مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

بذور يابانية في أرض غير ممهدة.. هل يزدهر التعليم بالمناهج فقط؟

أزمة التعليم في مصر ليست أحادية البُعد، لكنها هرم مقلوب قاعدته هي البنية التحتية والمعلم، وقمته هي المناهج والتقييم

مشاركة:
حجم الخط:

 لن يزدهر التعليم في مصر بالمناهج وحدها؟

يُطرح بين الحين والآخر سؤال برّاق في أوساط التربويين والمهتمين: هل الحل السحري لأزمة التعليم في مصر يكمن في استيراد مناهج العلوم والرياضيات اليابانية؟

ومن خلفه أسئلة أكثر عمقًا: أين تكمن العلة الحقيقية؟

هل في المناهج ذاتها، أم في النظام التعليمي المترهل، أم في قلة المدارس واكتظاظ الفصول الذي يبتلع أي جهد، أم في غياب الطالب الذي لا يلتزم بالحضور ، أم في المعلم الذي لا يكفيه مرتبه ، أم في مستواه العلمي الذي لم يعد يواكب العصر؟

الإجابة المختصرة والصادمة: المناهج اليابانية – أو أي مناهج عالمية متقدمة – إذا أُلقيت في تربة نظامنا التعليمي الحالي دون تهيئة، ستتحول إلى حبر على ورق، وستكون النتيجة إحباطًا مضاعفًا للطالب والمعلم، لا محصولًا وفيرًا من المخرجات التعليمية.

لنكن صرحاء، المشكلة الأساسية ليست في بذور المناهج، بل في تربة البنية التحتية ومياه المعلم المؤهل وسماد التأهيل والتحفيز.

كيف يمكن لمنهج تفاعلي قائم على البحث والاستقصاء، صُمم لفصول تضم 20 طالبًا، أن يُطبّق في غرفة مكتظة بـ 120 طالبًا، بلا تهوية، وبلا وسائل تعليمية، يجلس فيها التلاميذ على مقاعد مكسورة ثلاثةً في مقعدين؟

د. محمود عبد اللطيف يكتب: تفتيت المنطقة بالتطبيع!

محمود عبد اللطيف يكتب: سارقو الأحلام وكيف يدمر الغش مستقبل الوطن

كيف لمعلم بالكاد يجد قوت يومه،

ويعمل في ثلاث مدارس بالصباح والمساء ليكمل دخله، أن يمتلك الوقت أو الطاقة الذهنية لاستيعاب فلسفة منهج جديد، وتصميم أنشطته، وتقويم طلابه تقويمًا حقيقيًا؟

إن غياب الطالب المتكرر ليس دائمًا تقصيرًا منه، بل هو غالبًا مرآة لبيئة طاردة، لمدرسة غير آمنة أو غير مجهزة، أو لأسرة لا تجد في التعليم قيمة مضافة تُرى على الأرض.

إن الدعوة إلى الاستعانة بالمنهج الياباني هي دعوة محمودة في جوهرها، لأنها تدرك أن مناهجنا بحاجة إلى تطوير جذري.

لكن تنفيذها بمعزل عن إصلاح ما حولها يشبه أن نستورد بذور أرز ياباني ممتازة، ثم نبذرها في أرض صحراوية جرداء، لا تروى ولا تُسمّد، وننتظر محصولًا يابانيًا وفيرًا! هذا ضرب من الخيال.

لا يمكن أن نزرع أرضًا وننتظر محصولاً وفيراً دون أن ننفق جيداً على تمهيد التربة، وريّها، وتسميدها، لتنتج لنا محصولاً جيداً وفيراً.

التشخيص الحقيقي: معضلة مركبة جذورها قبل فروعها

أزمة التعليم في مصر ليست أحادية البُعد، لكنها هرم مقلوب قاعدته هي البنية التحتية والمعلم، وقمته هي المناهج والتقييم.

اختلال القاعدة يهدم كل ما فوقها.

مشكلتنا ليست في فكرة “ماذا نُدرّس؟”

بقدر ما هي في “أين نُدرّس؟”

و”من يُدرّس؟”

و”بأي أجر وتقدير؟”

لدينا فصول تفيض بالطلاب حدّ الاختناق، كثافة تمنع أي تفاعل حقيقي وتحوّل التعليم إلى تلقين لا حياة فيه. لدينا نقص مهول في أعداد المدارس يجعل نظام الفترتين أمرًا واقعًا يُنقص زمن التعلم إلى النصف.

لدينا معلمون أنهكتهم متطلبات الحياة، فمنهم من انقطع عن الحضور بحثًا عن الرزق، ومنهم من حضر بجسده وغاب عقله.

مستوى الكثيرين العلمي يحتاج إلى إعادة تأهيل كاملة لا مجرد دورات تدريبية سطحية، خاصة إذا ما طمحنا لمناهج بقوة وعمق المناهج اليابانية التي تتطلب معلمًا ميسرًا ومرشدًا، لا ملقنًا.

المبادرة الحل: رجال الأعمال يبنون، والدولة تؤهل وتُكرّم

هنا يأتي الحل الذي أدعو الدولة إلى تبنيه وإطلاق مبادرة وطنية عاجلة بشأنه: تحالف وطني غير مسبوق بين الدولة ورجال الأعمال المصريين في الداخل والخارج.

ليست هذه دعوة لتبرع عابر، بل لتبنٍّ كامل لمشروع قومي للبنية التحتية التعليمية.

ليتقدم رجال الأعمال المصريون، كل في نطاقه، لبناء مدارس حديثة في جميع أنحاء مصر، من أقصى الصعيد إلى الدلتا والمدن الجديدة.

لتكن كل مدرسة صرحًا تعليميًا متكاملاً بفصول لا تزيد كثافتها عن 25 طالبًا، ومعامل، ومكتبات، وملاعب، ومساحات للأنشطة.

هذا الاستثمار في الإنسان هو أبقى وأعظم أثرًا من أي مشروع آخر، وهو زكاة علم ونجاح، واستثمار في استقرار الوطن وقوته الناعمة.

حينها فقط، نكون قد بدأنا بتمهيد التربة الصالحة.

وبعد أن نبني المدرسة، يأتي الدور الأهم للدولة:

تأهيل المعلم وصناعة مُعلّم جديد. ليس أي تأهيل، بل تأهيل علمي وتربوي يتفق مع قوة المناهج الجديدة وكيفية تدريسها بالأسلوب الذي يتماشى مع مستوى الطلاب ومتطلبات العصر.

يجب أن يكون التأهيل عميقًا ومستمرًا، يبدأ من كليات التربية قبل الخدمة ويمتد طوال العمر المهني.

ويبقى حجر الزاوية الأخير في هذه المنظومة:

رفع رواتب المعلمين رفعًا حقيقيًا ومؤثرًا، بما يتفق مع المجهود الكبير المنتظر منهم، وبما يليق بمهنة منوطة بصناعة العقول.

لا يمكن أن نطلب من معلم التفرغ الذهني والنفسي للعملية التعليمية، والإبداع في استخدام المناهج الحديثة، ومتابعة كل طالب على حدة، بينما هو غارق في هموم لقمة العيش، يركض من مدرسة لأخرى، أو من درس خصوصي لآخر.

الراتب الكريم هو الذي يحرر المعلم من القلق، فيتفرغ لعطائه، ويُعيد للمهنة هيبتها التي تستقطب المتميزين.

الخاتمة: الحصاد ينتظر من يزرع بوعي

مخرجات التعليم في مصر لن تكون ذات أثر ممتاز باستيراد المناهج اليابانية فقط، بل بإعادة بناء النسق التعليمي بأكمله حول هذه المناهج.

النموذج الياباني لم ينجح بسبب كتبه، بل بسبب معلمه المؤهل، ومدرسته المجهزة، ومجتمعه الذي يقدّس العلم.

فلنكن جريئين في مبادرتنا، ننادي رجال الأعمال:

ابنوا لنا المدارس ولن تُبنى لكم القصور في قلوب الناس فحسب، بل ستبنون وطنًا جديدًا.

ولتأخذ الدولة على عاتقها إعداد المعلم ورفع قدره، فالمعلم هو العمود الفقري لهذا الجسد المتهالك.

بهذا الترتيب، وبهذا التكامل، سنزرع أرضًا خصبة، ونسقيها ماءً وفيرًا من التأهيل والكرامة، عندها فقط سيكون لنا أن ننتظر محصولاً وفيراً من العلم والتنوير والنهضة، يليق بمصر وتاريخها وشعبها.

شارك المقال: