علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: دولة الجباية في التعليم

إن المشكلة ليست في التوسع في التعليم الجامعي من حيث المبدأ، ولا في وجود الجامعات الخاصة والأهلية، وإنما في غياب التوازن بين إتاحة التعليم، وجودته، وتكلفته، واحتياجات سوق العمل.

مشاركة:
حجم الخط:

في الماضي، كان التعليم أحد الأبواب القليلة التي يستطيع الفقراء العبور منها إلى حياة أفضل.

كان الأب يكدح طوال عمره، ويحتمل قسوة الحياة، لا من أجل أن يورث أبناءه ما يملك، بل كي يمنحهم فرصة ألا يعيشوا الحياة نفسها التي عاشها.

وكان حديثه الدائم إليهم: “أنا مش عايزكم تشوفوا اللي شفته، ولا تعانوا اللي عانيته”

كانت الدولة، في ذلك الزمن، تؤدي دورًا مهمًّا في تحقيق هذا الحلم.

لم تكن تسأل ابن الفقير عن ظهر يسنده، ولا عن جيب يمول طموحه؛ كان يكفيه أن يجتهد ويثابر ويحصل العلم. فالتعليم المجاني كان ظهرًا لمن لا ظهر له، وطريقًا مفتوحًا أمام من لا يملك سوى قدرته على التعلم.

وهكذا، كان ابن الأسرة البسيطة يستطيع أن يحلم بكلية الطب أو الهندسة أو غيرهما من الكليات التي تفتح أبواب المستقبل.

يجتهد، فيلتحق بالكلية التي يريدها، ويتخرج، ثم يجد أمامه فرصًا للعمل والترقي المهني والاجتماعي.

لم تكن الطريق مفروشة بالورود، لكنها كانت ممكنة، وكان الحلم يستحق أن يتعب المرء من أجله.

أما اليوم، فقد تغيرت الحكاية، وتبدلت أدوار أبطالها

صار التعليم، في كثير من صوره، لمن استطاع إليه سبيلًا. تضيق أبواب الجامعات الحكومية أمام أبناء الفقراء، وتتراجع فرص الالتحاق بالتخصصات التي يحلمون بها، بينما تتسع أبواب الجامعات الخاصة والأهلية، وتستقبل من يستطيع دفع المصروفات، حتى بات المال في أحيان كثيرة أقدر على فتح الأبواب من التفوق نفسه.

لم يعد السؤال دائمًا: ماذا يستطيع الطالب أن يتعلم؟ بل أصبح: ماذا يستطيع أبوه أن يدفع؟

وهنا يجد أولياء الأمور أنفسهم أمام معضلة قاسية، يعملون ويقتصدون، وربما يستدينون، من أجل إلحاق أبنائهم بتخصصات يظنون أنها ستضمن لهم مستقبلًا أفضل.

يرددون المثل الشعبي: “إيه اللي رماك على المر؟ اللي أمرّ منه” ويضعون مدخرات العمر في تعليم الأبناء، على أمل أن يكون ما يدفعونه اليوم ضمانًا لحياة كريمة غدًا.

لكن المفارقة أن الدولة، التي يفترض أن تخطط للتعليم وفق احتياجات المجتمع وسوق العمل، تبدو وكأنها تترك الأسر وحدها في مواجهة هذا المصير.

تتوسع الجامعات الخاصة، وتُفتتح المؤسسات التعليمية تباعًا، وتزداد أعداد المقبولين والخريجين في تخصصات لم يعد سوق العمل قادرًا على استيعابهم.

الصيدلة، وطب الأسنان، والعلاج الطبيعي، والطب البيطري، والهندسة، وغيرها من التخصصات، أصبحت مهددة بتخمة الخريجين، وتراجع فرص العمل، وانخفاض العائد المهني الذي كان يُسوق لهذه الكليات باعتباره ثمرة مضمونة لسنوات الدراسة.

وربما تلحق بها تخصصات أخرى، كالتمريض والطب البشري، إذا استمر التخطيط بمعزل عن احتياجات المجتمع الفعلية.

وهكذا، يدفع الأب الفقير دم قلبه، وربما يستدين، كي يشتري لابنه حلمًا لم تعد الدولة قادرة على ضمانه.

ثم يتخرج الابن، فيجد نفسه واحدًا من آلاف يحملون الشهادة ذاتها، ويتنافسون على فرص محدودة، بينما تتراكم الديون، وتتبدد الوعود، ويصبح السؤال المؤلم: لماذا أنفقنا كل هذا؟

إن المشكلة ليست في التوسع في التعليم الجامعي من حيث المبدأ، ولا في وجود الجامعات الخاصة والأهلية، وإنما في غياب التوازن بين إتاحة التعليم، وجودته، وتكلفته، واحتياجات سوق العمل.

فالتعليم ليس مجرد مشروع استثماري تُحسب أرباحه بالمصروفات، ولا ينبغي أن يتحول مستقبل الشباب إلى سلعة تُباع لمن يملك ثمنها.

الدولة التي تريد بناء مجتمع متقدم لا تكتفي بفتح الجامعات، بل تضمن عدالة الوصول إليها، وتخطط لتخصصاتها، وتحمي جودة التعليم، وتربط مخرجاته بحاجات المجتمع.

كما أن عليها أن تعيد الاعتبار للتعليم الفني والمهني، وأن توفر مسارات حقيقية للنجاح لا تجعل الجامعة وحدها الطريق إلى الحياة الكريمة.

فالتعليم ليس منحة من الدولة للفقراء، ولا عبئًا ينبغي التخلص منه، بل هو حق، واستثمار في الإنسان، وأحد أهم ضمانات الاستقرار الاجتماعي.

أما حين تتخلى الدولة عن دورها في إتاحة هذا الحق، وتترك السوق يحدد من يتعلم، وأين يتعلم، وبأي ثمن، فإنها لا تفتح أبواب المستقبل للجميع، بل تعيد رسم الفوارق الاجتماعية من جديد.

في الماضي، كان الفقير يملك حلمًا يستطيع أن يصل إليه بالاجتهاد.

أما اليوم، فيُطلب منه أن يدفع ثمن الحلم أولًا، ثم يُترك ليكتشف وحده إن كان الحلم يستحق كل ما دفعه.
وهنا يصبح السؤال أكبر من التعليم، وأخطر من سوق العمل:

هل ما زالت الدولة ترى في تعليم أبناء الفقراء مسؤولية تجاه المستقبل، أم أنها لم تعد ترى فيهم سوى جيوب يمكن جباية ما تبقى فيها؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك