علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
مني شماخ
مني شماخ

أعلامية وكاتبة روائية

منى شماخ تكتب: التاريخ بين الحقيقة والتأويل

فالتاريخ ليس سجلًا كاملًا لكل ما حدث، ولا حكاية يصوغها كل طرف كما يشاء؛ بل محاولة لفهم الماضي من خلال ما بقي منه من وثائق وشهادات وآثار.

مشاركة:
حجم الخط:

هل نعرف ما حدث ؟

كم مرة اكتشفنا أن التاريخ الذي تعلمناه في المدرسة يمكن قراءته بطريقة مختلفة؟

وأن من عددناهم أبطالًا لم تكن صورتهم التي عرفناها كاملة؟ وأن أحداثًا ظنناها بدايات جديدة كانت نتيجة تراكمات سبقتها بسنوات؟

وهنا نتساءل: هل هناك حقائق تاريخية ثابتة؟ وهل نعرف حقًا ما جرى في الماضي؟ أم أننا لا نعرف سوى ما دوّنه من كتبوا التاريخ، وفقًا لوجهات نظرهم؟

ولعل الإجابة تبدأ بالتمييز بين ما حدث فعلًا، وما نعرفه عنه، وكيف نفسّره. فهناك وقائع يمكن التحقق منها بالوثائق والشهادات والآثار وغيرها من الأدلة، وهناك أسئلة تتعلق بأسباب الأحداث ونتائجها. وقد نتفق على وقوع حدث ثم نختلف في تفسير أسبابه أو تقدير أثره.

وقد تكشف وثائق جديدة عن جوانب لم تكن معروفة، أو يعيد الباحثون فحص مصادر قديمة، أو يطرح جيل جديد أسئلة لم تشغل من سبقه، وفي هذه الحالات تتغير معرفتنا بالماضي لأننا أصبحنا نقرؤه من زاوية مختلفة.

حين تختلف الروايات

ولا يقتصر الاختلاف في قراءة التاريخ على الوقائع التي يختار المؤرخ تناولها، بل يمتد إلى الزاوية التي ينظر منها إلى الحدث والأسئلة التي يطرحها حوله، فقد يركز مؤرخ على القرارات السياسية وأسباب اتخاذها، بينما يهتم آخر بأثرها في حياة الناس.

وقد تُروى انتصارات قائد عسكري بوصفها أمجادًا، وتُروى في موضع آخر من زاوية ما خلّفته من خسائر والثمن الذي دفعه المجتمع.

لكن اختلاف زوايا النظر إلى الحدث لا يعني أن الحقيقة نسبية، أو أن كل تفسير يحتمل الصواب بالقدر نفسه، فهناك فرق بين اختلاف الآراء حول تفسير الأحداث، والاختلاف حول الوقائع ذاتها التي يمكن التحقق منها بالأدلة.

مراجعة التاريخ أم توظيفه؟

ولا بد هنا من التفريق بين مراجعة التاريخ وإعادة كتابته لخدمة موقف مسبق.

فالمراجعة تبدأ من الأدلة: تفحص المصادر، وتقارن الروايات، وتختبر الاستنتاجات، وتراجع أحكامها كلما ظهرت أدلة جديدة أو اتضح قصور الأدلة السابقة.

أما إعادة كتابة التاريخ لخدمة موقف مسبق، فتعني انتقاء الوقائع التي تؤيد هذا الموقف وتجاهل ما يناقضه، بدلًا من إخضاعه للفحص والمراجعة، وهي بذلك لا تضيف إلى معرفتنا شيئًا، بل تستعمل التاريخ لتأكيد ما اعتقدناه سابقًا.

مسؤولية القارئ

وهنا تأتي مسؤولية القارئ، فلا يكفي أن نقرأ كتابًا لنعتقد أننا عرفنا كل ماحدث ، ولا أن نجد كتابًا آخر يناقضه فنخلص إلى استحالة معرفة الحقيقة. علينا أن نسأل: ما المصادر التي اعتمد عليها كل مؤلف؟ وهل يميز بين الوقائع واستنتاجاته؟ وكيف يتعامل مع الأدلة التي لا تتفق مع تفسيره؟ وهل تؤيد مصادر مستقلة ما ذهب إليه؟

قد تبدو هذه الأسئلة أقرب إلى عمل المؤرخين والباحثين، لكنها ضرورية لكل من يريد أن يفهم التاريخ بدلًا من الاكتفاء بتلقي رواياته.

حدود المعرفة

اختلاف المؤرخين لا يعني استحالة معرفة الماضي، إذ يمكن فحص الوقائع ومقارنة الأدلة وتقييم التفسيرات في ضوئها. ومع ذلك قد تظل بعض الأسئلة بلا إجابات حاسمة، بسبب نقص المصادر أو صعوبة إثبات الدوافع وراء القرارات والأحداث. لذلك، تقتضي قراءة التاريخ التمييز بين ما تؤيده الأدلة، وما ترجّحه دون أن تثبته، وما لا تتوافر معلومات كافية للحكم عليه.

وتظل معرفتنا بالماضي قابلة للمراجعة؛ فما نراه تفسيرًا مقنعًا في ضوء ما نعرفه اليوم، قد نراه على نحو مختلف غدًا.

لا يعني ذلك أن نشك في كل شيء، بل أن نميّز بين ما تثبته الأدلة، وما لا نستطيع الجزم به.

فالتاريخ ليس سجلًا كاملًا لكل ما حدث، ولا حكاية يصوغها كل طرف كما يشاء؛ بل محاولة لفهم الماضي من خلال ما بقي منه من وثائق وشهادات وآثار.

الماضي لا يتغير، لكن معرفتنا به قد تتغير. ومسؤوليتنا أن نميّز بين ما حدث فعلًا وما نعرفه عنه، وبين الوقائع نفسها والتفسيرات التي نقدمها لها.

شارك المقال:

شاركنا برأيك