مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: الصين إمبراطورية بلا مدافع

الولايات المتحدة تخوض المواجهات لحماية خطوط الملاحة وتأمين تدفق الطاقة، بينما تعتمد الصين على هذه الطاقة لتغذية اقتصادها.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تكن الصين على خطوط النار عندما اندلعت المواجهة الأمريكية الإيرانية، لكنها كانت موجودة في كل حسابات الحرب. فالمعركة التي بدت في ظاهرها صراعاً بين واشنطن وطهران امتدت في عمقها إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وبقدرة قوة صاعدة مثل الصين على الاستفادة من التحولات دون أن تتحول إلى طرف مباشر في الصراع.

في الحروب الكبرى لا يكون الغائب دائماً خارج المشهد. أحياناً تكون المساحة التي يختار فيها اللاعب عدم الدخول هي التي تكشف طبيعة استراتيجيته. فبكين لم ترسل قوات إلى الخليج، ولم تعلن التزاماً عسكرياً بالدفاع عن إيران، لكنها في الوقت نفسه لم تمنح واشنطن ما كانت تحتاج إليه لإنهاء الحرب بشروطها: ضغط صيني مباشر على طهران، أو مشاركة في سياسة العزل الاقتصادي، أو تحويل العلاقة مع إيران إلى ورقة ضغط أمريكية.

المعادلة الصينية في الشرق الأوسط تختلف جذرياً عن المعادلة الأمريكية. واشنطن بنت نفوذها عبر القواعد العسكرية والأساطيل والتحالفات الأمنية، ولذلك أصبحت مسؤولة عن حماية النظام الذي أنشأته. أما بكين فدخلت المنطقة من بوابة أخرى: الطاقة، التجارة، الموانئ، والاستثمارات طويلة الأمد. وهي تستفيد من المظلة الأمنية الأمريكية، لكنها في الوقت نفسه تعمل على بناء شبكة مصالح تجعل وجودها ضرورياً في أي ترتيب إقليمي جديد.

الخليج يمثل المثال الأكثر وضوحاً لهذه المفارقة. فالولايات المتحدة تخوض المواجهات لحماية خطوط الملاحة وتأمين تدفق الطاقة، بينما تعتمد الصين على هذه الطاقة لتغذية اقتصادها. وحين تحولت هرمز إلى نقطة صراع، لم تكن بكين مجرد مراقب لأزمة بعيدة، بل كانت تتابع شرياناً أساسياً لاقتصادها. ومع ذلك اختارت إدارة الأزمة بطريقة مختلفة: الحفاظ على علاقاتها مع إيران، وعدم خسارة دول الخليج، وتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن.

هذه الحسابات تفسر طبيعة الموقف الصيني من إيران. فطهران ليست حليفاً عسكرياً للصين بالمعنى التقليدي، لكنها تمثل موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية. وجود إيران مستقلة عن الإرادة الأمريكية يفتح للصين مجالاً أوسع في آسيا الوسطى والخليج، ويحافظ على أحد أهم ممرات مشروعها الاقتصادي الممتد نحو الغرب.

وفي المقابل، لا تريد بكين انهيار دول الخليج أو تحول المنطقة إلى فوضى مفتوحة، لأن الاستقرار هو الشرط الضروري لاستمرار مصالحها الاقتصادية. لذلك بدت السياسة الصينية خلال الحرب وكأنها تتحرك بين خطين متوازيين: عدم التخلي عن إيران، وعدم السماح بتحويل الصراع إلى مواجهة صينية أمريكية مباشرة.

هذا ما جعل واشنطن تنظر بقلق إلى الدور الصيني حتى من دون تدخل عسكري معلن. فالمشكلة الأمريكية لم تكن في وجود أسطول صيني مقابل الأسطول الأمريكي، بل في أن إيران لم تكن معزولة بالكامل. بقيت لديها منافذ اقتصادية وسياسية، وبقيت الحرب تدور في بيئة دولية أكثر تعقيداً من الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في العقود السابقة.

بالنسبة إلى إسرائيل، حمل هذا المشهد دلالة خاصة. فقد اعتادت تل أبيب على قراءة المنطقة من خلال ميزان القوة الأمريكي، وعلى افتراض أن الضغط على إيران يمكن أن يتحول في النهاية إلى عزلة كاملة. لكن وجود الصين كقوة اقتصادية كبرى تربطها مصالح مع طهران ودول الخليج معاً يضع حدوداً لهذا التصور.

إسرائيل لا تواجه فقط صواريخ إيران وقدراتها العسكرية، بل تواجه بيئة دولية لم تعد فيها واشنطن قادرة على التحكم بكل المسارات. فحتى عندما تنجح الولايات المتحدة في استخدام تفوقها العسكري، فإنها تجد نفسها أمام شبكة من المصالح الدولية التي تمنع تحويل القوة العسكرية إلى حسم سياسي كامل.

الصين لا تسعى إلى خوض حرب من أجل إيران، ولا تتحرك بمنطق التحالفات التقليدية. هدفها مختلف: بناء موقع يجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه عندما تبدأ مرحلة ما بعد الحرب. فالدول التي تتحمل كلفة المواجهة قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكن الدول التي تدخل لحظة إعادة ترتيب النظام تكون هي الأكثر قدرة على تحويل الأحداث إلى نفوذ طويل الأمد.

لهذا لا تقاس القوة الصينية بعدد الطائرات التي ترسلها إلى المعارك، بل بعدد الملفات التي تصبح مرتبطة بوجودها. بكين لا تريد أن تدير الشرق الأوسط بالطريقة التي أدارت بها واشنطن المنطقة لعقود، لكنها تريد أن يصبح أي قرار كبير فيها ناقصاً من دون حضورها.

الإمبراطوريات القديمة كانت تثبت وجودها عبر الجيوش التي تتحرك تحت راياتها. أما الصين فتختبر نموذجاً آخر: نفوذ يتوسع من دون احتلال، وحضور يتعمق من دون انتشار عسكري واسع.

قد لا تطلق بكين النار في هذه الحرب، لكنها تعمل على أن يكون العالم الذي يليها مختلفاً عن العالم الذي سبقها.

شارك المقال: