تقارير

تقرير القطايف.. رفقية الغزي في السلم والحرب

وفي الخيام، كما في البيوت التي ما تزال قائمة، تظل القطايف أكثر من مجرد حلوى موسمية؛ إنها ذاكرة جماعية، وطقس مقاومة ناعم، ونافذة صغيرة يطل منها الغزيون على لحظة دفء في شهر الرحمة، مهما اشتدت الظروف.

مشاركة:
حجم الخط:

مع اقتراب موعد الإفطار في غزة، يتسلل عبق القطايف من الأزقة الضيقة إلى الخيام المنتشرة في مراكز النزوح، معلنًا حضور طقس رمضاني عريق لم تنجح الحرب ولا الحصار في اقتلاعه، ففي ظل أوضاع إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة، تبقى القطايف ملاذًا صغيرًا للفرح، وطقسًا جميلًا يتمسك به الغزيون كجزء من ذاكرتهم الجمعية.

ورغم شحّ المواد الأساسية وارتفاع الأسعار، يحرص عدد من الصنايعية على مواصلة العمل، ولو بإمكانات محدودة، لتأمين هذه الحلوى التي ترتبط في الوجدان الشعبي بليالي رمضان وروحها.

محمد ضبان يحافظ على المهنة

داخل محل متواضع في أحد أحياء غزة، يقف محمد ضبان أمام صاج القطايف، يسكب العجين بحركات خبيرة اعتادها منذ سنوات، يقول ضبان لـ”شهاب”: “القطايف مش بس حلوى، هي جزء من رمضان، الناس بتنتظرها كل سنة، حتى في أصعب الظروف”.

ويضيف أن التحديات هذا العام مضاعفة، بسبب نقص بعض المواد الأساسية وعدم توفر الغاز واستخدام الحطب في إشعال النار، فضلًا عن ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين بسبب الظروف التي خلفتها الحرب.

“أحيانًا بنشتغل بكميات قليلة جدًا، وبنحاول نوازن بين التكلفة وسعر البيع، في ناس بتيجي تشتري بالعدد، مش بالكيلو، عشان تقدر تدخل الفرحة على أولادها”.

ويؤكد ضبان أن الإقبال، رغم كل شيء، لا ينقطع، “الناس بدها تحافظ على طقوسها، يمكن ما تقدر تشتري أصناف كتير، لكن بتحرص يكون في طبق قطايف على سفرة الإفطار، حتى لو بسيط”.

ويشير إلى أن بعض العائلات باتت تفضل الحشوات الأرخص، أو تكتفي بالسكر الناعم بدل المكسرات، لكن ذلك لا يُنقص من قيمة اللحظة، “أهم إشي إنهم يحسّوا إنه رمضان لسه فيه طعم”.

من الخيمة “القطايف بتجمعنا”

في أحد مخيمات النزوح، يجلس أبو أحمد عجور من حي الشجاعية، وهو أب لخمسة أطفال، أمام خيمته التي باتت منزله منذ أشهر، يتحدث لـ”شهاب” عن القطايف بابتسامة ممزوجة بالشوق “إحنا كنا زمان نستنى المغرب عشان نطلع نشتري قطايف من السوق، والأولاد يختاروا الحشوة اللي بحبوها، اليوم الوضع مختلف، بس بنحاول نحافظ على العادة”.

يقول أبو أحمد إن وجود طبق قطايف على مائدة بسيطة داخل الخيمة يمنح شعورًا بأن الحياة لم تتوقف بالكامل، “حتى لو كانت الكمية قليلة، بنقعد كلنا حوالين الطبق، الأولاد بيفرحوا، وبنسى شوي من همّ النزوح”.

ويضيف عجور أن القطايف في المخيمات أصبحت رمزًا للصمود والتكافل، حيث تتشارك بعض العائلات في شرائها أو إعدادها، “مرات جارنا يجيب شوية قطايف ويقسمها بينا، ومرات إحنا نعمل هيك، هي مش بس أكلة، هي محبة بين الناس”.

طقس يتجاوز الحلوى

ترتبط القطايف في غزة بطقوس متوارثة؛ من شرائها قبل الإفطار، إلى حشوها جماعيًا في البيوت، ثم قليها أو شيّها وتزيينها بالقطر، وفي السنوات الأخيرة، ومع اشتداد الأزمات، تحولت هذه الحلوى إلى مساحة صغيرة للبهجة في واقع مثقل بالخسائر.

ويرى مواطنون غزيون أن التمسك بهذه الطقوس يمنح الناس شعورًا بالاستمرارية والهوية، ويخفف من وطأة الضغوط النفسية، خصوصًا لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى ملامح ثابتة من الفرح وسط التغيرات القاسية.

بالنسبة لمحمد ضبان، فإن استمرار صناعة القطايف هذا العام هو رسالة بحد ذاته، “يمكن الإمكانيات قليلة، ويمكن التعب كبير، بس طول ما في رمضان، رح تضل القطايف موجودة”.

وفي الخيام، كما في البيوت التي ما تزال قائمة، تظل القطايف أكثر من مجرد حلوى موسمية؛ إنها ذاكرة جماعية، وطقس مقاومة ناعم، ونافذة صغيرة يطل منها الغزيون على لحظة دفء في شهر الرحمة، مهما اشتدت الظروف.

شارك المقال: