د. أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون رئيسا لمصر (5-6) محمد مرسي
كان للحزب رئيس، وللجماعة مرشد، وللدولة رئيس جاء من الاثنين معاً، لم تكن مشكلة محمد مرسي أنه كان ديكتاتوراً قوياً، كانت مشكلته أنه كان رئيساً ضعيفاً لمشروع لا يحب الضعف.
يعتقد أيمن منصور ندا أ فشل مرسي أهى الأمل في رئيس مدني لمصر مستقبلا
أول رئيس مدني منتخب.. وآخرهم!
قبل أن يولد “الدكتور محمد مرسي” بثلاثة عقود، كان “ماكس فيبر” قد وصف مأزقه؛ حين فرّق بين “أخلاق العقيدة” و”أخلاق المسؤولية”
الأولى تسأل السياسي إن كان قد ظل مخلصاً لما يؤمن به، والثانية تسأله عما فعلته معتقداته بالناس حين تحولت إلى قرارات.
هنا تبدأ حكاية مرسي علّمته الجماعة ثلاثين عاماً أن يخلص للعقيدة والصف، ثم طلبت منه الدولة فجأة أن يتحمل مسؤولية النتائج.
أصبح الإخواني رئيساً، وصار الرجل الذي أمضى ثلاثة عقود في الجماعة رئيساً لمن فيها ومن خارجها.
كان مرسي “السلطان الحائر” على طريقة توفيق الحكيم:
بين الجماعة والدولة، والعقيدة والمسؤولية، والطاعة والقرار.. ولم يكن وحده حائراً؛ كانت ثورة يناير مرتبكة بانتصارها، لا تعرف ماذا تفعل به، وكانت الدولة المصرية أشد ارتباكاً حين وجدت رجلاً لم تصنعه مؤسساتها التقليدية جالساً فجأة على رأسها.
كان محمد مرسي إنساناً أفضل منه سياسياً، وسياسياً أفضل منه رئيساً
وُلد في قرية بالشرقية لأسرة ريفية بسيطة (1951) وصعد بالتعليم إلى كلية الهندسة بجامعة القاهرة، حيث تخرج عام 1975، ثم حصل على الماجستير عام 1978، والدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1982، وعمل بالتدريس في الولايات المتحدة قبل أن يعود أستاذاً للهندسة بجامعة الزقازيق.
كان جاداً، منضبطاً، متديناً، صبوراً، قليل الاستعراض.
ثم وجد في الإخوان البيئة التي تناسبه: نظام، وطاعة، وتسلسل.
لم يكن خطيباً آسراً، ولا صاحب مدرسة فكرية، ولا زعيماً يصنع حول نفسه تياراً.
كان، داخل الجماعة، رجل تنفيذ أكثر منه رجل رؤية، موثوقاً أكثر منه ملهماً، صلباً أكثر منه مرناً.
جاء من عالم الهندسة، حيث تبحث المسألة عن إجابة صحيحة،ودخل عالم السياسة، حيث لا توجد إجابة واحدة صحيحة.
دخل البرلمان، وصعد إلى مكتب الإرشاد، ثم رأس حزب الحرية والعدالة.
لم تصنع الجماعة مرسي من الصفر عثرت على شخصية تلائمها، ثم صقلتها ثلاثين عاماً، كان إخوانياً يبحث عن وحدة الصف، في دولة لا تستقيم إلا بتعدد الصفوف..
كان موقعه داخل الإخوان أكثر دلالة من ألقابه
لم يكن حسن البنا، ولا سيد قطب، ولا خيرت الشاطر، ولا محمد بديع، كان، بتعبير دارج، “خولي الجماعة”:
يضبط الصفوف، وينفذ، ويضمن أن تعمل الماكينة، لكنه لا يملك العزبة،كان الشاطر أقرب إلى صناعة القرار، وكان مرسي أقرب إلى تنفيذه.
تدرّب مرسي طويلاً على أن يكون الرجل المناسب داخل الصف؛ ولم يتدرب على أن يكون الرجل الأول فوق الصفوف.
لذلك اختارت الجماعة الشاطر أولاً، ووضعت مرسي احتياطياً، فلما استُبعد الأول، خرج “الاستبن” إلى سباق الرئاسة.
استطاعت الجماعة أن تغير المرشح من دون أن تغير جانباً كبيراً من أصواتها، فالناخب التنظيمي ينتخب القرار قبل أن ينتخب الرجل.
وتشرح نظرية “الأصيل والوكيل” المأزق أكثر، عاش مرسي وكيلاً داخل تنظيم له قيادة ومرجعية، ثم جعله الدستور رأس السلطة التنفيذية.
تغير موقعه القانوني أسرع من تكوينه التنظيمي.. رفعته الجماعة فوقها في الدولة، بينما ظل موقعها فوقه في داخله.
لم يكن ضرورياً أن يجلس مكتب الإرشاد في مكتب الرئاسة؛ كانت الجماعة حاضرة في تكوين الرجل وفي عقله.
ولهذا بدا، من هذه الزاوية، أقرب إلى “ميدفيديف” رجل موثوق رفعته منظومة أقوى من شخصيته السياسية المستقلة إلى قمة الدولة.
لكن “بوتين” كان رجلاً واحداً، أما فوق مرسي فكانت جماعة كاملة، تنظيم في الداخل، وشبكة عابرة للحدود في الخارج.
وزاد الأمر تعقيداً أن حزب الحرية والعدالة لم يقطع حبله السري مع التنظيم الأم.
كان للحزب رئيس، وللجماعة مرشد، وللدولة رئيس جاء من الاثنين معاً، لم تكن مشكلة محمد مرسي أنه كان ديكتاتوراً قوياً، كانت مشكلته أنه كان رئيساً ضعيفاً لمشروع لا يحب الضعف.
لم يكن مرسي غريباً عن بعض التجارب الدولية
يشبه محمد مرسي “أربكان” في مأزق الإسلامي الذي يصل بالصندوق إلى رئاسة الحكومة في دولة لا تثق مؤسساتها ولا جيشها ولا قطاعات من مجتمعها في مشروعه.
لكن “أربكان” كان صاحب حركة هو أكبر منها، بينما كان مرسي ابن حركة هي أكبر منه.
أما النموذج الذي حلم الإخوان بتقليده فكان “أردوغان” الأول: حزب ذو جذور إسلامية يصل بالانتخابات، ثم يثبت نفسه بالكفاءة والاقتصاد والتحالفات.
أرادوا النتيجة قبل استكمال شروطها، حلموا بأردوغان، وتصرفوا كأربكان، ووضعوا في الرئاسة رجلاً أقرب إلى “ميدفيديف”
وتعامل مرسي مع الديمقراطية بمنطق الصندوق: ننتخب، نفوز، فنحكم.
لم يكن عدواً للصندوق، لكنه حمّله أكثر مما يحتمل، امتلك أغلبية انتخابية، وتعامل محيطه كأنها أغلبية الوطن، عرف، كمهندس، كيف تُعَد الأصوات؛ ولم يعرف، كسياسي، أن بعض الأوطان لا تُحكم بالجمع والطرح..
وتشرح بنية الإخوان جانباً آخر؛ كتب “روبرت ميخلز” عن “القانون الحديدي للأوليجاركية”: التنظيم الكبير يميل إلى تركيز القرار في يد قلة محترفة..
الإخوان تنظيم هرمي شديد الانضباط
القيادة محدودة، الطاعة فضيلة، وحدة الصف مقدمة كثيراً على حق الاختلاف.
كانت في بنية الجماعة سمات شمولية واضحة؛ الفرد عضو قبل أن يكون مستقلاً، والطاعة قيمة قبل أن يكون الاختلاف حقاً.
لم تكن الجماعة كلها “قطبية” حين وصلت إلى الحكم، لكنَّ السلطة كشفت مقدار ما بقي من “سيد قطب” في بعض طبقاتها:
الاصطفاء، والارتياب، وأولوية الجماعة، والنظر إلى الخصومة باعتبارها موقفاً من المشروع لا مجرد اختلاف سياسي.
ولم تكن أعمالهم الخيرية قناعاً زائفاً بالكامل، كانت وجهاً حقيقياً، لكنها لم تكن الوجه الوحيد.
في المعارضة ظهر الإخوان الذين يخدمون المجتمع، وفي السلطة ظهر وجه أكثر استعلاءً على المختلف، وأكثر رغبة في إخضاع المجال العام لمنطق التنظيم.
ظهر التنظيم الذي يريد أن يقود المجتمع، وأن يعيد ترتيبه على صورته، عندما كانوا في المعارضة طالبوا الدولة بأن تتسع للجماعة؛ وفي الحكم تصرفوا كأن على الدولة أن تضيق حتى تناسب الجماعة.
وجاءت يناير لتمنح أكثر القوى تنظيماً ما لم تستطع الثورة نفسها أن تنتجه
عرفت الثورة جيداً من تريد إسقاطه، ولم تعرف بالوضوح نفسه ماذا تريد أن تبني بعده.
جمع مبارك الإسلاميين والمدنيين والليبراليين واليساريين ضده، ثم فرّقهم ميراثه بعد سقوطه.
كان الإخوان أكبر المستفيدين من فراغ ما بعد الثورة، ثم أصبحوا أكبر ضحاياه.
ولم تأت كل أصوات مرسي من الجماعة، اختاره كثيرون رفضاً لأحمد شفيق، لا حباً في مشروع الإخوان.
ولو ترشح عمرو موسى أو حمدين صباحي أو حتى عبد المنعم أبو الفتوح أمام مرسي ربما فاز أحدهم باكتساح.
ربح مرسي السباق إلى السلطة، ولم يبنِ التحالف الذي يحمي وجوده فيها.. وفي الوقت نفسه لم تسلم له الدولة مفاتيحها؛ بقي الجيش والشرطة والقضاء والبيروقراطية مراكز قوة مستقلة أو معادية أو شديدة الارتياب.
وصل مرسي إلى القصر، ولم يصل كاملاً إلى الدولة، كان رئيساً بعصبية، لكنها عصبية خارج الدولة؛ على عكس محمد نجيب الذي عرف الرئاسة بلا عصبية.
وقع مرسي في فخ النجاح
استهان به خصومه لأنه “الاستبن” فأبعد طنطاوي وعنان، واستعاد جانباً مهماً من سلطات الرئاسة، ونجحت مصر في وساطة غزة.
اكتشف أنه أقوى مما ظن خصومه، ثم بالغ في تقدير قوته، تحولت الصلابة إلى عناد، والنجاح التكتيكي إلى ثقة زائدة.
ثم جاء الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012 ليحصّن قراراته ويشعل الأزمة، وكان أقل مرونة مما احتاج إليه منصبه.
وكما صار عبد الناصر أكبر من التنظيم الذي جاء به، ظل مرسي أصغر من الجماعة التي جاءت به.
وكما أقنع انتصار 1956 عبد الناصر بأن إرادته تستطيع أكثر مما تسمح به الدولة، وأقنعت رهانات السادات الناجحة صاحبها بأن يده لا تخسر، وأقنع الانتظار مبارك بأن الوقت دائماً معروض للبيع، أقنعت نجاحات مرسي الأولى الرجل الذي دخل القصر احتياطياً بأنه يستطيع كسر بقية الحواجز..
ثم جاءت “لهفة التمكين” و”أخونة المجتمع”
دخل الإخوان الدولة بلهفة من انتظرها طويلاً، وبخوف من لا يصدق أنها أصبحت أخيراً في يده.. لم ينجحوا في أخونة الدولة كاملة، لكنهم فعلوا ما يكفي لإقناع قطاعات واسعة بأنهم يحاولون.
سبقت رغباتهم إمكانياتهم؛ أرادوا تغيير الدولة قبل أن يتعلموا إدارتها، والمجتمع قبل أن يقنعوه.. ولم تكن المعركة على اللحية أو الجلباب، بل على الخوف مما أصبحا يرمزان إليه:
أن تتحول مصر في الشكل والخطاب ونمط الحياة إلى نموذج لم يختره المصريون.
وصار “مشروع النهضة” عنواناً أكبر من مضمونه، باعوا مشروعاً قبل أن يكتمل أو حتى قبل أن يوجد، حتى أطلق عليه البعض، عن حق، “الفنكوش الأكبر”
صبر الإخوان ثمانين عاماً للوصول إلى الحكم، ثم لم يصبروا عاماً على المجتمع بعد أن وصلوا إليه..
وظهرت قلة خبرة الدولة في لحظات يصعب نسيانها
جاء “برنامج المائة يوم” بوعود أكبر من قدرة حكومة خارجة من ثورة، ثم جاء “اجتماع سد النهضة” المذاع على الهواء،كانوا يناقشون أسرار الدولة بعقلية اجتماع الجماعة.
ثم اكتشفوا أن الكاميرا كانت عضواً في الاجتماع،هزم مرسي ضعفُ مهارات التواصل السياسي لديه.
لم يكن خطيباً يجمع، ولا متحدثاً يعرف كيف يختزل، كان يملك عناد السياسي أكثر مما يملك لغته، ومنحت عباراته خصومه من السخرية أكثر مما منحهم خطابه من الطمأنينة، وفعل به وبهم “باسم يوسف” ما لم تفعله “جبهة الإنقاذ”
وظل “سجن المظلومية” قائماً في سردية الإخوان، لم يخترعوا مظلوميتهم، عرفوا السجون والحظر والمطاردة، لكن المحنة تحولت من ذكرى إلى هوية وطريقة في تفسير العالم.
خرج الإخوان من السجون، لكن السجون لم تخرج منهم؛ بقيت لغة الفلول والدولة العميقة والمؤامرة حاضرة.
ولم تكن المؤامرات كلها وهماً؛ كان هناك من يريد إسقاط مرسي، لكن الجزئي تحول إلى تفسير كلي، كانت المظلومية تحمي الجماعة من خصومها، ثم بدأت تمنعها من نقد نفسها.
أصبح مرسي رئيساً، وبقي يتصرف بعقلية السجين، زالت السلطة، فعادت المظلومية؛ وكأن سنة الحكم مجرد فاصل قصير في قصة جماعة تعرف نفسها وهي مطاردة أكثر مما تعرفها وهي حاكمة.
وعندما اقتربت النهاية، تحصّن مرسي بـ”الشرعية” في خطابه الأخير
كانت شرعيته الانتخابية حقيقية، لكنه تعامل معها كأنها رصيد لا ينفد،كان معه الصندوق، ولم يعد معه ما يكفي من الشارع.
فاحتمى بشرعية الوصول بعدما تآكلت شرعية الاستمرار، خرجت ضده حشود ضخمة، تمثل معظم طوائف الشعب المصري، واستعادت أجهزة الدولة العميقة قدرتها القديمة على الحسم، وصل مرسي إلى الرئاسة بقوة الجماعة، وخرج منها بقوة الشعب.
لم يضيع مرسي وجماعته فرصة الإخوان وحدهم، أضاعوا أيضاً، لعقود كثيرة قادمة، فرصة الرئيس المدني نفسه.
فقدت قطاعات واسعة من المصريين ثقتها في مرشح يأتي من تيار ديني بعد تجربة الإخوان، وتراجعت في الوقت نفسه ثقتها في قدرة المرشح المدني على إدارة دولة ثقيلة المؤسسات والتاريخ.
وقد يظهر من وقت إلى آخر مرشح مدني يحظى بشعبية لافتة، لكنها قد تكون شعبية رفض أكثر منها شعبية تأييد، تصويتاً عقابياً (مؤقتاً) ضد المرشح العسكري أو سياساته، لا اقتناعاً مستقراً بأن البديل المدني هو الأقدر على الحكم.
فالمزاج المصري، في لحظات الخوف والاضطراب بشكل خاص، يميل إلى الرجل القادم من المؤسسة العسكرية أكثر مما يميل إلى السياسي المدني؛ يرى في الأول الدولة والحسم والاستقرار، ويرى في الثاني الحزب والجدل والمغامرة.
وهكذا لم يكن مرسي أول رئيس مدني منتخب فقط، ربما كان أيضاً آخرهم، فقد فتح باب الرئاسة المدنية، ثم أسهمت تجربته وتجربة جماعته في إغلاقه خلفه.
كان “ماكس فيبر” يشير إلى أن السياسة تحتاج إلى عقيدة تمنع صاحبها من الانتهازية، وإلى مسؤولية تمنعه من الكارثة.. أما مرسي وجماعته فجمعوا أسوأ ما في الاثنين: انتهازية السياسة، ويقين العقيدة.. وانتهوا إلى الكارثة..
شاركنا برأيك