علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
ترجمات
محمد كمال
محمد كمال

كاتب وباحث حقوقي

فرنسا على صفيح ساخن.. أعمال شغب تهز حكومة ماكرون قبل الانتخابات الرئاسية

شهدت فرنسا احتجاجات واسعة في 17 أكتوبر 2026، شارك فيها طلاب يطالبون بتحسين التعليم ومواطنون يحتجون على ارتفاع تكاليف المعيشة. وتحولت بعض التظاهرات إلى مواجهات وأعمال نهب وتخريب، أسفرت عن توقيف نحو 2400 شخص، وأثارت أزمة سياسية وأمنية لحكومة الرئيس إيمانويل ماكرون قبل انتخابات 2027.

مشاركة:
حجم الخط:

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومة سيباستيان لوكورنو أزمة سياسية وأمنية متصاعدة،

عقب احتجاجات شهدتها فرنسا وتحولت إلى مواجهات عنيفة وأعمال نهب وتخريب،

أسفرت عن توقيف نحو 2400 شخص وإصابة مئات من عناصر الأمن، وسط اتهامات للحكومة

بسوء إدارة التظاهرات، قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

Emmanuel Macron faces political firestorm after riots

«فايننشال تايمز»: احتجاجات فرنسا تشعل أزمة سياسية لماكرون قبل انتخابات 2027

دخلت فرنسا مرحلة جديدة من الاضطرابات السياسية والأمنية، بعدما تحولت احتجاجات شعبية واسعة،

السبت 17 أكتوبر 2026، إلى مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وحرائق طالت مؤسسات عامة ومتاجر في عدة مدن.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، الاثنين 19 أكتوبر، فإن موجة العنف،

التي وصفتها بأنها الأسوأ منذ سنوات، وضعت الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أمام ضغوط متزايدة.

وتأتي الأزمة قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، بينما تواجه الحكومة،

التي لا تتمتع بأغلبية برلمانية، خلافات بشأن الموازنة ومخاوف اقتصادية متصاعدة.

وفي الوقت نفسه، أثارت الأحداث تساؤلات بشأن استعداد الأجهزة الأمنية وقدرتها على

حماية المتظاهرين السلميين والممتلكات العامة والخاصة.

وكالة أسوشيتد برس — حصيلة الاحتجاجات وأعمال الشغب

احتجاجات فرنسا تتحول إلى مواجهات واسعة

بدأت الاحتجاجات بمشاركة طلاب المدارس الثانوية المطالبين بتحسين الأوضاع التعليمية،

إلى جانب مواطنين يحتجون على ارتفاع تكاليف المعيشة.

لكن التظاهرات شهدت أعمال عنف نفذتها مجموعات ملثمة، ارتدى أفراد منها ملابس سوداء، واشتبكوا مع قوات الشرطة.

وامتدت المواجهات إلى عدة مدن، حيث تعرضت متاجر للنهب، وأُحرقت سيارات ومبانٍ،

كما استهدفت مجموعات مقار بلديات ومرافق عامة.

وفي باريس، شهدت المنطقة المحيطة بساحة الجمهورية اضطرابات واسعة،

بينما تفرقت حشود المتظاهرين في الشوارع المجاورة، ما صعّب مهمة الأجهزة الأمنية.

ومع ذلك، لم تكن جميع المسيرات عنيفة. فقد شارك مئات الآلاف في احتجاجات سلمية،

قبل أن تطغى المواجهات وأعمال التخريب على المشهد الإعلامي.

آلاف الموقوفين وخسائر واسعة في المتاجر

كشفت الاضطرابات عن حجم كبير من الأضرار والخسائر.

فبحسب التقديرات الأولية التي نقلتها «فايننشال تايمز»، تعرض نحو 1500 متجر للنهب في أنحاء فرنسا.

وفي المقابل، ارتفع عدد الموقوفين خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى نحو 2400 شخص،

وفق بيانات السلطات التي نقلتها وكالة أسوشيتد برس.

كما أعلنت السلطات إصابة ما يقرب من ألف عنصر من قوات الأمن، بينهم حالات خطيرة.

وامتدت الاعتداءات إلى مبانٍ عامة في مدن ليل ومرسيليا وليموج.

وفي مدينة ليموج، تعرض مبنى البلدية التاريخي لحريق تسبب في أضرار جسيمة،

فيما تحدث مسؤولون محليون عن مجموعات شاركت في التخريب دون ارتباط واضح بمطالب المحتجين.

أما في باريس، فقد وصف سكان قرب ساحة الجمهورية عمليات نهب استهدفت متاجر ومطاعم،

وسط انتشار الحرائق والسيارات المحترقة.

وقال فاديم كانتوروف، المقيم في المنطقة منذ عام 2015، إن الحضور الأمني كان محدودًا

في بعض الشوارع المحيطة بالساحة، رغم وجود قوات تستخدم الغاز المسيل للدموع في مناطق أخرى.

وأضاف أن المشهد أثار لديه مخاوف بشأن قدرة الشرطة على توقع تحركات المجموعات المتورطة في العنف.

لماذا عجزت الشرطة الفرنسية عن احتواء الاضطرابات؟

أثارت الأحداث خلافًا واسعًا بشأن حجم الاستعدادات الأمنية وطريقة إدارة الاحتجاجات.

فقد اتهم سياسيون معارضون وزارة الداخلية بعدم نشر قوات كافية، رغم الإعلان عن التظاهرات قبل أسابيع.

وزعم عدد منهم أن القوة الأمنية المنتشرة يوم السبت لم تتجاوز 10 آلاف عنصر.

وقارنوا ذلك بفترات سابقة من احتجاجات «السترات الصفراء»، عندما تجاوز عدد عناصر الشرطة المنتشرين أحيانًا 60 ألفًا.

لكن وزارة الداخلية نفت صحة تقدير المعارضة بشأن أعداد القوات، دون تقديم رقم بديل، وفق التقرير.

تقديرات أمنية أقل من حجم المشاركة

كانت أجهزة الاستخبارات الداخلية تتوقع مشاركة نحو 100 ألف شخص.

غير أن المشاركة الفعلية تجاوزت ذلك بكثير.

وبحسب صحيفة «لوموند»، قدرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 550 ألف شخص،

بينما رفع المنظمون تقديراتهم إلى 800 ألف.

وفي هذا السياق، اعتبر برونو ريتايو، زعيم حزب الجمهوريين ووزير الداخلية السابق،

أن الحكومة كان ينبغي أن تتوقع احتمال وقوع مواجهات.

وأشار إلى أن احتجاجات المدارس الثانوية، التي استمرت لأسابيع، أسفرت بالفعل عن توقيف أكثر من 7 آلاف شخص.

كذلك انتقد خبير شؤون الشرطة سيباستيان روشيه ضعف التخطيط الأمني.

وأوضح أن الاتفاق على مسار التظاهرة في باريس لم يكتمل إلا مساء الجمعة، أي قبل ساعات من انطلاق الاحتجاجات.

وأضاف أن المساحة المحددة لنهاية المسيرة لم تكن كافية لاستيعاب الأعداد الكبيرة، ما ساهم في تفرق الحشود وصعوبة تأمينها.

ورأى أن المعلومات الاستخباراتية ربما لم تُجمع أو تُفسر بصورة مناسبة، رغم وجود تحذيرات من احتمال وقوع أعمال عنف.

تحقيق برلماني مرتقب بشأن الإخفاقات الأمنية

دفعت الاضطرابات البرلمان الفرنسي إلى التحرك لمراجعة أداء الأجهزة الأمنية.

ففي 18 أكتوبر، أعلنت رئيسة الجمعية الوطنية يائيل براون بيفيه عزمها اقتراح تشكيل لجنة تحقيق

خلال مؤتمر رؤساء الكتل المقرر في 20 أكتوبر.

ويشمل نطاق التحقيق المقترح أساليب المجموعات العنيفة، ومدى استعداد الشرطة،

وطريقة تنظيم عمليات حفظ النظام، فضلًا عن تحديد أوجه القصور المحتملة.

كما يهدف إلى استخلاص إجراءات تمنع تكرار الاضطرابات وتحمي الحق في التظاهر السلمي.

ومن المهم التمييز بين اقتراح تشكيل اللجنة وبدء عملها رسميًا؛ فالبيان البرلماني

الذي أمكن التحقق منه يثبت الإعلان عن المقترح، وليس اكتمال إجراءات تشكيل اللجنة.

وفي المقابل، نفى وزراء في الحكومة الاتهامات بعدم الاستعداد.

وقال وزير الداخلية لوران نونيز إن التعامل مع مجموعات متنقلة من مثيري الشغب

كان شديد الصعوبة، خصوصًا بعدما اقترب بعضها من قصر الإليزيه.

ماكرون أمام أزمة ثقة قبل الانتخابات الرئاسية

تفاقمت الأزمة في وقت يعاني فيه الرئيس الفرنسي ورئيس وزرائه تراجعًا واضحًا في الشعبية.

فوفق استطلاع أجرته مؤسسة «إبسوس» يومي 7 و8 أكتوبر 2026، بلغت نسبة الآراء الإيجابية تجاه

أداء ماكرون 15%، مقابل 22% تجاه لوكورنو.

وشمل الاستطلاع ألف شخص يمثلون عينة من الفرنسيين البالغين، وأُجري قبل اندلاع أحداث 17 أكتوبر.

كما بلغت نسبة الآراء السلبية تجاه ماكرون 82%، مقابل 69% تجاه رئيس الوزراء.

وتزامنت هذه المؤشرات مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027،

وسط تنافس سياسي متصاعد بين القوى الرئيسية.

هل تعود أزمة السترات الصفراء؟

يرى برونو كوترِس، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس «سيانس بو»،

أن أعمال العنف الأخيرة تعيد إلى الأذهان احتجاجات «السترات الصفراء» التي هزت فرنسا خلال عامي 2018 و2019.

واعتبر أن أحداث السبت قد تشكل نقطة تحول في المشهد السياسي الفرنسي.

وبحسب تحليله، فقد تركت مشاهد العنف انطباعًا لدى بعض المواطنين بأن الدولة فقدت قدرتها على السيطرة على الشوارع.

كما رأى أن حزب التجمع الوطني، الذي تقوده مارين لوبان، قد يستفيد سياسيًا من الأزمة.

غير أن ذلك يظل تقييمًا سياسيًا، وليس نتيجة انتخابية مؤكدة.

ماكرون يعد بحلول ملموسة لاحتواء الغضب

سعى الرئيس الفرنسي إلى احتواء التداعيات السياسية والأمنية من خلال خطاب متلفز مساء الأحد 18 أكتوبر.

وأكد ضرورة مواجهة أعمال العنف، مع الاعتراف بوجود مطالب اجتماعية مشروعة لدى المتظاهرين.

كما أعلن أن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو سيجمع ممثلين عن الطلاب والنقابات العمالية والبرلمان لبحث حلول عملية.

وفي الوقت نفسه، كلف المسؤولين المحليين بتحسين خطط حماية المؤسسات والمتاجر خلال التظاهرات المقبلة.

وشدد ماكرون على ضرورة التعاون بين مختلف الأطراف لمعالجة الأزمة.

وفي المقابل، دعت منظمات طلابية إلى استمرار الاحتجاجات خلال الأيام التالية، بما يشير إلى بقاء أسباب التوتر قائمة.

الحكومة واليمين واليسار يتبادلون الاتهامات

أثارت الاضطرابات مواجهة سياسية بين الحكومة وقوى المعارضة.

فقد اتهم رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو مجموعات من اليسار المتطرف بمحاولة تأجيج العنف قبل الانتخابات الرئاسية.

كما انتقد زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون، معتبرًا أنه لم يدن أعمال العنف بالقدر الكافي.

لكن ميلانشون رفض اتهامات الحكومة، وحمّل لوكورنو مسؤولية التدهور الأمني.

واتهم الحكومة باتباع سياسات ساهمت في تصعيد التوترات، كما ألمح إلى أنها قد

تستغل أعمال العنف لتبرير الإجراءات الأمنية المشددة.

وشدد على أن جوهر الاحتجاجات يرتبط بمطالب الطلاب وارتفاع تكاليف المعيشة.

لوبان تدخل على خط الأزمة

من جهتها، وصفت مارين لوبان الوضع بأنه أزمة عميقة في الثقة والسلطة.

واعتبرت أن فرنسا تواجه مشكلتين متزامنتين تتمثلان، وفق توصيفها، في العنف وعجز الحكومة.

كذلك اتهمت سياسات الهجرة المتبعة خلال العقود الماضية بالمساهمة في تفاقم المشكلات الأمنية.

غير أن الشرطة لم تؤكد وجود علاقة مباشرة بين الهجرة وأعمال العنف الأخيرة.

وأوضحت أن عددًا كبيرًا من الموقوفين كانوا من البالغين، وليسوا من الشباب الذين ركزت عليهم بعض الخطابات السياسية.

وبذلك، تحولت الاضطرابات إلى محور خلاف بين القوى السياسية، مع اختلاف تفسيراتها لأسباب العنف والمسؤولية عنه.

استخدام القوة ضد المتظاهرين يثير انتقادات

لم تقتصر الانتقادات على ضعف الاستعداد الأمني، بل امتدت إلى أساليب الشرطة في التعامل مع الاحتجاجات.

فخلال الأسابيع السابقة، تعرضت الأجهزة الأمنية لانتقادات بسبب استخدام القنابل الصوتية ووسائل تفريق الحشود.

وبحسب تقرير «فايننشال تايمز»، علقت السلطات استخدام أحد أنواع القنابل بعد واقعة أدت إلى بتر يد متظاهر.

لكن السماح باستخدامها مجددًا قبل تظاهرات السبت أعقبته إصابة متظاهر آخر ببتر مماثل.

وفي هذا السياق، أثارت الإصابات الخطيرة تساؤلات بشأن مدى ملاءمة وسائل حفظ النظام المستخدمة.

من جهته، قال الباحث سيباستيان روشيه إن الإصابات الناجمة عن أسلحة الشرطة

خلال موجة الاحتجاجات الأخيرة تستدعي مراجعة جادة لسياسات التعامل مع المتظاهرين.

أصحاب المتاجر يطالبون بالتعويضات

على الصعيد الاقتصادي، تواجه الحكومة ضغوطًا متزايدة من أصحاب الشركات والمتاجر التي تعرضت للنهب والتخريب.

فقد أدت أعمال العنف إلى خسائر واسعة، خصوصًا لدى المشروعات الصغيرة التي تضررت ممتلكاتها وتوقفت أنشطتها.

وفي مدينة ليموج، طالب رئيس البلدية غيوم غيران الحكومة بتقديم ضمانات واضحة لإعادة بناء مبنى البلدية المتضرر.

كما دعا إلى توفير تمويل مماثل لما خُصص لإعادة إعمار كاتدرائية نوتردام.

وحذر من أنه سيطرح استقالته إذا لم يحصل على تعهد واضح من مكتب رئيس الوزراء أو قصر الإليزيه خلال 48 ساعة من تصريحاته.

وتعكس هذه المطالب حجم الضغوط التي تواجه السلطات المركزية من المسؤولين المحليين والقطاعات الاقتصادية المتضررة.

الانتخابات الرئاسية تضاعف الضغوط على ماكرون

تأتي الأزمة بينما تستعد فرنسا لانتخابات رئاسية خلال أبريل 2027، يُنتخب فيها خلف للرئيس إيمانويل ماكرون.

وفي المقابل، تواجه حكومة لوكورنو تحديات مالية وبرلمانية، إلى جانب استمرار

المطالب الاجتماعية بشأن التعليم وتكاليف المعيشة.

كما أعادت أحداث أكتوبر الجدل بشأن قدرة الدولة على إدارة الاحتجاجات وحماية الحق في التظاهر،

دون السماح بتحولها إلى أعمال عنف واسعة.

وبحسب قراءة «فايننشال تايمز»، فإن خطورة الأزمة لا تتعلق بالخسائر المباشرة وحدها،

بل بتزامن الاضطرابات الأمنية مع تراجع الثقة السياسية والضغوط الاقتصادية.

ومن ثم، أصبحت كيفية تعامل الحكومة مع مطالب المحتجين، ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف،

ومراجعة الأداء الأمني، من أبرز الملفات المطروحة على الساحة الفرنسية خلال المرحلة المقبلة.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك