منى شماخ تكتب: علمانيون: هل انتهت الفكرة أم انتهى عقد الإيجار؟
لقد عرفت البشرية تيارات فكرية غيّرت مجرى التاريخ قبل أن تمتلك مقرات أو ميزانيات أو هياكل تنظيمية

صورة تعبيرية للمقال
تابعتُ ما أُثير حول توقف نشاط حركة “علمانيون” بسبب عدم القدرة على سداد إيجار المقر. وبصراحة، لم أفهم هذا الربط بين استمرار حركة فكرية وبين وجود مقر لها.
فالحركات الفكرية ليست شركات تجارية ولا مؤسسات خدمية يعتمد وجودها على مبنى أو مكتب.
هي، في جوهرها، أفكار ورؤى ونقاشات وأشخاص يؤمنون بقضية ما ويسعون إلى نشرها والدفاع عنها. فإذا كانت الفكرة حية بالفعل.
(ياظالمني) قصة قصيرة لمنى شماخ
منى شماخ تكتب: حين تتحول الحلول إلى فواتير إضافية
فما الذي يمنعها من الاستمرار خارج الجدران؟
لقد عرفت البشرية تيارات فكرية غيّرت مجرى التاريخ قبل أن تمتلك مقرات أو ميزانيات أو هياكل تنظيمية.
وانتشرت أفكار كبرى عبر الكتب والمقالات والندوات واللقاءات العامة، واستطاعت أن تترك أثرها لأنها امتلكت القدرة على الإقناع والتأثير، لا لأنها امتلكت عقارًا أو مقرًا.
بل إن تطور وسائل الاتصال والتواصل جعل الحاجة إلى المقرات أقل من أي وقت مضى.
فالنقاشات تُدار عبر المنصات الرقمية، والندوات تُعقد عن بُعد، والمحتوى الفكري يصل إلى آلاف وربما ملايين المتابعين دون الحاجة إلى مقر دائم.
لذلك أصبح تأثير الفكرة مرتبطًا بقدرتها على الوصول إلى الناس وإقناعهم والتفاعل معهم، لا بالمكان الذي تنطلق منه.
لذلك يبدو غريبًا أن يُقدَّم إغلاق مقر باعتباره نهاية لحركة فكرية.
فإذا كانت الحركة قد انتهت فعلًا بسبب عجزها عن دفع الإيجار، فربما تكون المشكلة أعمق من مجرد أزمة مالية
وربما يطرح ذلك سؤالًا مشروعًا حول مدى حضورها الحقيقي وتأثيرها وقدرتها على الاستمرار.
الأفكار لا تسكن العقارات، بل تسكن العقول.
وما دام هناك من يؤمن بفكرة ويدافع عنها ويناقشها، فإنها تستطيع أن تستمر.
أما إذا كان وجودها مرهونًا بوجود مكان بعينه، فهنا يحق لنا أن نتساءل: هل كانت هناك حركة فكرية فعلًا؟
أم مجرد مقر يجمع عددًا من المهتمين؟
ويصبح من الضروري قراءة الأزمة من زاوية أخرى؛ فالقضية ليست إغلاق مقر، بل عجز مشروع فكري عن تجاوز حدود المكان والتحول إلى تيار حي قادر على الاستمرار والتأثير في المجتمع.
تيار يستمد وجوده من حضوره في المجال العام، ومن قدرته على إنتاج الأفكار وإثارة النقاش، لا من قدرة أعضائه على سداد الإيجار.
فالحركات الفكرية تُختبر بقدرتها على الصمود أمام التحديات الفكرية والمجتمعية، لا بقدرتها على الاحتفاظ بمكتب أو لافتة على باب عقار.
وكثير من التيارات الفكرية عبر التاريخ نشأت في المقاهي والبيوت والجامعات والمنتديات العامة.
واستمرت رغم الملاحقة والمنع والتضييق.
أما اليوم، وفي ظل ما تتيحه وسائل التواصل من إمكانات واسعة للوصول إلى الجمهور، يصبح من الصعب الاقتناع بأن مصير حركة فكرية كاملة يتوقف على إيجار مقر.
فالمقر قد يكون أداة للتنظيم، لكنه لا يمكن أن يكون مصدر الشرعية أو سبب الوجود.
الوجود الحقيقي لأي حركة يُقاس بما تنتجه من أفكار، وما تثيره من نقاش، وما تتركه من أثر في الوعي العام.
وإذا كان إغلاق المقر يعني انتهاء الحركة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كنا أمام حركة فكرية بالفعل، أم أمام عنوان على باب وشقة تُعقد فيها الاجتماعات؟
فالأفكار الجادة تخلق دائمًا مساحات جديدة للتعبير عن نفسها، بينما تكشف الأزمات مدى رسوخها أو هشاشتها.
أما اختزال الوجود كله في مقر، فهو اعتراف غير مباشر بأن الجدران كانت أقوى من الأفكار.






