محمد كامل خضري يكتب: الشتامون
كانت الشتائم قليلة ونادرة لاتسمعها إلا فى الخناقات، ومعارك الشوارع الشتائم تمتد إلى الأب والأم، والشرف والكرامة، وكانت تنتهى بالمصالحة، وغالبا ماتبدأ المعارك بسببها

كان أبى فى طفولتى الأولى عندما يغضب منى ينادينى فأرد عليه بنعم دون إستجابة فعلية فإذا تأخرت و كررت نعم سارعنى بجملتة الكلاسيكية(نعامة ترفصك) وكانت شتيمته المفضلة بيا (خرنج ) غضبا منا أو طربا
كلمة عشوائية تماثل كلمة عشوائية مثلها يا (قرطاس)أما أمى فكانت عندما تغضب فكانت نبرة صوتها تعلو قليلا ولاتشتم.
أما نحن الأطفال كنا نسب بعضنا بأسماء الحيوانات،أما فى المدرسة فكان المدرسون يشتمون المتأخرين منا فى التحصيل بشتائم بسيطة بأسماء الجمادات مثلا(لوح)وبعضهم مثل الأستاذ فاروق أحد مدرسينا فى الإبتدائى فكان يشتم بيا (تحفة)
أما ناظرنا فى الإبتدائى كان إسمه (فتحى التر ) رحمه الله يجمعنا فى الصباح قبل الدراسة بساعة ويعطينا دروس تقوية مجانية حتى نتفوق فى إمتحان القبول الإبتدائى فقد كانت الإبتدائية مرحلة منفصلة وشهادة دراسية تسمح لحاملها بنيل وظيفة وكان نداؤه الموحد لأى تلميذ يا (شوال)…الشوال اللى فى الركن يجاوب !
الشوال اللى جنب الشباك إيه رأيك فى الإجابة!
كانت لفظة الشوال هى القاسم المشترك بيننا، فإذا أحسنت فأنت شوال، وإن أسأت فأنت شوال.. كانت شتيمة موحدة كأننا فى دولة شيوعية !
المدرسات كن لايشتمن وآخر مايقلن هو يازفت أو يامغفل وكبرنا بعض الشئ وسمعنا الشتائم فى الشارع، ولم ندرك معناها فقد كان للحياة بعدان ويغيب عنا البعد الثالث وهو عمق المعانى..هى طول وعرض فقط فالحياة مسطحة بالنسبة لنا خير مطلق وشر مطلق.
كانت الشتائم قليلة ونادرة لاتسمعها إلا فى الخناقات، ومعارك الشوارع الشتائم تمتد إلى الأب والأم، والشرف والكرامة، وكانت تنتهى بالمصالحة، وغالبا ماتبدأ المعارك بسببها.
كان كل ماسبق فى المدينة الجنوبية حيث كان يعمل أبى أما عندما نذهب للريف فى بلدتنا التى تقع إلى الشمال قليلا كانت الشتائم بيننا نحن الأطفال عندما نتشاجر هي دعوات باليتم وبفقد الأم (تأكل أبوك ..تأكل أمك..تأكل ناسك..هى هكذا بلفظتها المجازية وإن كانت نفس الكلمات تقال على سبيل الدعابة..مثلا تعالى ياواكل ناسك ..عايزك فى موضوع ياواكل أبوك..إيه اللى عملته ده ياواكل أمك..بس مع تخفيف اللهجة..(صعايدة بقى يارسول الله)
كنا فى المدرسة الثانوية لانتشاتم كنا نخش على الخناق على طول فالشجار مقدم على الشتيمة ويسبقها البعض الذى يمثل الإستثناء كان يلوح باللفظ ويهدد بمايلبس فى القدم لضرب مافوق الرقبة، ولكن المسائل لم تكن تتطور لأن أهل الخير من الزملاء كانوا يهدأون النفوس وكنا أعقل قليلا..
ويتداركون تفاقم المواقف.
فى الجامعة الأمر كان مختلفاً إنه مجتمع منفصل..أكاديمى شتائمه أكاديمية …كنت فى الجامعة سنة 1973 والشيوعيون منتشرون فى كل مكان والإسلاميون بدأوا فى الظهور بعد إخراج قادتهم من السجون ومجلات الحائط والمنشورات والمنشورات المضادة اليومية تحوى كل الشتائم..والشتائم من عينة، الخائن،العميل، عميل أمن الدولة..البرجوازى المتعفن..الصهيونى، الكافر..المنحل..المتسيب ..الديوث.
وتخرجنا وخرجنا للحياة..وإزدادت الحياة على الناس صعوبة والزحام الشديد وإنهيار الخدمات…فأنفلت كل شئ مع بداية الثمانينات…فالنظام لافكر له….ولاهم له إلا إطعام الناس وليته أفلح…وظهرت الشتائم كموديلات السيارات…كل سنة هناك جديد…وأبدع الشعب المصرى ….وفاق العر اقيين فى إستعمال الشتيمة…وذهبت للخليج…ونسيت أمر الشتائم …فالناس هناك لاتشتم وربما كانت هناك شتائم فى السر !
الحياة في الخليج
لكنى لم أسمع لفظا خادشا وهذه شهادة لله فبرغم من أن الحياة فى الخليج لم تروقنى…لكنهم فى المجمل مهذبون…وإذا رأيت شتاما…فهو ليس من بنى وطنهم …وعدت إلى مصر …وكان هناك وزير مسحوب من لسانه كل مؤهلاته أنه يشتم خلق الله…والنظام ساكت عنه لدرجة الرضا حتى كانت واقعة شهيرة فى مجلس الشعب إستعمل فيها كل أنواع السباب مع عضو يمثل الشعب …كل أنواع السباب
إذا حصل تطور نوعى فى الشتيمة أثناء غيابى فى الخليج وأصبحت تذاع على الهواء فى التلفاز..وحدثت المشتمة المشهورة لنفس الوزير فى المحلة…وأستجر مايخرج من الشرج وارجعه إلى فمه مرة أخرى…وصاغه الفاظا…وكانت نهايته…وتطورت الشتائم فى مجتمع منفلت لايدرى إلى أين هو ذاهب..وأصبحنا نتغاضى عنها ونعتبرها جزءا من حياتنا…ك صباح الخير أو مساء الخير
بالفعل سائقى الميكروباس أصبحوا يحيون بعضهم البعض…ب إزيك…ياإبن ال…..ومع ذلك نركب معهم …ويسمعوننا شرائط كاسيت فيها من الشتيمة أكثر من الغناء والطرب….وأصبحت أفلام السينما ومسرحيات الفنانين مدارس لتوثيق شتائمنا وبذاءاتنا بل وإستحداث الجديد منها…وتخرج من الأفواه فيضحك لها الجمهور…الممثلون يتشاتمون ويخرجون عن النصوص إذا كان هناك نص أصلا…فيضحك الجمهور …..بلاء عظيم
وأنزل الشارع فى أي مكان فى القاهرة ..فيه جمهور وناس كتير..بياعين الفاكهة، سواقين الميكروباس..أو أى واحد بيحكى لواحد صاحبه حكاية قادك حظك العاثر أن تجلس بجواره فى المترو أو الأوتوبيس أقصد ..وقفت ..ﻷنه صعب أن تركب مثل هذه المواصلات وتجد مكانا تجلس فيه، مهما كان عدد العكازات التى تستند عليها…تجد ..نصف كلامهم خارج من الصرف الصحى…والنصف الآخر شتائم …والغريب أنهم يتضاحكون !
وتسمع الشتيمة بوضوح أكثر لو لم ترضى عنك أمك وركبت ميكروباس وجلست بجانب أحدهم فكل مفردات كلامه ….الذى هو شتيمة يتخللها بعض المعانى!
التواصل الاجتماعي والشتائم
ظهر النت وظهرت المساجلات بين المتنافسين أو المتقابلين أهلى وزمالك، وكأن مخترعه كان مقصده أن يجعله منبرا لشتائم المصريين ففيه كل مالاتحب أن تقرأ أوتسمع، وكأننا ناقصين وظهرت الشتائم الإلكترونية المباشرة والغير مباشرة والفراغات التى تتيح لك إختيار الشتيمة التى تحب، أو لا تحب على حسب هواك.
منذ أيام قليلة قادنى حظى العاثر للمرور أمام مدرسة تعليم أساسى حكومية فى أحد العشوائيات أثناء خروج التلاميذ، ويالهول مارأيت، شتائم وعراك،من كل بلد شتيمة ، خارجون فى حالة إحتقان شديدة
كأنهم مصارعون فى مباراة تحدى أوقفها الحكم فأرادوا إكمالها فى الشوارع حالة عراك جماعى وشتم جماعى لايدانيها إلا شتيمة جمهور الكرة فى المدرجات ضد حكم لاحول له ولاقوة ولايملك غير صفارة إحتسب لمسة يد ضد صاحب الأرض والملعب، أولم يحتسب لهم ضربة جزاء، تخيل خمسين ألفا أو يزيدون يشتمون فى نشيد قومى، حكم يا..حكم يا، فين أيام شتيمة (شيلو الرف)





