مقالات

1977 العام المر (14)

أشعر بالغيرة بين قرنائي وهم يستعرضون ملابسهم الجديدة كل عام ونحن نلعب" أولى " في نهاية الحارة.لكنني أحببت " عم فهيم" المحارب القديم في حرب العدوان الثلاثي ١٩٥٦

مشاركة:
حجم الخط:

اليوم الدراسي الأول 8 أكتوير/تشرين الأول 1977

نعود من اليوم الدراسي الأول  تجليد  الكراريس،والكشاكيل بالجلاد الأزرق والبني والأحمر.

كنت اكره  الجلاد  الأزرق، يذكرني بالحرب وهو ملصق على زجاج البيوت والعتمة والظلام.

“التيكت” الملصق عليه يخفف من وقع الأمر بعض الشئ.

ودعنا ” كراريس” التسعة أسطر، المربعات، كبرنا كثيرا، حتى أننا نرسم الآن الرسوم الهندسية في كراسة الرسم البياني.

1977 العام المر (13)

1977 العام المر (12)

هذا العام سأستخدم القلم ” الحبر”..”سنة شهادة”

أدخلت القلم في مدواة حبر “رينز” ضغطت على مضخة القلم ضغطة قوية دون أن أعي.

الخسائر كانت كبيرة، نقاط الحبر الأزرق لطخت القميص الأبيض الجديد، لا شك ستلومني ” أم رضا” ” الغسالة” لوما شديدا.

لكنها طيبة كالجدات، حنونة كالأمهات

ستنسي كالعادة ما اكبده لها من عناء عندما أَشتري لها” النشوق” من المحل المجاور للمنزل.

ستستنشقه وتعطس وتظل تقلب ” الغسيل” الأبيض في ” حلة” الغلية ” ولاتنسى بالطبع أن تضيف مسحوق الزهرة وكمية محسوبة من ” الرابسو ” وتغني وهي تمسح بيدها الأخرى جبهتها التي تنز عرقا _ من” صهد البابور” أغانيها الشعبية المحببة التي لا أفهم منها شيئا.

” عم فهيم ” كعادته أفسد فرحتي” بالبيجامات ” و” الجلاليب” “الكستور”” المقلمة “الجديدة.

دائما أطول من المعتاد

” علشان لما تطول متبقاش قصيرة عليك، كل شوية في سنك ده هتطول كام سنتي “

يقول” عم فهيم ” لكنني لم أطول أبدا بالمقدار الذي يقدره كل عام.

كان هناك فجوة زمنية ونوع من سوء الفهم بيننا دائما.

الأهل في صفه كل حين ” عيب عم فهيم راجل كبير ومعرفه من سنين طويلة ” يرددون تلك العبارة المقدسة.

لم يكن هناك حلا سوي ان ارتدي ما يحيكه العام في العام الذي يليه حتى يصبح مناسبا لجسدي.

كنت أؤجل بهجة الجديد عاما كاملا.

وأشعر بالغيرة بين قرنائي وهم يستعرضون ملابسهم الجديدة كل عام ونحن نلعب” أولى ” في نهاية الحارة.

لكنني أحببت ” عم فهيم” المحارب القديم في حرب العدوان الثلاثي ١٩٥٦.

كنت أتابعه بشغف وهو يحرك بقدميه ” دواسة” ماكينة الخياطة و “يلف” إسطواناتها الدائرية بيده، بينما يقص بالأخري قطع القماش.

أو يظل بصره شاخصا نحو ضوء الشمس ” يلضم الخيط في سم” الإبرة ” أحببته لولا قليلا من العتاب.

كانت الأحداث السياسية والمجتمعية تجري في الوطن ومحيطه والعالم من حوله.

كنا في شغل شاغل عن كل هذا متدثرين بعالمنا الغض الصغير

لم نكن نعرف ان الأيام القادمة سوف تشهد تحولات وتبدلات في المسار والفكر والتوجه.

لم نكن نعي أننا نعيش مرحلة تاريخية مفصلية بحق _ مهما أختلفنا في تقييم تلك السياسات والتحولات _كنا شهودا على العصر ونحن لا ندري.

لا زلنا في فجر أعمارنا، ننظر إلي الوراء الآن وقد باغتنا الخريف بذبوله.. نسأل ونبحث وننقب عن كل ما حدث، كيف حدث؟ وأين؟ ولماذا؟ ومتى؟

كنت أظن أن الأسئلة والحيرة تخص عالم الصغار لولا أنني ما زلت أتخبط فيها بحثا عن جواب.(٢٥)

الغداء اليوم  ديك رومي، ملوخية،  ورز تقول الوالدة.

غذاء شهي بالتأكيد يليق بالجهد المبذول في أول أيام العام الدراسي الجديد _ 8 أكتوبر 1977-

لم تكن ” الديوك الرومية” بالغذاء الشائع في المتاجر وبين جموع الشعب حينها.

كنا نشاهدها نادرا في الأفلام الأجنبية وحلقات الكارتون.

عندما أتى ” عم شاكر” تاجر الطيور بواحدا منها قبل عيد” الميلاد” المجيد.

كان يجلس أمام “الدكان” يدخن الشيشة وينظر ” للديك” المقيد القدمين كل حين مطمئنا أنه يقف رابضا في القفص بلا حراك.

بقع الدم الطازج العالقة بجلبابه لا تشغله كثيرا ولا بقايا الريش على شعره المهوش.

يشغل وقته في إنتظار ” الزبون” الثري الموعود – بالديك الرومي – بالقبض على إحدى الدواجن المذعورة لينحرها بسرعة وخفة لا مباليا بصرخاتها، ملقيا إياها نحو منضدة رخامية ” لصبيانه” ليتولوا بعدها نزع ” الريش” و تنظيفها، وصورة ” الرئيس المؤمن” منتصبة في الواجهة وهو يبتسم متأبطا عصا المارشالية.

بدا خاطف الأرواح هذا مكتئبا بعض الشئ، الحال أصبح غير الحال، مشاريع” التنمية الشعبية” اللعينة و ” الأمن الغذائي” الهابطة كالقدر ، خفضت الأسعار، وقل عدد الزبائن.

” هوه فيه أحلى من الفراخ البلدي، الناس جري لها إيه”

يردد دوما في أسف، كثير الحركة والغضب والتوتر، يأخذ بيده ” خرطوم” المياه ويبدأ في ” رش” المياه بضغطات سريعة من يده..

الماء والدم يختلطان في مجري وردي باهت يمضي نحو المجارير، بضعة رشات أخرى أمام مدخل المحل تمنحان “الطراوة ” مع نسمة ” العصاري ” الآتية.

يعود ليجلس قليلا ينفث دخان” الشيشة ” وهو يقلب قطع الفحم نافضا الرماد من حولها.. يصيح بحدة فجأة ” ما تعمل لك همة ياض يا إبن الكلب أنت وهوه”

ديك ” عم شاكر” الواقف شامخا لا يعنيني في شئ

صارت الطيور ” المستوردة” تنتشر في كل المنافذ، شركة” إريك” الوليدة عام ١٩٧٧، هيأت كل شئ بأسعار أقل من السوق بكثير.

بطل التنمية الشعبية  البارز توفيق عبد الحي  صار نجما لامعا

أحد أعضاء “التنظيم الطليعي” عهد ” عبد الناصر” أصبح فجأة واحدا من نجوم عصر ” الإنفتاح”

الطفل المدلل ” لعثمان أحمد عثمان” الوزير السابق وصهر ” السادات” وصديقه الصدوق.

سرعان ما فتحت له الأبواب الموصدة وعبدت الطرق الوعرة – لعبد الحي – وصار الملك المتوج لإستيراد وإنتاج المواد الغذائية.

أسعار شركته بفروعها المنتشرة في كافة أنحاء البلاد أرخص من الأسعار في المجمعات الإستهلاكية.

الحملة الدعائية المكثفة وصوره مع ” السادات” و ” عثمان” أعطت للرجل مكانة وجسدته كالفارس المغوار.

والحارس على قوت الشعب  تلك العبارة – قوت الشعب – التي رددها الرئيس الراحل كثيرا لتفتضح حقيقة الفارس والعبارة بعد حين.

شارك المقال: