د. محمد محفوظ يكتب : ما بين النزاهة الأخلاقية والعدمية السياسية خيط رفيع
فالبعض يقع في فخ مساواة كل النظم ببعضها من خلال البحث عن سوءاتها وغض الطرف عن حسناتها، فتكون النتيجة وضع النظم الديمقراطية في نفس الكفة مع النظم الديكتاتورية

صورة تعبيرية للمقال
تكشف المجادلات بشأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية العبثية في إيران ومضيق هرمز وجنوب لبنان ، بأنه يجب علينا في صراعنا مع النظم الديكتاتورية الإجرامية أو النظم الديمقراطية الإنتهازية، أن لا نتعثر في منزلق المكايدة السياسية، فنضل الطريق ولا نقدم للناس ( البديل ) .
فالبعض يقع في فخ مساواة كل النظم ببعضها من خلال البحث عن سوءاتها وغض الطرف عن حسناتها، فتكون النتيجة وضع النظم الديمقراطية في نفس الكفة مع النظم الديكتاتورية، الأمر الذي يدمر القدوة والمثال في وعي الناس، فيضيع الهدف ويغيب المآل .
بل قد يبلغ التمادي في المكايدة السياسية، حد الاصطفاف مع النظم الديكتاتورية، حال أي مواجهة صدامية لها مع النظم الديمقراطية .
وبالطبع لا يوجد نظام سياسي كامل ، ولكن توجد نظم هي أفضل من الأخرى بمحصلة أعمالها وتوجهاتها ، وبنيانها وأدواتها .
وبالفعل ، فإن ( النزاهة الأخلاقية ) تلزمنا بفضح انتهازية الغرب الديمقراطي ولا أخلاقيته وتنكره للمبادئ الانسانية حال تعارضها مع مصالح دوله القومية .
ولكن في مجال التقييم النسبي ، فإن النظام الديمقراطي هو الأكثر اقترابا للحكم الرشيد من النظام الديكتاتوري الذي هو نموذج للحكم البليد البغيض .
لذلك ، فإن الكُفر بكل الأنظمة لا يؤدي إلا إلى ( عدمية سياسية ) لا تخدم إلا النظم الديكتاتورية بما يطيل من عمرها وعذابات شعوبها .
عدمية سياسية يترسخ بموجبها في وعي الناس، بأنه لا جدوى من استبدال نظام سيئ بنظام سيئ آخر، طالما تم تغييب حقيقة بديهية مفادها : أنه في ميزان التقييم النسبي، فإن النظام الديمقراطي هو النظام الأقل سوءا في محصلة ترتيب نظم حكم الشعوب .
ولهذا ، ينبغي لكل مصلح أن يقدم للناس النظم الديمقراطية باعتبارها البديل والقدوة والمثال، فيمتلك الناس وعيهم بأن الديمقراطية حتى وإن لم تخل من المطاعن ومواطن القصور، إلا أنها تمتلك أدوات إصلاح عيوبها وكشف مواطن قصورها ، من خلال الفصل بين السلطات، والتداول السلمي للسلطة، وإعلاء قيم الحقوق والحريات .
ولعل التحليل العلمي يؤكد ، بأن الديمقراطية كنظام سياسي لا تعاني من تناقض جوهري في صلب بنيانها بخلاف الديكتاتورية.
إذ أن انحراف النظم الديمقراطية الذي يتجلى في تنكرها للمبادئ الإنسانية على مستوى السياسة الخارجية، ذلك الانحراف لا ينبع إلا من طبيعة ( نموذج الدولة القومية ) الذي ينتظم وفقا له بناء العالم الحديث والمعاصر .
حيث تتمثل أزمة الدولة القومية في أنها حتى وإن كانت ديمقراطية، فإن هدفها الأعلى هو مصلحتها الذاتية ليس إلا، حتى وإن تنصلت من أجلها من كل الأخلاقيات والمبادئ الإنسانية .
ولذلك، على كل مصلح أن لا يكتفي فقط بأن يقدم للناس النظام الديمقراطي باعتباره البديل المتاح لكل الشعوب المقموعة، وإنما يتوجب في ذات الوقت أن يؤكد على أن النظام الديمقراطي لن يمكنه الخلاص من خطيئة التنكر للمبادئ الإنسانية إذا تصادمت مع مصالحه القومية.
إلا لو اتجه العالم نحو نموذج : ( الحكومة العالمية الديمقراطية ) التي تنبذ مفهوم ونظام الدولة القومية، وتلغي الحدود الجغرافية الوهمية، والجيوش العدائية، وأجهزة الاستخبارات التآمرية، والعملات الوطنية التصادمية، وتجعل موارد وثروات كوكب الأرض لكل سكانه بدون تمييز فرضته الصدف الجيولوجية .
ولكن حتى يحين الوقت لبزوغ عصر ( الحكومة العالمية الديمقراطية ) ، التي تبشر بها التكنولجيا ولكن تعوقها الأيدلوجيا . فإنه في مجال الاختيار والمفاضلة بين نظامين للحكم ، نظام يمارس القمع داخليا ويدعمه خارجيا . ونظام يمارس الديمقراطية داخليا وقد يرعى القمع خارجيا .
فإنه من الأفضل للشعوب المقموعة التطلع للنظام الثاني، لأن ديمقراطيته الداخلية قد تصلح نوعا ما ما أعوج من سياساته الخارجية، بينما تكفل بكل تأكيد الحرية والكرامة لمواطنيه داخليا .
لذلك ، لابد من إدراك الخيط الرفيع بين النزاهة الأخلاقية والعدمية السياسية
فالنزاهة الأخلاقية وإن كانت تقتضي التبرؤ والتبرم من كل مواطن القصور بالنظام الديمقراطي ، إلا أنها توجب بالمقابل التشبث بأقل ما هو متاح به من مواطن لاحترام الحقوق والحريات، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات .
ولهذا ، لا ينبغي لكراهيتنا لجرائم ومخازي النظم الديمقراطية على مستوى السياسة الخارجية، لا ينبغي لتلك الكراهية أن تلوث وعينا وتنحرف ببوصلة إدراكنا، فنصبح مثل السكان المجاورين لحلقة سمك أو مقلب قمامة، فكلاهما لا يشم بحكم التعود رائحة الزفارة أو رائحة الزبالة، ومن ثم لا يشم بالضرورة عبير الورد أو أي رائحة أخرى ذكية!
للديمقراطية ثقوب وندوب يجب ألا نغفل عن كشفها .
ولكنها وبالمقابل، لها بركات يجب أن نشير ونسير لها، لتراها الشعوب المقهورة بعقولها قبل عيونها، فلا تفتأ تبحث عنها وتطالب به، بدلا من الركون والاستسلام للعنة الديكتاتورية






