هل كان السودان جزءا من مصر؟ (7)
رفعت جمعية الاتحاد السوداني التي تأسست عام 1920 شعار “السودان للسودانيين والمصريون أولى بالمعروف”، وهو ما أثار جدلًا بين أعضائها،

(14) استقلال السودان أم وحدة وادي النيل
كتب حاكم دارفور الضابط النمساوي “سلاطين باشا: في مذكراته أنه منذ وقوع السودان تحت حكم المهديين تفاقمت المظالم وتتابعت الممارسات القاسية، وانتشر الخوف والاضطراب، بينما في عهد “محمد علي باشا” شهدت البلاد حالة من الأمن والهدوء والازدهار، وكانت مفتوحة للجميع وتشهد تطورًا عمرانيًا ومدنيًا واسعًا، غير أن روايات تاريخية أخرى تشير إلى أن الحملة التي قادها “إسماعيل باشا” ابن محمد علي لضم السودان تحت السيادة المصرية ارتكب خلالها الجيش أعمالًا قاسية ضد القبائل السودانية انتهت بمقتله.
من هنا برز في فترة الاحتلال الثنائي المصري البريطاني نقاش واسع داخل المجتمع السوداني حول خيارين: السودان المستقل أو الارتباط بمصر “وحدة وادي النيل”، وقد وقفت بريطانيا بقوة ضد أي مشروع وحدوي، وساندت زعماء القبائل ورجال الدين والأعيان الذين رفعوا شعار استقلال السودان على أساس وحدة أراضيه، لا على أساس وحدة دينية أو قومية عربية.
وحين زار اللورد “اللنبي” الخرطوم، نظم هؤلاء الزعماء احتفالًا كبيرًا تكلم فيه “علي الميرغني” باسمهم، معلنًا أن للسودان كيانًا وشعبًا مستقلين، وأنهم يثقون في دعم بريطانيا لطريقهم نحو الاستقلال، فطمأنهم اللنبي بأن بريطانيا لن تسلّم السودان لمصر.
وفي المقابل، رفعت جمعية الاتحاد السوداني التي تأسست عام 1920 شعار “السودان للسودانيين والمصريون أولى بالمعروف”، وهو ما أثار جدلًا بين أعضائها، ففريق اعتبر أن “الاتحاد” يعني وحدة وادي النيل من الإسكندرية شمالا إلى بحيرة البرت جنوبا، وأن هذه الوحدة هي الضمان الحقيقي لمستقبل السودان، بينما رأى آخرون أن المقصود هو اتحاد السودانيين أنفسهم، وأن الدعوة لوحدة وادي النيل لا تعكس تطلعات أمة تريد التحرر من الحكم البريطاني كي تخضع للحكم المصري.
وفي ظل هذا الخلاف برز الضابط علي عبداللطيف قائد ثورة 1924، فأسس تنظيم اللواء الأبيض رافعًا شعار “وحدة وادي النيل”، وسعى إلى التوفيق بين فكرة السودان الموحد المستقل وفكرة الوحدة مع مصر، معتبرًا أن النضال المشترك ضد بريطانيا خطوة نحو استقلال السودان، وأن وحدة وادي النيل هي الطريق للاستقلال..
(15) ارهاصات الثورة
بعد فتح السودان في 2 سبتمبر 1898، زارها اللورد “كرومر” في 13 يناير 1899، ووجه حديثًا للسودانيين قائلاً:
“أهنئكم على الخلاص من استبداد حكومة الدراويش (المهديين)، وذلك بفضل ما أظهره جنود بريطانيا ومصر من ثبات ومهارة في القتال، وسيحكمكم في المستقبل، ملكة إنجلترا وخديوي مصر، وسيمثل حكومتي البلدين حاكم عام، واعلموا أن قوانين بلادكم لن تأتي من القاهرة أو لندن، بل سيتولى ذلك الحاكم العام، وأنا أعلم أن مساوئ كثيرة شابت الحكم المصري للسودان، من ظلم وضرائب باهظة وإتاوات متكررة، لكن بوسعكم اليوم أن تطمئنوا إلى معاملة مختلفة، سنقيم العدل والمساواة بينكم ولن نفرق بين غني وفقير، وسنحقق آمالكم، وستدفعون ضرائب بطبيعة الحال، لكنها ستكون معتدلة، كما سيقيم الضباط الإنجليز في مختلف المناطق لضمان تنفيذ القواعد بدقة، وأرجو أن تحفظوا كلماتي هذه وتبلغوها لإخوانكم ومواطنيكم.”

لكن هل تحقق ما وعد به “كرومر”؟.. الحقيقة أن بريطانيا، بعد أن انفردت بحكم السودان كشفت عن وجهها الاستعماري، فقد انتشرت الاعتقالات التعسفية والسجن والقمع والضرب والتنكيل، إلى جانب نهب موارد البلاد، وفرض إجراءات مهينة للسودانيين كإجبارهم على الوقوف عند مرور أي إنجليزي، وخلع النعال قبل الدخول علي مكتب مسئول انجليزي، فوقعت مشادات بين الإنجليز وكبار العائلات، كما استخدم البريطانيون الرصاص الحي لإخماد مقاومة القبائل، وأُحرقت قرى بأكملها، وفرضوا نظام السخرة والعمل الإجباري في بناء الطرق والسكك الحديدية تحت الشمس الحارقة، ومراقبة العمال بالسياط، كما تم منع السودانيين من الدخول أو الإقامة في بعض المناطق داخل وطنهم، وانتشرت المجاعات ،والبطالة، والفقر، وتم تقييد الحريات وفرض حظر التجوال بعد التاسعة مساءً.. كل هذه الممارسات ادت إلى انفجار ثورة 1924، حيث خرج الطلاب والجنود والعمال بقيادة الضابط “علي عبد اللطيف” مطالبين بالاستقلال ووحدة وادي النيل، وهتفوا: “تحيا مصر.. تسقط بريطانيا”..
(16) ثورة السودانيين عام 1924
يا أم ضفاير قودي الرسن
واهتفي فليحيا الوطن
يا الشباب الناهض صباح
ودع اهلك وأمشي الكفاح
يا كبار البلد الأمين
التكتم هسع مشين
استبدوا ونسوا القدر
قالوا نحن السما والقمر
وإنتو مش من نوع البشر
حالة صعبة ومسرح فتن
دنيا فانية وفيها المحن
نحن نصبر حتي يجن
هاتفين فليحيا الوطن..
بعض كلمات أغنية رددها المتظاهرون السودانيون خلال ثورة عام 1924، التي قادها الضابط المثقف والشجاع “علي عبد اللطيف”.. تخرج من الكلية الحربية سنة 1914، وفي عام 1921 أُحيل إلى الاستيداع بعد أن رفض أداء التحية لموظف بريطاني كبير.
تفرغ بعدها لمناهضة الاحتلال الإنجليزي، فأسس جمعية “اللواء الأبيض” ليضم الوطنيين الداعين إلى الاستقلال ووحدة وادي النيل، ونشر مقالا سياسيا أوضح فيه أن الحكم الإنجليزي لم يحقق أي منفعة للسودان، فالضرائب أرهقت المواطنين، وأموال البلاد تصرف على بناء مساكن فاخرة للموظفين الإنجليز، بينما يعيش الموظف السوداني في بيوت من القش والطين.. فاعتقله الانجليز.
وبمجرد خروجه، قاد مظاهرة حاشدة في أم درمان في يونيو 1924، لتنتشر بعدها الاحتجاجات في الشوارع والبيوتوالمقاهي، وتشتعل الثورة في كل ارجاء السودان مطالبة برحيل الإنجليز.. فأصاب البريطانيين الخوف من ان تتوسع الثورة وتصبح شبيهة بثورة المهدي أو الثورة المصرية عام 1919، فقمعتها بقسوة شديدة، وتم ضرب المتظاهرون بوحشية، واعتقل قادة الثورة وتعرضوا للتعذيب، وعلى رأسهم علي عبد اللطيف الذي حكم عليه بالسجن عشر سنوات.
تصاعدت الأحداث عندما خرج طلاب المدرسة الحربية في مظاهرة كبيرة احتجاجا على الاعتقالات، وأدوا التحية العسكرية أمام منزل “علي عبد اللطيف”، ثم توجهوا إلى السجن الذي يقبع فيه وهم يهتفون بحياته وحياة “سعد زغلول” ووحدة وادي النيل.. ثم ازدادت الأوضاع اشتعالا بعد قرار سحب الجيش المصري من السودان في أعقاب اغتيال الحاكم الإنجليزي..





