علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يرد على حسن مدبولي : نعم، لا سجين رأي واحد في عهد عبد الناصر يا حسن

هل تعرف أن جمال عبد الناصر نفسه كان من الرافضين لإعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري، عقب أحداث كفر الدوار في أغسطس 1952؟

مشاركة:
حجم الخط:

قرأت مقال حسن مدبولي الذي يحاول فيه إثبات أن عهد جمال عبد الناصر كان عامرًا بسجناء الرأي، مستندًا إلى قائمة من الأسماء اللامعة في الثقافة والفن والسياسة، وكأن مجرد أن يكون المرء قد دخل السجن في ذلك العهد يكفي وحده لمنحه صفة “سجين رأي” بصرف النظر عن طبيعة نشاطه، أو انتمائه السياسي والتنظيمي، أو السبب الذي قاده إلى المعتقل.

هنا تحديدًا تكمن مشكلتي مع المقال

فالتاريخ ليس قائمة أسماء نرصّها إلى جوار بعضها، ثم نضع فوقها عنوانًا واحدًا ونطلب من القارئ أن يسلّم به.

إن وراء كل اسم من هذه الأسماء حكاية مختلفة، وخلف كل اعتقال سياق سياسي وتنظيمي لا يجوز محوه لمجرد أن صاحبه صار بعد سنوات اسمًا مهمًا في الثقافة المصرية.

وقبل أن نمضي إلى الأسماء التي ذكرها حسن، أظن أن علينا أن نتوقف قليلًا أمام معنى “التنظيم السري” أو ما يُعرف بالعمل تحت الأرض.

فالتنظيم السري ليس مجرد مجموعة من الأشخاص يتبادلون الأفكار في الخفاء، أو يتفقون على موقف سياسي لا يعلنونه للناس.

نحن أمام بنية تنظيمية لها قيادة وعضوية وتسلسل في المسؤوليات وبرنامج سياسي وآليات للتواصل والتجنيد واتخاذ القرار، وتعمل بعيدًا عن المجال العام، لأنها لا تكتفي بالتعبير عن رأي، وإنما تسعى إلى تحقيق مشروع سياسي من خلال نشاط منظم.

هذا المشروع هدفه – من دون تجميل أو تشويه – هو تغيير النظام القائم أو الوصول إلى السلطة. وإلا يكون أعضاء هذا ( التنظيم  يلعبون ويلهون بما تسميه أنت ( مجرد إبداء رأي )

فمن ينضم بإرادته ووعيه إلى مثل هذا التنظيم لا يعود مجرد شخص يحمل رأيًا سياسيًا، إنه يصبح جزءًا من فعل جماعي منظم، ويتحمل مسؤولية موقفه واختياراته بقدر علمه بطبيعة التنظيم وأهدافه.

الأن لنذهب إلى الأسماء التي اختارها حسن مدبولي نفسه

شهدي عطية الشافعي لم يكن مجرد مثقف صاحب رأي، كان من قيادات الحركة الشيوعية المصرية، انضم إلى تنظيم “إسكرا” ثم أصبح عضوًا في اللجنة المركزية لحركة (حدتو) وتولى رئاسة تحرير صحيفتها “الجماهير”

هذه حقائق لا تنتقص من قيمته الفكرية أو الثقافية، لكنها جزء من سيرته السياسية لا يجوز إغفالها.

والأكثر دلالة أن شهدي عطية، رغم انتمائه التنظيمي، كان من المؤيدين لثورة يوليو، ورأى في عدد من توجهاتها الاجتماعية والوطنية تحقيقًا لأهداف ناضلت الحركة الوطنية من أجلها.

بل إنه ظل يدافع عن الإصلاحات الداخلية التي أنجزها النظام الناصري، وأكد في محاكمته أن على الوطني المصري أن يساند هذا النظام ويؤيده.

ثم يأتي صنع الله إبراهيم، الذي انتمى إلى حدتو واعتُقل في حملة 1959، وفؤاد حداد، الذي ارتبط هو الآخر بالحركة الشيوعية واعتُقل أكثر من مرة، ومحمود أمين العالم، أحد أبرز المثقفين والقيادات الشيوعية في مصر، والذي اعتُقل في الحملة نفسها.

هل كان هؤلاء مجرد أصحاب آراء فردية؟

أم كانوا جزءًا من حركة سياسية وتنظيمية لها تاريخها وأهدافها ووسائل عملها؟

هنا أريد أن أتوقف عند نقطة يغفلها كثيرون عند الحديث عن الشيوعيين المصريين في عهد عبد الناصر

فليس صحيحًا أن الحركة الشيوعية كانت كتلة واحدة، ولا أن جميع أعضائها ظلوا على موقف واحد من النظام.

لقد كانت هناك مراجعات فكرية وسياسية عميقة، وكان عدد من الشيوعيين قد وجد في الإجراءات الاجتماعية التي اتخذتها الثورة، من تأميمات وإصلاح زراعي وتوسيع لحقوق العمال، وتحسين لأوضاع الطبقات الفقيرة، ومشاركة أوسع للمرأة في الحياة العامة، ما يلتقي مع جانب أساسي من أهدافهم الوطنية والاجتماعية.

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تعني أن العضوية في تنظيم سياسي جريمة في ذاتها، ولا أن الاعتقال والتعذيب يصبحان مشروعين بسببها.

لكنها تعني أن علينا أن نقرأ الوقائع كما حدثت، لا كما نرغب في تقديمها بعد مرور الزمن.

وأذكرك يا حسن أن من قام بمحاكمة صلاح نصر على جرائم التعذيب هو جمال عبد الناصر نفسه.

بعد حل التنظيمات الشيوعية الرئيسية عام 1965، اتجه عدد من أعضائها إلى العمل في إطار الاتحاد الاشتراكي، وقبلوا المشاركة في تجربة النظام بعدما رأوا أن الثورة أنجزت جوانب مهمة مما كانوا يناضلون من أجله.

وهذا التحول في المواقف لا يمكن فهمه إذا أصررنا على تصوير كل شيوعي باعتباره شخصًا لا يشغله إلا إسقاط عبد الناصر والاستيلاء على السلطة.

نصل بعد ذلك إلى عبد الرحمن الأبنودي، وجمال الغيطاني، وسيد حجاب، وصلاح عيسى.

وهي مجموعة يوردها حسن مدبولي باعتبارها دليلًا آخر على وجود سجناء رأي في ذلك العهد، لكنه لا يتوقف عند حقيقة أن عددًا من هؤلاء كانت لهم صلات بتنظيم “وحدة الشيوعيين”

فقد تحدث جمال الغيطاني عن انضمامه إلى هذا التنظيم، الذي ضم عددًا من المثقفين والكتاب، ومن بينهم صلاح عيسى وصبري حافظ والأبنودي وسيد حجاب.

وتحدث سيد حجاب نفسه عن اعتقال مجموعة كبيرة من المثقفين في أكتوبر 1966، وعن تأسيس تنظيم شيوعي صيني ومحاولة اختراق الاتحاد الاشتراكي.

هذه ليست تفاصيل هامشية، إنها جوهر القضية التي ينبغي أن نناقشها

فحين يكون الشخص عضوًا في تنظيم سري، فإن الأمر يتجاوز مجرد امتلاك رأي سياسي أو التعبير عنه في مقال أو قصيدة.

نحن أمام نشاط تنظيمي، وأمام مجموعة تتبنى مشروعًا سياسيًا وتعمل في إطار تنظيمي لا يعلن عن نفسه.

ولا يصح أن نمحو هذا الجانب من الحكاية لمجرد أن بعض أعضائها أصبحوا فيما بعد أسماء كبيرة في الصحافة والأدب والثقافة.

لكنني لا أريد أيضًا أن أضع الجميع في حكم واحد

فهناك من غادر التنظيم قبل اعتقاله، وهناك من اعتُقل في سياق التحقيقات الخاصة به، وهناك من كانت له مواقف نقدية معلنة.

وقد قال جمال الغيطاني إنه ترك التنظيم قبل اعتقاله، كما أن صلاح عيسى ارتبط اعتقاله بصلاته بتنظيمات يسارية.

ومن ثم فإن فهم هذه الحالات يحتاج إلى قراءة متأنية لكل واقعة، لا إلى وضعها جميعًا في خانة واحدة.

ثم نصل إلى سيد قطب، وهو المثال الأوضح على اختلاف طبيعة الحالة

فسيد قطب لم يكن مجرد كاتب يختلف مع عبد الناصر في الرأي، بل كان من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وانخرط في مشروعها السياسي والتنظيمي.

اعتُقل عام 1954 في سياق الصدام بين الجماعة والنظام، ثم أُفرج عنه، وأعيد اعتقاله عام 1965 في قضية تنظيم اتُّهم بالتخطيط لقلب نظام الحكم، وانتهى الأمر بإعدامه عام 1966.

وأظن أن الحديث عن سيد قطب لا يمكن أن يقتصر على أنه صاحب رأي أو كاتب له أفكار مختلفة، فقد كان جزءًا من تنظيم سياسي له مشروعه وموقفه من الدولة والسلطة.

أزيدك من الشعر بيتًا يا حسن مدبولي

هل تعرف أن جمال عبد الناصر نفسه كان من الرافضين لإعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري، عقب أحداث كفر الدوار في أغسطس 1952؟

وأن خالد محيي الدين ويوسف صديق كانا أيضًا من المعترضين على الحكم؟

هذه ليست حكاية اخترعها محبو عبد الناصر لتجميل صورته، وإنما وردت في شهادات ومذكرات خالد محيي الدين، كما تناولتها كتابات تاريخية عن الواقعة.

كان محمد نجيب، بحسب رواية خالد محيي الدين، من أكثر المتحمسين لتنفيذ حكم الإعدام، بينما عارضه عبد الناصر وخالد محيي الدين ويوسف صديق.

وانتهى الأمر بتصديق محمد نجيب على الحكم، ثم تنفيذ الإعدام في العاملين.

ولست أذكر هذه الواقعة لأصنع من عبد الناصر ملاكًا، أو لأعفي نظامه من مسؤولية ما جرى بعد ذلك، وإنما لألفت النظر إلى أن التاريخ لا يجوز اختزاله في صورة واحدة، وأن الخلاف حول التعامل مع المعارضين لم يكن خلافًا بين السلطة ومن يقفون خارجها، بل كان موجودًا داخل مجلس قيادة الثورة نفسه، منذ أسابيعه الأولى.

وهنا أعود إلى جوهر ما أختلف فيه مع حسن مدبولي

إن وصف شخص بأنه “سجين رأي” ليس وسامًا نعلقه على كل من مر بتجربة السجن، ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة لمحو طبيعة الصراع السياسي الذي كان قائمًا.

هناك فرق بين أن تعتقل السلطة شخصًا بسبب مقال كتبه أو موقف أعلنه، وبين أن تعتقله باعتباره عضوًا في تنظيم سري يعمل على تحقيق مشروع سياسي.

يا حسن، لا يكفي أن تجمع أسماء شهدي عطية وصنع الله إبراهيم وفؤاد حداد ومحمود أمين العالم والأبنودي والغيطاني وسيد حجاب وصلاح عيسى وسيد قطب، ثم تقول لنا: هؤلاء جميعًا سجناء رأي.

عليك أن تخبرنا أولًا، ما الذي كان يجمع بينهم؟ وما الذي كان يفرق بينهم؟وما طبيعة نشاط كل منهم؟ وما السبب المحدد لاعتقاله؟

فالتاريخ ليس محكمة لإصدار أحكام مسبقة، وليس دفترًا لتسجيل أسماء الضحايا وحدهم، ولا سجلًا للدفاع عن الحكام وحدهم.

إنه محاولة لفهم ما جرى، بكل ما فيه من تناقضات وتعقيدات، وبكل ما فيه من شجاعة وأخطاء ومظالم.

و أخيرا، إنني لا أطلب من أحد أن يحب عبد الناصر، ولا أن يغفر لنظامه أخطاءه، لكنني أطلب ألا نختصر التاريخ في رواية واحدة، وألا نخلط بين صاحب الرأي وصاحب التنظيم، وبين المعارضة السياسية والعمل التنظيمي السري، وبين إدانة التعذيب وتزييف أسباب الاعتقال.

شارك المقال:

شاركنا برأيك

التعليقات (3)

  • محمد الروبي 7 ساعات مضت

    الحقيقة لو مش عارف ان مصطفي امين جاسوس يبقى عندك مشكلة

  • حسن مدبولى 9 ساعات مضت

    كان نفسى الاقى رد بالفعل ياروبى ، لكن للاسف محاولة لنفي الحقائق، تحت حجة التنظيم ، طيب وحضرتك عادل حسين ونجيب سرور وعلى سلامة بتاع الوفد كانوا اعضاء فى انهو تنظيم ؟
    ومصطفى امين كان جاسوس، واحسان عبد القدوس خوفا على نسوان مصر من الفتنة ؟
    يا٠جماعة مافيش نظام ثورى مثالى ، والاخطاء يمكن تبريرها بعناوين كثيرة ، لكن انكارها أو تلوينها على طريقة احمد موسى أمر لايمكن استساغته

  • د.محمد فؤاد 9 ساعات مضت

    مقال الاستاذ الروبي يحاول تبييض صفحة الرئيس جمال عبد الناصر وإنكار وجود “سجناء رأي”، بدعوى أن الجميع كانوا “متآمرين أو عملاء”! والحقيقة أن الرد على هذه السردية يرتكز على محاور قاطعة:
    ​مغالطة التخوين الشامل: حصر معارضي عبد الناصر في خانة “المتآمرين” هو تشويه ممنهج لتاريخ النخبة المصرية بأكملها. المعتقلات لم تكن مقتصرة على ضباط منشقين، بل غصّت بآلاف الأدباء، المفكرين، الصحفيين، النقابيين، والمدنيين من كافة التيارات (يسارية، ليبرالية، وإسلامية) ممن طالبوا بالديمقراطية لا أكثر.
    ​اعترافات الشهود والوثائق: إنكار الاعتقال السياسي يكذّبه تاريخ المعتقلات الشهيرة (كالواحات والعازي) ومذكرات أقطاب النظام أنفسهم، فضلاً عن شهادات المعتقلمين من مختلف الانتماءات الذين دفعوا سنوات من أعمارهم ثمناً لمجرد التعبير عن الرأي.
    ​الخلط بين الإنجاز وحرية الوطن: الإنجازات الوطنية الكبرى (كتأميم القناة والسد العالي) لا تمثل صك غفران لديكتاتورية الداخل؛ فبناء الدول لا يُبرر إلغاء التعددية الحزبية، وتأميم الصحافة والنقابات، وإخضاع المجتمع لدولة “الصوت الواحد”.
    ​السجل الأسود للانتهاكات: الحديث عن “نقاء” الحقبة يتجاهل الانتهاكات المنهجية وحالات الوفاة تحت التعذيب في المعتقلات، وهي وقائع موثقة لا يمكن محوها بالخطب الحماسية.
    ​📌 خلاصة القول: حب الوطن لا يستوجب تزييف التاريخ أو التغاضي عن مآسي أحرار مصر. لقد كانت الحقبة الناصرية مليئة بالطموحات الوطنية الكبرى، لكنها تركت إرثاً كارثياً على صعيد الحريات وحقوق الإنسان يجب الاعتراف به بموضوعية بعيداً عن التقديس الأعمى.