مقالات

الحاكم أجير لدي الشعب

هكذا فأن أطراف المعادلة تنتظم في ثلاث عناصر رئيسية : السلطة / القانون / المجتمع ، بحيث يصبح الأفراد في حماية القانون إذا أساءت الدولة إستخدام حقها أو تعسفت فيه

مشاركة:
حجم الخط:

:بقلم السفير

معصوم مرزوق
مساعد وزير الخارجية الأسبق

تمتلك الدولة سلطات عديدة تتيح لها فرض هيبتها ، فلها وحدها سلطة الأمر والنهي ، وهي تمتلك مع ذلك سلطة الإجبار والقهر لوضع تلك الأوامر والنواهي موضع التنفيذ ، وعلي الطرف الآخر يلتزم الفرد ( المواطن ) بالخضوع لهذه السلطة .

وقد يبدو الأمر بهذا الشكل كأنه علاقة إستعباد ما بين طرف يمتلك السلطة وأدوات القهر والتنفيذ ، وطرف لا يملك سوي الإذعان بل هو مطالب بالإذعان ، إلا أن ما سبق لا يمثل كل المعادلة .

من المسلم به أن أي مجتمع بشري لا يمكن تصور إستقراره وإستمراره وتطوره دون وجود سلطة ، ولكي تؤدي هذه السلطة دورها بكفاءة وفعالية فلابد أن تتمتع أفعالها بقرينة الصحة والقانونية ، أي أنها تكتسب شرعية معينة في إطار الدستور والقوانين السارية ، إلا أن ذلك لا يعني حصانة تلك الأفعال ، حيث يمكن للمتضرر منها أن يثبت وقوع الضرر والمطالبة قضائياً بإزالته و / أو التعويض عنه .

وهكذا فأن أطراف المعادلة تنتظم في ثلاث عناصر رئيسية : السلطة / القانون / المجتمع ، بحيث يصبح الأفراد في حماية القانون إذا أساءت الدولة إستخدام حقها أو تعسفت فيه ، ولقد أدركت كافة المجتمعات البشرية أهمية تواجد هذه المعادلة بكافة عناصرها ، فقد ذهبت مدن اليونان القديمة إلي ضرورة خضوع سلطان المدينة لقانون العقل ، أما الرومان فقد حددوا الفارق بين السلطة التي جعلوها ملكاً للشعب الروماني ، وبين وظائف الحكم التي تكون بمثابة تفويض من صاحب السلطة ( الشعب ) للحكام ، وقد أكدت الشريعة الإسلامية هذا المعني وطورته ، حيث أوجبت علي الرعية طاعة أولي الأمر شريطة إلتزام الأخيرين بأحكام الشرع دون إستبداد أو ظلم ، فإذا استبد ولي الأمر أو انحرف فلا سمع ولا طاعة ، فالقانون يجب أن يظل دائماً فوق إرادة الحكام وأعلي من أي سلطات تمتلكها الدولة.

ويتفرع عن ذلك أن تفويض الشعب لحكامه ليس شيكاً علي بياض ، وإنما هو عقد حقيقي بكل مشتملات العقد من إلتزامات متبادلة وحقوق وواجبات وضمانات ، وأياً ما كان شكل العقد فلا ينبغي أن يكون عقد إذعان يمتلك فيه طرف كل الحقوق والسلطات والضمانات التي تحصنه في حالة النزاع مع الطرف الآخر ، فسواء كان طرف الإدارة منتخباً أو موظفاً عاماً CIVIL SERVANT فكلاهما يعمل بأجر لدي صاحب السلطة الحقيقي ( المجتمع ) ، وفي إطار التوصيف الوظيفي الذي يحدده الدستور والقوانين ، وأي تجاوز من جانب الأجير لا بد وأن يعرضه للمساءلة في إطار القانون .

لا ينبغي أن يكون الخضوع للسلطة هو نتاج الخوف منها ، بل الإقتناع بها ، وذلك لن يتأتي إلا من خلال ترسيخ مبدأ سيادة القانون ، وهو ما ذهب إليه البعض ، حيث أبانوا أن القانون الطبيعي يسبق نشأة المجتمعات ويعلو علي السلطة وقانونها الوضعي ، كما ربطت المدرسة الوضعية بين القانون والسلطة برابطة النتيجة بالسبب ، فالسلطة هي التي تضع القانون وتفرض الخضوع له ، وهي تخضع أيضاً لهذا القانون شأنها شأن المجتمع ، حيث أن السلطة والقانون وجهان لعملة واحدة .

وقد ذهبت بعض الآراء إلي أن الدولة لا ينبغي تقييدها بالقانون ، فلا بد أن يظل لديها دائماً سلطات تقديرية واسعة ، وإلا أصيبت بالشلل والتقصير في آداء الوظائف المناطة بها والتي خولها أياها المجتمع كله ، أي أن ممثلي السلطة لا يتحركون آلياً في إطار القانون وإنما يمتلكون قدراً واسعاً من السلطات تسمح لهم بتسيير أعمال الدولة ، وقد قدمت هذه الآراء أسساً قانونية لهذه السلطة التقديرية تتجسد في مبدأ أعمال السيادة ، وهو المبدأ الذي يحول دون ممارسة القضاء لحقه في الرقابة والمسائلة لبعض أعمال الحكومة ، وقد يصل الأمر إلي تصدي المشرع بالحظر علي الطعون بالنسبة لبعض أعمال الإدارة العامة ، فضلاً عن حالات الضرورة التي يتاح فيها للدولة – تحت شروط معينة – تجاوز حدود الشرعية لمواجهة تلك الحالات الإستثنائية.

أن المشكلة الحقيقية في تلك الآراء تكمن في نطاق هذه السلطة التقديرية والخطوط العامة التي يجب ألا تتجاوزها خاصة فيما يتعلق بالحريات العامة والعدل والمساواة ، فالقوي – عادة – لا يتنازل طواعية عن مصادر قوته ، والدولة بما تتمتع به من إمتيازات وصلاحيات قوية في مواجهة الأفراد ، وبالتالي فالتسليم لها بتجاوز حدود الشرعية تحت ذريعة السلطة التقديرية قد يقود إلي وضع تتغول فيه الدولة بحيث تصبح السلطة التقديرية هي القاعدة والمحددات القانونية هي الإستثناء في تصرفات الدولة .

أن الرقابة بأنواعها السياسية والقضائية والإدارية علي أعمال الدولة ، تصبح في الوقع غير ذات مضمون إذا سلمنا بتلك الإستثناءات علي إطلاقها من مبدأ سيادة القانون ، وهو ما يعني خللاً وإضطراباً شديداً في ميزان العلاقة بين الدولة والأفراد .

أن الفرد ليس ضعيفاً أو عاجزاً في ظل سيادة القانون ، لأنه في توافق إجتماعي إختار أن يتخلي عن بعض حريته طواعية إلي سلطة تكون مسؤولة عن تنظيم علاقات المجتمع وإدارتها ، وهو إجراء قانوني تحكمه قواعد المجتمع المدني ، ولا جدال في أهمية السلطة كضرورة إجتماعية ، إلا أنها كي تكون مشروعة فلا بد أن تكون ضرورتها علي قدر الحاجة دون إفراط أو تفريط ، فإذا لم يتحقق ذلك فأن العقد الإجتماعي يكون عرضة للفسخ والإبطال من صاحب المصلحة الحقيقية وهو الشعب .

المصدر: صفحة السفير على فيسبوك

شارك المقال: