علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: أن تكون رئيسا لمصر (3-6) أنور السادات

صار السادات سياسياً بطبيعة الممثل، وممثلاً بطبيعة السياسي، حتى يصعب أن تعرف أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر.

مشاركة:
حجم الخط:

صنعه ذكاؤه.. وأهلكه فرطُ ثقته فيه!

لو كانت الشخصيات السياسية معادلات رياضية، لكان جمال عبد الناصر معادلة خطية، ولكان أنور السادات معادلة غير خطية:

مع الأول تستطيع أن تمد الخط فتتوقع، وأن تعرف نقطة البداية فترى شيئاً من النهاية.

أما الثاني فقد يعطيك المعطيات نفسها، ثم يفاجئك بناتج لم يكن في حسبانك.

لم يكن السادات بلا منطق، كانت المشكلة أن منطقه لم يكن يسير في خط مستقيم

قيل عنه إنه كان “يشاور شمالاً ويدخل يميناً” وقال إنه يسير على طريق عبد الناصر، فأضافت النكتة المصرية كلمتين اختصرتا عهداً كاملاً: “بأستيكة”

حالف السوفيت ثم أخرج خبراءهم، وقاد الحرب ثم ذهب إلى القدس، وفتح الباب للإسلاميين ثم انتهى في صدام معهم.

الأطرف أنَّ السادات لم يكن يحتاج دائماً إلى إخفاء أوراقه، فقد ظل يتحدث عن الحرب حتى استبعدها الآخرون. 

كانت موهبته أن يضع الورقة أمامك ثم يجعلك مقتنعاً بأنه لن يلعبها.

كانت طبيعة السادات السياسية قائمة على الحركة المستمرة وإعادة التموضع الدائم: ألا يصبح أسيراً لرجل، أو حليف، أو عقيدة، أو حتى لقرار اتخذه بنفسه.

لم يكن يؤمن بالطريق بقدر ما كان يؤمن بحقه في تغييره.

نجح حين كان الجمود هو المشكلة، وأخطأ حين ظن أن كل مشكلة علاجها كسر الجمود.

وكان أعظم مواهبه أنه لم يصبح أسير المعادلة، وأكبر عيوبه أنه ظن أن كل معادلة قابلة لإعادة الكتابة.

لم تأتِ هذه “اللاخطية السياسية” من فراغ

وُلد في ميت أبو الكوم سنة 1918، وتخرج في الكلية الحربية سنة 1938، ثم دخل مبكراً عالم التنظيمات السرية ومقاومة الإنجليز.

فُصل من الجيش، وسُجن، وهرب، واتُّهم في قضية اغتيال أمين عثمان ثم بُرئ، وعمل بعيداً عن المؤسسة العسكرية، قبل أن يعود إليها سنة 1950 وينضم إلى الضباط الأحرار.

ولم تكن سنوات خروجه من الجيش مجرد فراغ بين مرحلتين، فقد خبر خلالها حياةً لم تجتمع لكثير من رفاقه الضباط.

دخل السجن وذاق مرارته، وعاش مطارداً، ثم اضطر إلى أن يكسب قوته بيديه، فعمل عتّالاً على سيارة نقل، وعاملاً في شق ترعة، وخاض أعمالاً شاقة، انتقل من الضابط إلى السجين والمطارد والعامل، ثم عاد ضابطاً مرةً أخرى.

لم يصنع الاستقرار السادات؛ صنعته التقلبات

عرف مبكراً أن المكانة يمكن أن تضيع ثم تُستعاد، وأن الخروج من موقع لا يعني نهاية الطريق، فزرعت فيه هذه الحياة قدرةً كبيرة على الاحتمال وإعادة التموضع، وحساسيةً خاصة تجاه المكانة والصورة.

ورأى هيكل أنه ظل يشعر بـ”الهوة الواسعة التي تفصل بين جذوره الأولى وبين القوة والجاه الطارئين عليه”

لم يكن المظهر عنده تفصيلاً بريئاً تماماً، صار جزءاً من إعادة تقديم صورة الذات.

والمفارقة أن السادات، الذي كان من أشهر الضباط الأحرار الشباب بسبب قضية أمين عثمان، كان أيضاً أول صوت من هؤلاء الضباط عرفه المصريون.

فقد أذاع بيان الثورة صباح 23 يوليو

بدأ السادات الثورة أمام الميكروفون بإعلان ميلادها، ثم عاد إليه بعد ثمانية عشر عاماً ليعلن وفاة قائدها جمال عبد الناصر، وبين الإعلانين عرف كيف يتقدم إلى الضوء، والأهم كيف يبقى في الظل.

حمل هذين الدرسين معه إلى الرئاسة، فصارا أحياناً موهبةً سياسية نادرة، وأحياناً مشكلةً مزمنة في الحكم!

لم يكن تكوين السادات عسكرياً وسياسياً فقط كانت له حياة أخرى مع الكلمة

عرف الإنجليزية والألمانية، وتعلم الفرنسية، وكانت له معرفة بالفارسية.

وحفظ القرآن في صغره وقرأه قراءةً جيدة، فامتلك أذناً عربيةً واضحة ظهرت في سلامة نطقه وإحساسه بإيقاع الجملة.

أحب الشعر والموسيقى، وأجاد إلقاء الشعر وتنغيمه، ثم حمل هذه الملكة إلى خطاباته.

كان يعرف أن الجملة السياسية لا تؤثر بمعناها وحده، وإنما أيضاً بالنبرة والوقفة والطريقة التي تُقال بها.

وكان صحفياً وكاتباً كذلك؛ ترأس تحرير “الجمهورية” وألّف عدة كتب أشهرها “البحث عن الذات” لم تكن الكلمة عند السادات مجرد وسيلة لشرح السياسة، كانت واحدةً من أدوات ممارستها.

 “المقامرة” كانت أكثر الأوصاف التصاقاً بالسادات

رغم أنه كتب لنفسه في السجن ضمن قواعده للحياة: “لن أقامر” قالها شاباً، ثم أمضى رئاسته يرفع الرهان كلما كسب جولة.

راهن في مايو 1971 على ضرب مراكز القوى قبل أن تضربه فكسب.

وراهن سنة 1972 على إخراج الخبراء السوفيت، ثم رفع الرهان في أكتوبر 1973، ودخل حرباً أراد منها تغيير السياسة بقدر ما أراد تغيير خطوط الجبهة.

وبعدها بأربع سنوات وضع رصيد الحرب والشعبية والعلاقات العربية على طاولة واحدة، وذهب إلى القدس.

وصفت “واشنطن بوست” السادات يومها بأنه رجل “يعجبه الرهان الجريء” ولم يسمِّ هو بعض هذه القرارات مقامرةً، سماها “علاجاً بالصدمة”

لكن نجاحاته المتتالية غيّرت علاقته بالمخاطرة؛ فلم يكن يحب الخطر لذاته، بل أحب ثقته بأنه أقدر من الآخرين على حسابه.

كل رهان كسبه جعله أكثر استعداداً لرفع قيمة الرهان التالي.

وحين ذهب إلى كامب ديفيد، سمى يوسف إدريس الفصل الذي خصصه لها “مقامرة المفلس”

في سبتمبر 1981 جمع خصوماً من اتجاهات متناقضة في ضربة واحدة، وعندها كتب هيكل أن “المقامر الكبير” قام بآخر لعبة كبرى وجازف بأوراقه كلها مرةً واحدةً.

لم تكن مشكلته أنه راهن؛ بل أن النجاح أقنعه بأن الرهان يكسب، وأن انتصاراته أقنعته بأن يده لا تخسر.

 مفتاح شخصية السادات هو “الممثل السياسي” 

فقد حاول في شبابه أن يصبح ممثلاً، وظهر لفترة قصيرة على المسرح، ثم ترك المسرح، لكنَّ المسرح لم يتركه.

صار السادات سياسياً بطبيعة الممثل، وممثلاً بطبيعة السياسي، حتى يصعب أن تعرف أين ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر.

كان السياسي فيه يقرأ موازين القوى، وينتظر اللحظة، ويغيّر الحليف والأداة؛ وكان الممثل يقرأ الجمهور، ويختار المشهد، ويضبط التوقيت، ويفهم قيمة الصورة والمفاجأة.

كان السياسي يحدد إلى أين يريد أن يذهب، وكان الممثل يقرر كيف يجعل الآخرين يعيشون الرحلة معه.

 المصادفات بدت أحياناً كأنها مكتوبة لهذا الدور.

ففي ليلة الثورة كان السادات يشاهد فيلماً مع أسرته، وبعد نحو ثلاثة عقود مازحه رونالد ريجان، الممثل الهوليوودي السابق الذي صار رئيساً للولايات المتحدة، فسأله إن كان يتذكر مَن كان بطل الفيلم الذي شاهده تلك الليلة، ثم أضاف ضاحكاً:

“لم أفز بالأوسكار، لكنَّ الثورة فازت”

ولم يكن غريباً أن تختار “تايم” لبورتريه السادات عنواناً بالغ الدلالة: “ممثل بإرادة من حديد”

أن يقول عنه أحد رفاقه القدامى: “ما زال هو الممثلن لا أحد يرى وجهه الحقيقي أبداً”

لذلك لم يكن يتخذ القرار فقط كان يُخرجه: “ثورة التصحيح” والزي العسكري، والجلباب، والغليون، والرئيس المؤمن، وبطل الحرب، ثم رجل السلام.

وبلغت صناعة الصورة عنده حدَّ ترييف صورة السلطة نفسها، استدعى إلى السياسة مفردات “كبير العيلة” و”أولادي”

تحدث عن “أخلاق القرية” حتى ظهر “قانون حماية القيم من العيب” وحرص على الجلباب والعودة المتكررة إلى ميت أبو الكوم.

لم تكن القرية عند السادات مجرد مسقط رأس، كانت أيضاً استعارةً للحكم: رئيسٌ في صورة كبير العائلة.

لم تكن سخرية جولدا مائير بأن السادات يستحق “الأوسكار” أكثر من “نوبل” مجرد نكتة

فقد التقطت جانباً أصيلاً في الرجل، لم يكن السادات يمثل سياسةً لا يؤمن بها، كان يحوّل السياسة التي يؤمن بها إلى دور كامل يتقمصه ويعيشه.

أغلب السياسيين يغيّرون سياساتهم، ويبقى “راكور” الشخصية ثابتاً، أما السادات فكان كلما غيّر سياسته، أعاد إخراج السادات نفسه معها؛ فتتغير الصورة، والملابس، واللغة، والإكسسوارات، والملامح التي يختار أن يظهر بها أمام الجمهور.

إذا كان “الممثل السياسي” مفتاحاً مهماً لفهم السادات، فقد اجتمعت في شخصيته أربعة خيوط متداخلة:

أولها الرغبة الدائمة في كسر القيود وإعادة التموضع؛ كان إذا ضاق به الإطار بحث عن طريقة لتوسيعه، وإذا تحول الطريق إلى قيد، غيّره

ثانيها القدرة على الانتظار وإخفاء الطموح، ظل سنوات قريباً من مركز السلطة دون أن يبدو منافساً لصاحبها، حتى لقبه بعض زملائه ساخرين بـ”كلب عبد الناصر المدلل”

كان اللقب مهيناً، لكنه كان غطاءً سياسياً ممتازا،فمن لا يراك خطراً، لا يستعد لمواجهتك.

ثالثها البرجماتية السياسية، فالحليف عنده وظيفة، والحرب وسيلة، والسلام وسيلة أخرى.

أما رابعها فالثقة المفرطة في القرار الشخصي، فقد أقنعته نجاحات مايو وأكتوبر والقدس بأن الرئيس يستطيع بقرار واحد أن يختصر طريقاً طويلاً.

وهنا تحضر ملاحظة ابن خلدون بأن “الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة” حين يدفعان صاحبهما إلى حمل الواقع على ما ليس في طبعه.. وربما لم يقضِ على السادات نقص ذكائه، بل فائض ثقته فيه.

كان “الرئيس المؤمن” أكثر أدواره الداخلية اكتمالاً والتباساً

لم يكن مجرد جلباب، وصلاة جمعة، و”زبيبة” في الجبهة، بل محاولةً لبناء شرعية جديدة.

اتسعت في عهده مساحة الإسلاميين، خصوصاً في الجامعات، واستخدمت الدولة حضورهم لضرب معارضيه من الناصريين واليسار أو على الأقل لموازنة قوتهم.

ثم ازداد حضور الدين في لغة الدولة، حتى عدّل السادات المادة الثانية سنة 1980 لتصبح مبادئ الشريعة “المصدر الرئيسي للتشريع”

لكنَّ المفارقة أن القوى التي ظن أنه يستطيع توظيفها دخلت السياسة بمشروعها هي، وليس بالدور الذي كتبه لها،فانتهى عهده في صدام مع قطاعات إسلامية شملتها اعتقالات سبتمبر 1981.

لقد استدعى السادات الدين إلى السياسة ليضيف إلى شرعيته، ثم اكتشف أن الدين حين يصبح لغةً للسياسة لا يبقى ملكاً لمن أدخله إليها.

كان “الرئيس المؤمن” أحد أوضح أدواره في صناعة الصورة، وأحد أخطرها في صناعة النتائج

مهما اشتد الخلاف حول السادات، تبقى في سجله إنجازات يصعب على أي تأريخ جاد لعهده أن يتجاوزها.

أعاد لمصر القدرة على الفعل بعد سنوات من هزيمة 1967 واللاسلم واللاحرب،وخاض حرب أكتوبر التي عبر فيها الجيش القناة وكسر الوضع العسكري والسياسي القائم، قبل أن تتحول الحرب إلى بداية مسار تفاوضي جديد.

ثم قاد عبر فك الاشتباك وكامب ديفيد ومعاهدة 1979 مساراً انتهى بانسحاب إسرائيل من سيناء وعودتها إلى السيادة المصرية.

أعاد تموضع مصر دولياً، فنقل مركز ثقل سياستها الخارجية من موسكو إلى واشنطن.

لم يكن السلام فكرةً طرأت عليه بعد أكتوبر، فقد طرح منذ فبراير 1971 مبادرةً للانسحاب الإسرائيلي وفتح قناة السويس وإنهاء حالة الحرب.

وقد يختلف الناس في تقدير التكلفة التي تكبدتها مصر مقابل سياساته، لكن الرجل غيّر موقع مصر على الخريطة العسكرية والدبلوماسية في عشر سنوات.

دخل الحكم واحتلال سيناء حقيقةً مستقرة، وتركه وقد أصبحت استعادتها مسألة تنفيذ جدول زمني لا سؤالاً عن إمكان استعادتها..

كان لحرب أكتوبر أثر أبعد من تغيير الموقف العسكري والسياسي

فقد غيّرت أيضاً مصدر شرعية السادات نفسه.. جاء إلى الحكم بشرعية يوليو، لكن الحرب منحته شرعيته الخاصة؛ فلم يعد مجرد الرجل الذي جلس على مقعد عبد الناصر، بل الرئيس الذي ارتبط اسمه بالعبور.

دخل الحكم بشرعية يوليو، ثم صنع لنفسه شرعية أكتوبر.

والأهم أن هذه الشرعية تجاوزته، فقد كان أبرز ورثتها السياسيين حسني مبارك، قائد القوات الجوية في الحرب، الذي اختاره السادات نائباً له بعد عامين، ثم خلفه في الرئاسة.

 لم تصنع أكتوبر شرعية السادات وحده؛ بل ساهمت أيضاً في صناعة وريثه.

لكن للسادات أيضاً إخفاقات يصعب دفنها تحت رمال سيناء المستعادة:

فتح الاقتصاد أسرع مما بنى مؤسساته،فصار “الانفتاح” في جوانب منه استهلاكاً واستيراداً أكثر منه قاعدةً إنتاجيةً جديدة، وانفجرت أزمة يناير 1977 حين خُفّض الدعم، واكتشفت الدولة أن المجتمع لا يُدار بقرار اقتصادي مفاجئ.

أعاد الانفتاح تشكيل الخريطة الاجتماعية المصرية، صعدت فئات جديدة، واتسعت فجوات الدخل والاستهلاك، وتغيرت أنماط العمل والهجرة والقيم المصاحبة لها، في تحولات امتدت آثارها إلى العقود التالية.

خرج بالسلام من حرب مع إسرائيل، لكنه دخل به في عزلة عربية شبه كاملة دفعت مصر ثمناً سياسياً وإقليمياً كبيراً.

 النهاية كانت الأقسى على صورته

الرئيس الذي بدأ عهده بإنهاء مراكز القوى، ثم فتح الباب للتعددية الحزبية، انتهى في سبتمبر 1981 باعتقال أكثر من ألف وخمسمائة من الإسلاميين واليساريين والناصريين والليبراليين وغيرهم.

نجح السادات في تحرير القرار المصري من قيود كثيرة، لكنه لم يترك وراءه نظاماً سياسياً حراً يضمن ألا يصبح القرار نفسه قيداً على المصريين. وهذه، ربما، أقسى مفارقات عهده.

وفي رأيي، فإن السادات هو الرئيس (الحقيقي) الأول لجمهورية يوليو، كان واسطة العقد فيها، فما قبله زعامات ثورية وتنظيمية، وما بعده رئاسات وظيفية وبيروقراطية.

كان عبد الناصر رجل تنظيم أصبح زعيما،وكان السادات رجل دولة أصبح رئيساً

كان عبد الناصر أقرب إلى المفكر في المشروع الكبير؛ وكان السادات أقرب إلى المفكر الاستراتيجي في موازين القوة والنتيجة.

كان عبد الناصر يحكم الدولة بالمشروع، وكان السادات يحكم المشروع بمصلحة الدولة.

عند ناصر تتغير الوسائل ويبقى الاتجاه، أما السادات فكان مستعداً لتغيير الاتجاه نفسه إذا تغير حساب المصلحة.

لم يكن يعتبر التحالف عقيدة، ولا الحرب غاية، ولا السلام تنازلاً في ذاته، كانت كلها أدوات في خدمة ما يراه مصلحةً للدولة.

كان عبد الناصر زعيم تعبئة؛ وكان السادات رجل حسابات وموازين.

كان عبد الناصر، في وصف بعض خصومه، “مسدس صوت” يسبق صوته قدرته، أما السادات فكان مسدساً سياسياً محشواً.

لا يطلق الرصاصة إلا وهو يفكر فيما سيحدث بعدها.

الأول يجمع الناس خلف فكرة والثاني يجمع عناصر القوة خلف مصلحة.

الأول يفكر في حجم القوة التي يستطيع حشدها، والثاني يفكر في النتيجة السياسية التي يمكن انتزاعها بالقوة المتاحة.

أراد عبد الناصر أن يغيّر العالم من القاهرة، أما السادات فأراد أن يغيّر موقع القاهرة في العالم.

ينتمي عبد الناصر إلى عائلة “نهرو” و”سوكارنو” و”نكروما” و”تيتو” عائلة الزعماء أصحاب المشروعات الكبرى

أما السادات فمن سلالة سياسية أخرى”: بسمارك” و”ريشيليو” و”أديناور” و”ديجول” و”دينج”؛ رجال دولة جعلوا حساب القوة، ومصلحة الدولة، وإعادة تحديد موقع بلادهم في العالم في قلب القرار السياسي.

عبد الناصر صنع جمهورية يوليو على صورة مشروعه، والسادات أعاد توجيهها وفق حساب الدولة.

لم يكن التغيير عنده مجرد تبديل سياسات، كان إعادة تعريف لمصلحة الدولة، وأدواتها، وحدود حركتها، وموقعها في العالم.

لهذا استحق، في رأيي، أن يكون الرئيس الحقيقي الأول لهذه الجمهورية

ماذا بقي من السادات بعد أن غادر المسرح؟

بقي أكثر مما بقي من صوره وأدواره:

بقي السلام مع إسرائيل، فتحولت معاهدة 1979 من خيار ارتبط بشدة بشخص السادات إلى أحد ثوابت السياسة المصرية.

بقي التحول الاستراتيجي نحو الولايات المتحدة، واستقر لعقود.

بقي الانفتاح بدايةً لتحول اقتصادي لم تعد مصر بعده إلى نموذجها السابق.

بقي أيضاً نمط رئاسة شديدة الشخصنة، ومؤسسات سياسية أضعف من الرئيس

رحل السادات، وبقيت اختياراته أطول عمراً من أدواره، اختفى الجلباب والغليون والمنصة، وبقي السلام، وأمريكا، والانفتاح، والرئيس الأقوى من مؤسساته.

ربما لم تكن مأساة السادات في انكساراته بقدر ما كانت في انتصاراته، فقد علّمته نجاحاته أن المستحيل قابل للكسر، وأن الرهان التالي قابل للكسب، حتى صار يطلب من الواقع أن يطاوع قراره.

صنع السادات مجده من جرأة تجاوز الممكن، وكان أخطر ما في نجاحه أنه صدّقه أكثر مما ينبغي.

عرف السادات كيف يغيّر قواعد اللعبة؛ ولم يعرف دائماً متى تتوقف اللعبة عن طاعته.

ومع ذلك، بقيت بصمته الأوضح في جمهورية يوليو أنه نقل الرئاسة من منطق الزعامة والتنظيم إلى منطق الدولة والمصلحة والحساب..

شارك المقال:

شاركنا برأيك