علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
أخبار أخر الكلام
أخبار أخر الكلام

فريق عمل غرفة الأخبار في "أخر الكلام"

محمد فرحات يعيد تقديم مخطوطات نجيب سرور

يقدم فرحات الديوان باعتباره «ملحمة نجيب سرور الأولى ضد الاستبداد والقهر» مشيرًا إلى أن مخطوطته عُثر عليها ضمن الأوراق المكتوبة بخط الشاعر، في صورة كراسين،

مشاركة:
حجم الخط:

فارس آخر زمن، وإنه الإنسان، يكشفان صفحات منسية من حياته

رواية غير مكتملة بخط الشاعر وديوان يتضمن شهادة سياسية على الصدام بين اليسار والسلطة الناصرية

تعود مخطوطات الشاعر والمسرحي المصري الراحل نجيب سرور إلى دائرة الضوء من خلال عملين تولى الكاتب محمد فرحات تحريرهما وتحقيقهما وتقديمهما:

الرواية غير المكتملة «فارس آخر زمن»، المنشورة بموقع «الكتابة» الثقافي في مارس 2023، والنص الكامل لديوان «إنه الإنسان» الذي نشر الموقع نسخته المحققة في أكتوبر 2026، متضمنة مقدمته السياسية التي كتبها الشاعر عن شهداء اليسار المصري.

ويجمع العملان بين السيرة الشخصية والشهادة التاريخية، ويقدمان نصوصًا مكتوبة بخط يد نجيب سرور، ظلت بعيدة عن التداول الكامل، ضمن مشروع لإعادة نشر تراثه وتبويبه، الذي يتجاوز خمسين ألف ورقة، بإشراف ابنه فريد نجيب سرور.

«فارس آخر زمن».. رواية من الذاكرة الشخصية

في مارس 2023، نشر موقع «الكتابة» الثقافي رواية «فارس آخر زمن» لنجيب سرور، بتحرير وتقديم محمد فرحات، الذي عرض في مقدمة التحقيق تفاصيل المخطوطات وطبيعة النص الذي وصل إليه.

وتتكون المخطوطة الأساسية من 43 ورقة فلوسكاب، عنونها نجيب سرور بخط يده «فارس آخر زمن»، وأثبت تحت العنوان كلمة «رواية»

وتتناول صفحاتها جوانب من حياته، بدءًا من طفولته في القرية المصرية، وعلاقته بأبيه وأمه، وتجربته في جني القطن، وصولًا إلى واقعة القبض عليه وإيداعه مستشفى العباسية للأمراض النفسية والعقلية عام 1969.

وتندرج الرواية ضمن الكتابة التي تتقاطع فيها الذاكرة الذاتية مع السرد الأدبي، إذ يستعيد سرور محطات من حياته، ويقدم تفاصيل عن بيئته الأولى وتكوين شخصيته، في نص لم يكتمل، لكنه يظل وثيقة مهمة لدراسة تجربته الإنسانية والإبداعية.

وفي مقدمته، يروي فرحات أن علاقته بشعر نجيب سرور بدأت في تسعينيات القرن الماضي، عندما سمع أبياتًا له خلال وجوده في أحد المخيمات اليسارية ببيروت، فتوقف عند قوله:

«لا حق لحي إن ضاعت في الأرض حقوق الأموات..»

يشير فرحات إلى أن مشروع الرواية وصل إليه عبر المخطوطات التي أتاحها فريد نجيب سرور، موضحًا أن الأوراق لم تكن جميعها في صورة نص مكتمل؛ فقد تضمنت مسودات متعددة، وشطبًا وإعادة كتابة وتكرارًا لبعض العبارات والفقرات.

ويقول فرحات في دراسته للمخطوطات إنه حرص على إثبات الكلمات والعبارات التي كتبها نجيب سرور بخط يده، حتى المشطوب منها، لما قد تكشفه من مراحل تطور النص. وأسفر العمل على مشروع الرواية عن نص محرر في نحو 54 صفحة من مقاس A4، بما يقارب 19 ألف كلمة.

ويكتسب عنوان الرواية دلالته من صورة الفارس الذي يتمسك بالنبل والقيم في زمن مضطرب، كما أنه عنوان سبق أن استخدمه نجيب سرور لأحد دواوينه الشعرية الصادرة عام 1978. ولا يقتصر النص على أهميته الأدبية، بل يقدم مادة جديدة للباحثين في سيرة الشاعر، ويتيح قراءة جوانب من حياته بعيدًا عن الاقتصار على أعماله المسرحية والشعرية الأكثر شهرة.

«إنه الإنسان».. الديوان ومقدمته السياسية

أما ديوان «إنه الإنسان»، الذي نشر موقع «الكتابة» نصه الكامل في 18 أكتوبر 2026، بتحرير وتحقيق وتقديم محمد فرحات، فيعود إلى تجربة نجيب سرور خلال الفترة الممتدة من عام 1955 إلى عام 1961، في سياق الصراع السياسي والفكري بين اليسار والسلطة الناصرية.

ويقدم فرحات الديوان باعتباره «ملحمة نجيب سرور الأولى ضد الاستبداد والقهر» مشيرًا إلى أن مخطوطته عُثر عليها ضمن الأوراق المكتوبة بخط الشاعر، في صورة كراسين، وأن نشرها كاملًا يتيح للقارئ الاطلاع على نصوصه في سياقها الأصلي، إلى جانب مقدمة سياسية كتبها سرور ولم تكن متاحة ضمن التداول الكامل للديوان.

ديوان أنه الإنسان من تحقيق الكاتب والناقد محمد فرحات
ديوان أنه الإنسان من تحقيق الكاتب والناقد محمد فرحات

وتحمل المقدمة عنوان «مقدمة لا بد منها»، وهي شهادة على أوضاع اليسار المصري خلال الفترة من 1956 إلى 1961، وتتناول ثمانية من شهدائه الذين قضوا تحت التعذيب، وهم شهدي عطية الشافعي، وفريد حداد، ومحمد عثمان، ورشدي خليل، وسيد أمين، ومصطفى شوقي، وسعد التركي، وعلي متولي الديب.

يستهل نجيب سرور مقدمته بقوله:

«أغنياتي يا حزينة

يا عصارات السنين،

ستظلين سجينة،

طالما شعبي سجين!»

ثم يوضح أن الحكاية التي يرويها لا تخص هؤلاء الثمانية وحدهم، بل تتصل بتاريخ شعب كامل، وبما تعرض له من طغيان وقهر، وبقدرته على مقاومة الهزائم والتمسك بالأمل في الحرية والمستقبل.

 

أحد نصوص ديوان أنه الإنسان المعاد تحقيقه
أحد نصوص ديوان أنه الإنسان المعاد تحقيقه

ويقول في المقدمة إن تاريخ الشعب المصري لا يمكن فهمه من خلال الحوادث المنفصلة وحدها، بل من خلال الصراع الممتد بين القهر والرغبة في الحياة، معتبرًا أن صبر الشعب ليس استسلامًا، وإنما انتظار للحظة التي يستطيع فيها التعبير عن إرادته.

وتنبع أهمية هذه المقدمة من كونها تجمع بين التوثيق السياسي والرؤية الشعرية، وتضع قصائد الديوان في سياق تجربة عاشها الشاعر بنفسه، خلال إقامته في الاتحاد السوفيتي لدراسة الإخراج المسرحي، وما صاحبها من خلافات سياسية انتهت بمحنته في الخارج.

 كان سرور عضوًا ناشطًا في تنظيم «حدتو» اليساري،

أثار موقفه المعارض للوحدة المصرية السورية عام 1958 خلافًا مع السلطات المصرية والسوفيتية.

ووفقًا لرواية فرحات، طالبت السلطات المصرية بترحيله من الاتحاد السوفيتي، كما سُحب جواز سفره، وانتهى به الأمر إلى الإقامة في بودابست بالمجر، بعيدًا عن زوجته ساشا كورساكوفا وابنه شهدي.

إحدى قصائد ديوان نجيب سرور
إحدى قصائد ديوان نجيب سرور

وفي المجر، عاش سرور ظروفًا قاسية، قبل أن يتدخل الناقد رجاء النقاش، الذي نشر في جريدة «الجمهورية» مقالًا بعنوان «مأساة فنان مصري في بودابست» مطالبًا بالسماح للشاعر بالعودة إلى مصر. وقد أسهمت هذه الحملة في إعادة قضيته إلى الاهتمام العام.

وتنعكس تجربة المنفى والاغتراب في قصائد الديوان، ومنها قصيدة «رسالة.. إلى الرفاق»، التي يقول فيها:

«يا رفاقي..

بيننا بيد.. ودون البيد بيدْ،

أنا في موسكو.. وأنتم في القيود..

يا ترى.. هل نلتقي؟»

تكشف الأبيات عن المسافة التي تفصل الشاعر عن رفاقه، وعن شعوره بأن وجوده بعيدًا عنهم لا يعفيه من مسؤولية التضامن معهم. وهكذا تتداخل التجربة الذاتية مع الموقف السياسي، من دون أن يفقد النص طابعه الشعري.

وتظهر هذه الدلالة بوضوح في مقاطع أخرى من الديوان، تتناول التعذيب والسجون ومحاولات السلطة محو هوية المعارضين. وفي أحد المقاطع التي يستحضر فيها الشاعر تجربة المعتقل، يكتب:

«لا قيمة للاسم..

فأنا رقم..

في شرع الجستابو رقم.»

ثم يواجه هذا المحو بإعلان هويته الإنسانية:

«إنسان.. إني إنسان..»

وتمثل هذه المقاطع جانبًا من رؤية نجيب سرور للإنسان باعتباره القيمة الأساسية التي ينبغي ألا تسحقها السلطة، مهما امتلكت من أدوات القهر.

قصيدة من ديوان أنه الإنسان تحقيق محمد فرحات
قصيدة من ديوان أنه الإنسان تحقيق محمد فرحات

مشروع لاستعادة التراث المخطوط

يأتي نشر الرواية والديوان ضمن الجهود الرامية إلى استعادة تراث نجيب سرور المكتوب بخط يده، وهو تراث ضخم يضم أعمالًا أدبية ومسرحية ونقدية وأوراقًا ومسودات لم تُنشر كلها في صورتها الكاملة.

ويبرز دور محمد فرحات في هذا المشروع من خلال التعامل مع المخطوطات باعتبارها نصوصًا تحتاج إلى التحقيق والتحرير، مع مراعاة الفروق بين النصوص المكتملة والمسودات والمشروعات التي لم يصل أصحابها إلى صيغتها النهائية.

وتتيح هذه الأعمال للباحثين والقراء مادة جديدة لدراسة نجيب سرور، ليس فقط بوصفه شاعرًا ومسرحيًا صاحب تجربة فنية متميزة، وإنما أيضًا باعتباره شاهدًا على تحولات سياسية واجتماعية تركت آثارها العميقة في حياته وكتابته.

وتكمن أهمية نشر «فارس آخر زمن» و«إنه الإنسان» في إتاحة نصوص تكشف جانبًا من عالم نجيب سرور الخاص، وتوثق في الوقت نفسه مرحلة من تاريخ مصر الحديث، من خلال مخطوطات أصلية تحمل آثار الكتابة والتجربة والذاكرة
جدير بالذكر أن هذا يقع في إطار مشروع طموح لإعادة نشر كل حرف كتبه نجيب سرور، تحت عنوان “الوصية” وصية ألكسندرا كورساكوفا زوجة الشاعر المخلصة والتي رحلت عن عالمنا منذ زمن قصير.

شارك المقال:

التعليقات مغلقة على هذا المقال.