مقالات
محمد جرامون
محمد جرامون

كاتب صحفي

محمد جرامون يكتب: على فين وخدانا يا مصر؟

مصر يعيش فيها ملايين المواطنين وهم يحسبون ثمن كل سلعة قبل شرائها، ويبحثون عن الأرخص، ويؤجلون احتياجاتهم، وقد يعجز بعضهم عن توفير ثمن العلاج أو الدواء،وأصبح الترفيه لديهم من ذكريات الماضى.

مشاركة:
حجم الخط:

مصر التى نعيشها الأن

لم تعد مصر التي نعرفها،ولم تعُد مصر التى نعشق ترابها و نتمناها، فما يحدث من حولنا وما نشاهده من أحداث ووقائع فى الواقع وعلى صفحات السوشيال ميديا أصبح يثير القلق والخوف على حاضر ومستقبل مجتمع كان أهم ما يميزة قيمة وأخلاقه وتدينه وتمسكة بالأعراف والتقاليد والترابط والتكافل والتسامح.

بنظرة سريعة لبعض أحداث إسبوع ماضى فقط ، نجد حادثة قتل هنا لأسرة على يد صديق الأسرة وحادث اخر لأب يقتل إبنته وأصهارة بعد خلافات مع زوجتة.

وحادث طريق هناك يذهب ضحيته ١٧ فتاة وشاب فى عمر الزهور منهم ٦ أشقاء وهم يصارعون الحياة للحصول على يومية مائة جنيها عسى ان تساهم فى سد الإحتياجات الأساسية لأسرهم.

وفى مشهد اخر نجد مشاجرات تحولت إلى مأسى وإصابات، وفى مشهد رابع نجد خلافات بين الأزواج تُعرض على الملأ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن أسرار البيوت أصبحت مادة للفرجة والتشهير وتبادل الاتهامات.

حيث أصبح البعض يلجأ إلى السوشيال ميديا في كل خلاف، حتى تحولت المشكلات الشخصية إلى معارك مفتوحة أمام ملايين المتابعين؟

وفى مشهد خامس نشاهد فتاة تختلف مع سائق تاكسى فتتهمه بالتحرش بها ولولا انه سيارته مجهزة بكاميرا لتم تصديقها وضاع مستقبل هذا الشاب من تلك الفتاة التي إدعت انها صحفية وتبين انها مدعيه أيضا ولا علاقة لها بالصحافة سوى انها تحمل كارنية من احد المواقع الوهمية.

وفي الوقت الذي يعاني فيه السواد الأعظم من المواطنين من ارتفاع تكاليف الحياة وضغوطها.

نشاهد على الجانب الآخر صوراً ومظاهر بذخ فاجر واستعراض للثروة في حفلات ومنتجعات ما أصتلح على تسميته بالساحل الشرير .

وكأننا أمام مصرين لا مصر واحدة أو كما يُقال مصر وإيجيبت .

مصر يعيش فيها ملايين المواطنين وهم يحسبون ثمن كل سلعة قبل شرائها، ويبحثون عن الأرخص، ويؤجلون احتياجاتهم، وقد يعجز بعضهم عن توفير ثمن العلاج أو الدواء،وأصبح الترفيه لديهم من ذكريات الماضى.

بينما أهل إيجيبت يستطيعوا أن يشتروا كل شيء، وفي أي مكان، وبأى سعر.

وما يدعو للقلق أن الفارق لم يعد مجرد اختلاف في مستوى المعيشة، وإنما أصبح فجوة طبقية مخيفة.

والأخطر أن هذه الفجوة تتزامن مع تلاشى الطبقة الوسطى

تلك الطبقة التي كانت تمثل رمانة ميزان المجتمع المصري.

تلك الطبقة التي ربت أبناءها على المبادئ والأخلاق وحافظت على قيم المجتمع ، وخرج منها غالبية علماء مصر ومفكريها ومثقفيها وفنانيها، وكانت تشكل الحاجز بين الفقر المدقع والثراء الفاحش.

ومع تآكل هذه الطبقة وجد كثير من أبنائها أنفسهم ينزلقون إلى دائرة الفقر، بعدما لم تعد دخولهم قادرة على مواكبة تكاليف الحياة.

وفى مشهد أخر نشاهد كارثة أخرى تساهم فى تدمير صحة المصريين من فئة ضاله لا يهمها سوى تحقيق الأرباح حتى لو كان الثمن صحة المصريين وحياتهم.

فهذا مصنع يضع الفحم بدلا من الكاكاو على البسكويت، ومصنع اخر يخلط التراب والنشارة على الشاى مقلداً إسم مصنع شهير تدخل منتجاته غالبية البيوت المصرية

صورة لضحايا حادث الإسماعيلية
صورة لضحايا حادث الإسماعيلية

و ثالث يتاجر في فراخ نافقة أو لحوم منتهية الصلاحية، ولا شك أن هذه الفئة الضالة تحتاج إلى عقوبات رادعة ليكونوا عبرة لغيرهم من أمثالهم.

ولا شك اننا أمام مجتمع يتغير بسرعة، تضغط عليه أزمات اقتصادية واجتماعية ونفسية متراكمة،و تتراجع فيه لغة الحوار ويعلو صوت العنف والأفعال .

وهو ما يستدعى وقفه جادة أمام أنفسنا للإجابة عن عدة أسئلة تطرح نفسها بشدة

هل هذه هي مصر التي نريدها ؟

إلى متى هل ستظل هذه الطبقية فى المجتمع بين قلة تستطيع شراء كل شيء، وأغلبية تكافح من أجل توفير أدنى أساسيات الحياة ؟

هل سيستمر الوضع الإقتصادى الصعب التى سيؤدي إلى الإختفاء التام للطبقة الوسطى التي كانت دائماً عنوان الاستقرار الاجتماعي ؟

إلى متى ستظل الخلافات الأسرية مادة للسوشيال ميديا؟

هل إعتدنا على أخبار القتل والحوادث وكأنها جزء طبيعي من حياتنا اليومية؟

إلى متى سيظل الأثرياء الجُدد وأبنائهم الغير معروف مصدر ثروتهم يستعرضون أملاكهم وإنفاقهم ببذخ أمام من لا يجدون قوت يومهم أمراً عادياً

والسؤال الذى يطرح نفسه أيضاً هل يتم الإستسلام لهذا الواقع المجتمعى الضبابى؟

وهل فات الأوان لعودة المجتمع المصرى الحقيقى الأصيل كما كان؟

فى رأيى أن الأمل مازال قائماً ويمكن تصحيح المسار وذلك من خلال تحقيق العدل الاجتماعي، وتكافؤ الفرص، وحماية الطبقة الوسطى.

وضمان حياة كريمة للفقراء، وتشديد الرقابة على الأسواق، ومواجهة الغش والفساد، وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان والأسرة والمجتمع.

فمصر تستحق والمواطن المصرى يستحق أن يشعر أن بلده تحميه، وأن القانون يقف إلى جواره، وأن مستقبله ومستقبل أبنائه ليسا رهينة للظروف.

فمصر التي صمدت أمام أزمات وحروب وتحديات كبرى، قادرة أيضاً على أن تواجه أزماتها الاجتماعية والاقتصادية، بشرط أن نرى المشكلة كما هي، وأن نعترف بها، وأن نبحث عن حلول حقيقية لها.

فالمجتمعات لا تنهار فجأة وإنما يبدأ الانهيار عندما نعتاد الخطأ، ونعتبر الفوضى أمرا طبيعيا، ونفقد الإحساس بأن هناك شيئا يحتاج إلى الإصلاح.

ومن هنا لم يعُد السؤال

فقط .. على فين وخدانا يا مصر؟

بل : ماذا سنفعل الأن حتى نعيد مصر إلى الطريق الذي يليق بها وبمواطنيها ؟

شارك المقال: