آراء و تحليلات
حسن مدبولي
حسن مدبولي

كاتب وباحث مصري

حسن مدبولي يكتب: هوية كيميت أم هوية مصر؟ (2-2)

من مصر خرجت القوة التي واجهت المغول في عين جالوت، ومن مصر انطلقت الدولة المملوكية التي واصلت الحرب ضد القوى الصليبية حتى انتهى وجودها السياسي والعسكري في المشرق.

مشاركة:
حجم الخط:

في المقال الأول عن هوية مصر أو كيميت (الأرض السوداء) النابتة الطارحة تحدث الكاتب  عن الجذور في مصرالفرعونية الإغريقية القبطية ونصل إلى المحطة الكبرى في تاريخ مصر .

آخر الكلام

ثم جاء الإسلام، وبدأ تحول تاريخي جديد، لم يحدث في يوم واحد، ولم يمحُ السكان السابقين ويستبدل بهم شعبًا آخر

فقد دخلت مصر العالم الإسلامي في القرن السابع الميلادي، ثم أخذت العربية تنتشر تدريجيًا في الإدارة والحياة العامة، بينما تواصلت عملية انتشار الإسلام على مدى قرون متتالية .

وتؤكد الدراسات التاريخية أن مصر بعد الفتح العربي احتفظت لفترة طويلة بأشكال من الإدارة المحلية وبوجود طبيعى للغة القبطية.

ثم أدت التحولات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والدينية المتراكمة إلى اتساع استخدام العربية وانتشار الإسلام تدريجيًا وبسهولة ويسر.

وساعد على ذلك أن فترة تمكين المسيحية واللغة القبطية فى مصر لم تزد على مائتى عاما لأقصى مدى، وهى مدة لا تذكر فى تاريخ الشعوب العريقة.

وهذه الحقيقة وحدها تنسف فكرة الاستبدال السكاني المبسط التي تقوم عليها بعض الروايات المعاصرة.

فلم يختفِ المصريون لكي يأتي العرب محلهم، ولم تُخلق مصر من جديد يوم دخلها الإسلام.

لكن حدث تحول تدريجى في اللغة والدين والثقافة والنظام السياسي، كما حدث في كل المراحل السابقة من تاريخ البلاد.

حيث أصبحت العربية لغة مصر، وأصبح الإسلام دين الأغلبية، وتكونت شخصية مصرية عربية إسلامية لها خصوصيتها الواضحة، مع بقاء وجود قبطي مصري أصيل داخل المجتمع.

والأهم أن المصريين لم يكونوا مجرد متلقين لحضارة عربية وإسلامية جاءت من الخارج.

بل أصبحت مصر نفسها واحدة من أهم مراكز الحضارة العربية والإسلامية، وتحولت القاهرة إلى مركز سياسي وعلمي وثقافي بالغ التأثير، وأصبح الأزهر واحدًا من أشهر مؤسسات العلم في العالم الإسلامي.

ولم تعد مصر مجرد بلد دخل في حضارة الآخرين، وإنما باتت إحدى القوى التي صنعت تلك الحضارة وأثرت فيها.

فمن مصر خرجت القوة التي واجهت المغول في عين جالوت، ومن مصر انطلقت الدولة المملوكية التي واصلت الحرب ضد القوى الصليبية حتى انتهى وجودها السياسي والعسكري في المشرق.

وفي مراحل لاحقة أصبحت مصر مركزًا للقوة في المنطقة، وامتد تأثيرها إلى الشام والحجاز والسودان وغيرها.

حسن مدبولي يكتب: هوية كيميت أم هوية مصر؟ (1-2)

وفى عام 1798 تصدى المصريون المسلمون للغزو الفرنسى وثاروا ضده فى ثورتين متتاليتين حتى اندحر عام 1801 بالرغم من محاولته شق الصف الوطنى المصرى عبر استخدام ورقة الطائفية، وانحيازه لطرف تحت دعوات انه المكون الأصلى.
 
بينما في عام 1818 سقطت العاصمة السعودية الدرعية بعد الحملة التي قادها إبراهيم باشا ضد الدولة السعودية الأولى، وأُسر عبدالله بن سعود ونُقل إلى القاهرة ثم إلى إسطنبول حيث أُعدم.

ويمكن تقييم تلك الحملة على السعودية سياسيًا وتاريخيًا بطرق مختلفة، لكن لا يمكن تجاهل دلالتها في تاريخ مصر الحديث، فهي تكشف أن مصر في عصرها العربي الإسلامي.

وعقب تصديها للغزو الطائفى الفرنسى، لم تكن مجرد متلقية لتاريخ يصنعه الآخرون، بل كانت قوة إقليمية قادرة على تحريك الجيوش والتأثير في الأحداث خارج حدودها المباشرة على الرغم من حساسية الدين واللغة وقداسة بعض الاماكن.

ثم جاءت مصر الحديثة، فلم تتوقف عن صناعة تاريخها.

واجه المصريون الاحتلال البريطاني وخاضوا معارك الاستقلال، ثم جاءت أزمة السويس عام 1956 والعدوان الثلاثي، وبعدها حرب أكتوبر 1973 وعبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف واستعادة زمام المبادرة العسكرية.

وكل تلك الوقائع لاتعتبر وقائع هامشية في تاريخ مصر، ولا يمكن اعتبارها أحداث دخيلة على الشخصية المصرية لمجرد أنها وقعت في ظل دولة عربية مسلمة تتحدث العربية.

وهنا تحديدا تظهر المشكلة الحقيقية في خطاب كيميت عندما يتحول من الاعتزاز بالتاريخ إلى مشروع لإعادة تعريف المصري، والغاء هويته المستمرة لأكثر من ألف وأربعمائة عام ، وتقديم بديل متهافت لا انجاز له.

المشكلة ليست في حب الأهرامات، ولا في دراسة الهيروغليفية، ولا في الاحتفاء بالمعابد، ولا في إحياء بعض عناصر التراث القديم.

كل ذلك حق طبيعي ومشروع.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الفراعنة إلى معيار لنقاء المصرية، وعندما يصبح الإسلام والعروبة موضع اتهام دائم بأنهما جاءا من الخارج، وعندما يُطلب من المصري أن يثبت أصالته بالتبرؤ من أكثر من ألف واربعمائة عام من تاريخه العربي الإسلامي.

هذا المنطق يقود إلى نتيجة شديدة الغرابة.

فهو يعني ضمنًا أن ملايين المصريين الذين عاشوا خلال القرون العربية والإسلامية لم يكونوا مصريين كاملين، وأن الأجيال التي تحدثت العربية وبنت المدن والمساجد والمدارس وأنتجت الأدب والفكر والعلم والفن وأدارت الدولة ودافعت عن البلاد وانتصرت على الأعداء لم تكن سوى مرحلة طارئة يمكن حذفها من تعريف مصر.

فهذا الهراء ليس نقدًا للتاريخ، وإنما محو للتاريخ، فالمصري الذي عاش في العصر الروماني لم يصبح أقل مصرية لأن دينه تغير. والمصري الذي أصبح مسيحيًا لم يفقد مصريته.

والمصري الذي أسلم لم يصبح شعبًا جديدًا. والمصري الذي أصبح يتحدث العربية لم يفقد صلته بأرضه وأجداده. فاللغة والدين والثقافة تتغير، والشعوب لا تُمحى كلما تغيرت هذه العناصر.

حتى فكرة العروبة نفسها لا يمكن اختزالها في هجرة مجموعة من العرب إلى مصر.

العروبة المصرية الحديثة نتاج تاريخ طويل من اللغة والثقافة والتفاعل السياسي والحضاري داخل العالم العربي. والمصريون لم يكونوا مجرد ضيوف على الحضارة العربية الإسلامية، وإنما كانوا من أبرز صانعيها.

حيث أصبحت مصر مركزًا من مراكز العلم والفكر والسياسة والجيش والثقافة، وأسهم علماؤها وكتابها وقادتها وفنانوها في تشكيل الحضارة التي ينتمي إليها المصري العربي اليوم.

ومن هنا فإن وصف العربية بأنها لغة دخيلة على مصر يتجاهل حقيقة تاريخية بسيطة:

اللغة لا تصبح لغة شعب من الخارج بقرار سياسي واحد، وإنما تستقر عبر أجيال طويلة حتى تصبح لغة الحياة اليومية والتفكير والكتابة والإنتاج الثقافي.

وقد استغرق انتشار العربية في مصر قرونًا، وهو ما تؤكده الدراسات التاريخية واللغوية التي ترصد انتقال مصر تدريجيًا من التعدد اللغوي القديم إلى غلبة العربية في الحياة العامة.

كما أن القول بأن الإسلام محا الهوية المصرية يتجاهل حقيقة أن مصر بعد دخول الإسلام لم تفقد شخصيتها، بل أصبحت قوة كبرى داخل الحضارة الإسلامية، وأن عملية الأسلمة نفسها كانت تدريجية ومعقدة واستمرت قرونًا.

وتشير الدراسات الاقتصادية والاجتماعية إلى أن التحول الديني لم يكن حدثًا واحدًا

وأن المصريين المسيحيين( المتحولين من الديانات القديمة ) ظلوا كتلة اجتماعية كبيرة لقرون طويلة بعد الفتح الإسلامي.

أما محاولة تقديم مصر القديمة باعتبارها حضارة خالية من العنف أو القهر أو التفاوت أو الممارسات الدينية التي تبدو شديدة القسوة بمعاييرنا الحديثة، فهي ليست دفاعًا عن التاريخ القديم وإنما تشويه له.

فالحضارة التي استطاعت أن تبني أعظم منشآتها كانت أيضًا حضارة ملكية مركزية شديدة التفاوت، ارتبط فيها الحكم بالدين، واستُخدمت فيها الدولة لتنظيم العمل والضرائب والموارد على نطاق واسع، وعرفت طقوسًا دينية تضمنت قتل أعداد كبيرة من الحيوانات المقدسة وتحنيطها ودفنها.

هذه الوقائع لا تلغي إنجازاتها، لكنها تمنع تحويلها إلى فردوس تاريخي.

والاعتزاز الحقيقي بالحضارة لا يحتاج إلى تبرئتها.

نستطيع أن نقول إن الأهرامات إنجاز هندسي مذهل، وفي الوقت نفسه نعترف بأن المجتمع الذي بناها كان هرميًا وغير متساوٍ.

نستطيع أن نعجب بالكتابة المصرية القديمة، وفي الوقت نفسه ندرك أن المعرفة والكتابة كانتا في أيدي طبقات محدودة من المجتمع.

نستطيع أن ندرس الطب والهندسة والفلك، وفي الوقت نفسه نرى المنظومة الدينية التي امتزج فيها العلم بالسحر والطقوس والمعتقدات الدينية والأساطير.

نستطيع أن نحترم الفن والعمارة، دون أن نحول الدولة التي أنتجتهما إلى نموذج سياسي أو أخلاقي للمصري المعاصر.

هذه هي القراءة الناضجة للتاريخ، وليست القراءة التي ترفع الماضي إلى مرتبة المقدس ثم تستخدمه في معركة سياسية مع الحاضر.

فالحقيقة الثابتة أن مصر لم تكن يومًا حضارة واحدة منفردة، بل كانت عملية تاريخية متواصلة.

تغيرت لغتها من مراحل المصرية القديمة إلى القبطية ثم العربية، وتغيرت دياناتها، وتعاقبت عليها دول وإمبراطوريات، ودخلتها ثقافات مختلفة، وتعرضت للاحتلال والمقاومة، ثم أعادت في كل مرة إنتاج مجتمعها وشخصيتها.

واستمرار مصر لا يعني أن كل شيء بقي كما هو، وإنما يعني أن المجتمع المصري استطاع أن يتغير دون أن يختفي.

وهذا هو معنى الهوية الحقيقية.

الهوية ليست تمثالًا فرعونيًا نعيد نصبه في ميدان ونعلن أنه يمثل مصر وحده.

وليست لغة ميتة نطلب من الأحياء إحياءها حتى يصبحوا مصريين حقيقيين.

وليست مجموعة رموز ننتقي منها ما يخدم موقفًا سياسيًا معاصرًا ونحذف ما لا يخدمه.

الهوية ذاكرة حية.

وذاكرة مصر ليست الأهرامات وحدها، كما أنها ليست الكنيسة وحدها، وليست المسجد وحده، وليست العربية وحدها، وليست الهيروغليفية وحدها.

ذاكرة مصر هي مجموع ما عاشه المصريون وصنعوه وتغيروا خلاله وبقوا بعده.

شارك المقال: