوتر مع الولايات المتحدة يعزز مكانته الداخلية على أساس ما يطلق عليه “أثر الالتفاف حول العلم” في أوقات الأزمات الكبرى، وهو ما يحد من هامش التنازل. ومن هذه الزاوية، من المتفهم أن تبقى المفاوضات محكومة بمنطق أمنى صارم لا يقبل إلا بأقل قدر من التنازلات.
لكن من زاوية أخرى، قد تدفع المصالح الاقتصادية للحرس الثوري ودورها في تماسك النخبة وتيسير أمور الحكم في اتجاه مناقض يشجع على قبول تقديم تنازلات مقابل جذب الاستثمارات الامريكية.
الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة تزيد هذا المشهد تعقيدا.
فهشاشة الاقتصاد الأمريكي تجعل من الحرب الطويلة خيارا غير مرغوب فيه، وبخاصة إذا تأثرت أسواق الطاقة، كما أن ضغوط القضايا السياسية الداخلية تشكل عاملا متناقضا، فمن جانب، قد تدفع مسائل من قبيل ملفات إبستين (أو إبشتاين) إدارة ترامب إلى استعراض القوة في الخارج وتحقيق نصر تتصوره سهلا من أجل تحويل انتباه الناخبين بعيدا أو التغطية على الفضائح والإخفاقات التي قد تعصف بسمعة الحكم.
لكن -من جانب آخر، تقلل “المغامرات” الخارجية غير واضحة الغايات قدرة الإدارة الأمريكية على تحمل أو تمرير أخطاء استراتيجية أو خسائر عسكرية أمام الرأي العام، لاسيما إذا كانت لدى عدد متزايد من المواطنين الأمريكيين شكوك متزايدة حول المستفيد الحقيقي أو الأكبر من التحرك العسكري الأمريكي -الولايات المتحدة، أم إسرائيل.
ولا ننسى أن ترامب -ومعه الحزب الجمهوري الحاكم- يتحرك بالضرورة وفى ذهنه انتخابات نصف المدة للكونجرس، وهو لا يريد أن يتحول إلى “بطة عرجاء” غير قادر على الحكم فيما سيكون متبقيا من ولايته إذا فُقدت الأغلبية لصالح الحزب الديمقراطي.
عند تقاطع المعضلتين الثلاثيتين بين الولايات المتحدة وإيران يظهر مأزق الخيار الاستراتيجي الحاسم.
فالسعي إلى تغيير النظام يتطلب تفكيك بنية الردع الإيرانية: النووية والصاروخية والإقليمية. وهذا سيصطدم مباشرة بمنطق البقاء لدى طهران، وسيؤدى على الأرجح إلى مقاومة شرسة وتصعيد مضاد إيراني لا يمكن التنبؤ بتداعياته، فضلا عن تكلفة سياسية وعسكرية قد لا ترغب واشنطن في تحملها.
أما تغيير السلوك فيسلك طريقا أكثر مباشرة ووضوحا. حيث يركز على رفع الضغط الشامل على إيران إلى الحد الأقصى لتحقيق مطالب خفض مستويات تخصيب اليورانيوم، وتحديد مخزونه، وتعزيز الرقابة عليهما، وإدارة التصعيد الإقليمي. على أن تتم معالجة الملف الصاروخي تدريجيا عبر خطوات لبناء الثقة بدلا المطالبة بتفكيكه الفوري. وفى السابق، أثبت نهج “الملف النووي أولا” أنه أكثر واقعية وقابلية للتنفيذ.
لكن دخول العامل الإسرائيلي في التحليل يزيد الأمر تعقيدا.
فالحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة تنظر إلى البرنامجين النووي والصاروخي كتهديد وجودي
فمن جانب، تضغط إسرائيل على الجانب الأمريكي للدفع بضرورة التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني وتقليص مدى الصواريخ الإيرانية إلى ما دون الحدود الإسرائيلية. هذه الضغوط ترفع سقف المطالب الأمريكية وتقلص المساحة الدبلوماسية. ومن جانب آخر، يشكل احتمال قيام إسرائيل بتحرك عسكري منفرد ضغطا من نوع آخر على واشنطن لاتخاذ قرارات سريعة، تتراوح بين كبح إسرائيل، أو دعمها، أو التحرك قبلها. وفى خلفية كل ذلك، ملفات إبستين، التي تفوح منعها رائحة النفوذ الإسرائيلي على القرار الأمريكي وصانعيه.
رغم كل ذلك، تبقى هناك مساحة تفاوض -تبدو الآن ضيقة للغاية، لكنها ما زالت ممكنة- بين الولايات المتحدة وإيران.
لن تنفتح هذه المساحة إلا عندما تشعر إيران -أولا- بجسامة الضغط العسكري والاقتصادي المتزايد، الذى يُخشى منه على بقاء النظام وفقدان السيادة الوطنية، وأيضا عندما تدرك واشنطن أن خطر الاقتراب النووي الإيراني قائم بدرجة ما لكن يمكن التسامح إزاءه وفرض الرقابة على تطوره، لا سيما إذا كانت تكلفة الحرب مرتفعة للغاية وصعبة التبرير داخليا.
في هذه الحالة، ستصبح الاتفاقات محدودة المجال والقابلة للعكس ممكنة، وستتضمن: وضع سقف للتخصيب، مع رقابة مشددة، وتخفيف تدريجي للعقوبات، مع تأجيل الملف الصاروخي إلى مراحل لاحقة.
أطراف الأزمة بصدد مفترق طرق استراتيجي، يؤثر على الخيارات بشأنه عوامل متداخلة ومتناقضة ومتغيرة بسرعة على الجانبين، مما يجعل من التنبؤ بوقوع الحرب أو بانتصار الدبلوماسية أمرا بالغ الصعوبة، لا سيما فى ضوء غياب قدر كبير من “المعلومات الحقيقية” عن المشهد العلني





