مقالات
محمد كامل خضري
محمد كامل خضري

طبيب وكاتب

محمد كامل خضري يكتب: ما وراء التسوير؟

إذا تسوير العاصمة الإدارية والحدائق والشواطئ فى مصر ماهو إلا تقليد لسلوك رأسمالى جشع وبشع وقديم يحول العام إلى الخاص ويبتز المواطن.

مشاركة:
حجم الخط:

حدائق زمان المفتوحة 

عندما كنا صغارا كان أبانا يخرج بنا للنزهة فى بعض ليالى الصيف الملتهبة فى تلك المدينة الجنوبية إلى حديقة عامة مثل حديقة فريال، الآن أصابه التسوير.

أو تلك التى كانت أمام مبنى المحافظة فنلهو ونلعب ويمر علينا باعة اللب والفول السودانى والترمس فنشترى بالقرش أو القرشان ونشرب الماء البارد من قلله القناوى.

عدت إلى المكان بعد سنين طوال فوجدت حوله (سورا) ولافتة نادى المحافظة الرياضى.

أين ساحل الإسكندرية؟

وعندما أصبحنا آباءا كنا نصحب عائلاتنا للشواطئ فى الإسكندرية ومطروح بشماسينا وكراسينا أو نستأجرهم بقروش قليلة فأصبح الآن غير مسموح بدخول الشماسى والكراسى.

وأصبح الشاطئ حكرا على من يدفع رسم الدخول وهو ليس بالقليل وتصادف أن قرأت التالى فى كتاب بيدى الآن فى أجازتى الصيفية .

التسوير من أوروبا إلى لبنان 

فى القرون الوسطى إنتشر التسوير فى أوربا فتحولت الأراضى المشاع إلى أراض مملوكة ملكية خاصة بوضع”سور” يمنع الغير من إستخدامها.

واستدرك الكاتب ملاحظاته عن لبنان التى كان يزورها (عام 1971) وتغيرت عما كانت فى السابق ومتكلما عن التسوير.

“أصبحت الشواطئ الجميلة محاطة بالأسوار تمنع إرتيادها إلا بعد دفع رسم دخول والإضطرار إلى دفع مبالغ باهظة لشراء مشروب تافه وأصبح من الصعب الحصول على حديقة عامه ليلهو فيها الأطفال بحرية وبلامقابل”

“أصبحت كل الأراضى بنايات ضخمة وإنتشرت المحلات التجارية إنتشارا هائلا وتشترى من متجر سلعة تجد المتجر المجاور يبيعها بنصف الثمن وكل شئ يعتمد على شطارتك”

كل ماسبق من كتاب رحيق العمر للدكتور جلال أمين أستاذ الإقتصاد وإبن الأديب أحمد أمين.

سور العاصمة الإدراية
سور العاصمة الإدراية

مرسى مطروح وبوابات الدفع و التسوير 

ومثلما كتب عن حال أوربا فى العصور الوسطى ورأى مثله فى لبنان ومثلما رأيت فى طريقى إلى مطروح هذا العام.

الطرق مسورة برسوم عبور كل طريق له بوابة وكل بوابة تدفع.

صحيح أن ذلك يتم فى الخارج مع المدن الكبرى لكن لتخفيف الزحام داخلها وليس للجباية ودفع أصحاب السيارات إلى إستعمال المواصلات العامة داخل المدينة.

كما أصبحت الشواطئ العامة مسورة برسوم فالشمسية وأربع كراسى بالمائة والمائتي جنيه أى والله.

التسوير حالة عامة 

هذا مايحدث وقد كنت فى يوم أرتاد هذه الشواطئ مجانا ومعى شمسيتى وكراسى البحر.

وصار الدخول لحمامات كليوباترا (كهف على حافة البحر) برسم دخول وكثير من الأماكن التى كانت عامة أصبحت برسوم والمشروبات والعصائر بأضعاف ثمنها.

ونرى فى القاهرة نفس الشئ فليس هناك مكان تذهب إليه إلا بدفع رسوم حتى لو كان مستشفى عام !

تقليد رأسمالي 

إذا تسوير العاصمة الإدارية والحدائق والشواطئ فى مصر ماهو إلا تقليد لسلوك رأسمالى جشع وبشع وقديم يحول العام إلى الخاص ويبتز المواطن.

إن من أسباب تعاظم الإحساس بالضنك الذى نعيشه هذه الأيام هو الإبتزاز المستمر لنا فى أشياء كانت أبد الدهر مشاعا فأصبح إرتيادها له ثمن من شواطئ وحدائق واراضى فضاء حتى الأرض الفضاء التى كانت ملاعبنا أصبحت مسورة وبالثمن !

مما حرمهم من ترفيه برئ لهم ولأبنائهم أو جعله مكلفا مع ضيق الرزق وكثرة الرسوم والضرائب وتنوعها.
التسوير ليس فقط بناء سور حول أرض ولكن وهذا هو الأخطر بناء سور نفسى حول المواطن يكبله ويحسسه بالدونية أمام نفسه فى وطنه “مما يعزز عدم الإنتماء”

وبالعجز أمام أولاده وأهله لدرجة إنه مش قادر يطلع من هدومه .

شارك المقال: