محراب القلب والحجر
رحلة رمضانية في مساجدنا الأثرية بقلم : فاروق شرف. "في رحاب بيوت الله، حيث يلتقي الحجر بالإيمان، وتتناغم العمارة مع الروح، نقترب اليوم من مسجدٍ سطّر التاريخ بين جدرانه، وجعل…

رحلة رمضانية في مساجدنا الأثرية
بقلم : فاروق شرف.
“في رحاب بيوت الله، حيث يلتقي الحجر بالإيمان، وتتناغم العمارة مع الروح، نقترب اليوم من مسجدٍ سطّر التاريخ بين جدرانه، وجعل من محرابه قبلة علمٍ وعبادة… لنقرأ أثره بعين الباحث، ونستشعر نوره بقلب المؤمن.”
أُصلم السلحدار مسجد الفارس الذي حمل سيفه وبنى محرابًا
يقع مسجد مسجد أصلم السلحدار في حي الدرب الأحمر بـ القاهرة، في درب شعلان المتفرع من شارع فاطمة النبوية، داخل نسيج القاهرة الإسلامية المزدحم بالمآذن والقباب.
وفي ليالي رمضان، حين تهدأ الأزقة قليلًا بعد الإفطار، ويتردد صوت التراويح بين الجدران العتيقة، يشعر الزائر أن المكان يستعيد زمن المماليك… زمن كانت فيه العمارة إعلانًا عن الإيمان بقدر ما كانت إعلانًا عن القوة.
من هو أصلم السلحدار؟
أنشأ المسجد الأمير بهاء الدين أُصلم السلحدار سنة 746هـ / 1345م في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون.
أُصلم: اسم الأمير، وهو من أصول مملوكية كغيره من أمراء ذلك العصر.
السلحدار: لقب عسكري يعني “حامل السلاح”، وهو منصب رفيع يشير إلى مكانته القريبة من السلطان ومسؤوليته عن تسليحه.
وهكذا تحوّل حامل السيف إلى منشئ محراب… وكأن العمارة هنا امتداد لمعنى القوة، ولكن بقوة الإيمان.
التخطيط المعماري: ابتكار مبكر
يُعد المسجد من النماذج المعمارية المميزة في العصر المملوكي البحري، ويظهر فيه قدر من الابتكار:
▪ الصحن المسقوف
من أوائل المساجد التي اعتمدت نظام الصحن المسقوف بسقف خشبي مزخرف، بدلًا من الصحن المكشوف المعتاد، مما أضفى طابعًا أكثر احتواءً ودفئًا.
الإيوانات الأربعة
يحيط بالصحن أربعة إيوانات:
الشرقي والغربي بعقود كبيرة مفتوحة.
البحري والقبلي بثلاثة عقود صغيرة محمولة على أعمدة رخامية.
إيوان القبلة يضم محرابًا رخاميًا مزخرفًا ومنبرًا خشبيًا دقيق الصنع.
▪ القبة الضريحية
تقع في الركن الشرقي القبلي، وهي قبة مضلعة، وتحتفظ برقبتها ببقايا زخارف القاشاني (الفسيفساء الخزفية)، وهو استخدام نادر نسبيًا في عمارة القاهرة المملوكية.
الزخارف: لغة الحجر والخشب
يتميز المسجد بثراء زخرفي واضح:
حوائط داخلية مزدانة بزخارف جصية دقيقة.
ألواح رخامية ملوّنة تكسو الجدران.
كتابات كوفية تضفي بعدًا روحانيًا.
منبر خشبي محفور بحشوات بارزة تعكس براعة الصناع.
أما المحراب، فهو تحفة فنية من الجص المنحوت بزخارف نباتية وهندسية متداخلة، تمنح المصلي إحساسًا بالسكينة والتناسق.
مواد البناء
اعتمد البناء على
الأحجار الجيرية في الجدران الرئيسية.
الجص في الزخارف والتشكيلات الداخلية.
الطوب والطين في الأساسات.
وكان المسجد جزءًا من مجمع أكبر يضم إسطبلات وسبيلًا ومبانٍ سكنية، لم يبقَ منها اليوم سوى المسجد.
* مراحل الترميم :————
– مرّ المسجد بعدة مراحل صيانة للحفاظ عليه:
– ترميم عام 1894م
– ترميم عام 1982م

– مشروع شامل بين 2006–2009م نفذه – صندوق الآغا خان للثقافة بالتعاون مع وزارة الآثار المصرية.
وشملت الأعمال:
. ترميم السقف الخشبي ومعالجة الشروخ.
. تدعيم العناصر الخشبية ودكة المبلغ.
. تنظيف الزخارف الجصية والرخامية.
. تقوية الحوائط الحجرية.
وكان الهدف إعادة المسجد إلى حالته الأقرب لأصالته، مع ضمان استدامته المعمارية.
روح المكان في رمضان
في رمضان، حين تخطو داخل المسجد، وتشاهد الضوء يتسلل من الشبابيك المعقودة، وتسمع تلاوة القرآن تتردد بين الإيوانات الأربعة، تشعر أن المكان يحتضنك.
هنا صلى فرسان،
وهنا دُرست علوم،
وهنا تعاقبت أجيال.
مسجد أصلم السلحدار ليس مجرد أثرٍ مملوكي…
بل شاهد على زمنٍ كان فيه السيف يحمي الأرض،
وكانت العمارة تحمي العقيدة.
وفي ليالي الشهر الكريم، يتجدد المعنى:
أن القوة الحقيقية ليست في حمل السلاح،
بل في بناء محرابٍ يبقى بعد أن يفنى كل شيء.






