تقارير

لماذا خسر ترامب؟

فواشنطن ما زالت تمتلك أدوات ضغط وقوة تتجاوز بكثير ما تملكه طهران، وإنما ظهرت الأزمة في مكان آخر أكثر تعقيدًا،

مشاركة:
حجم الخط:

حين تحولت الحرب على إيران من مشروع قوة إلى أزمة في إدارة المعنى السياسي
في السياسة الدولية لا تبدأ الهزائم دائمًا عندما تتراجع الجيوش، ولا تنتهي الانتصارات عند حدود التفوق العسكري.

فالتاريخ المعاصر يكشف أن الدول الكبرى كثيرًا ما امتلكت القدرة على تدمير خصومها عسكريًا، لكنها عجزت في المقابل عن بناء معنى سياسي لما قامت به.

ولعل الأزمة التي رافقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمواجهة الأخيرة مع إيران تقدم نموذجًا معبرًا عن هذا النمط من الأزمات، إذ لم تكن المشكلة الأساسية مرتبطة بقدرات الولايات المتحدة العسكرية أو بميزان القوى التقليدي.

فواشنطن ما زالت تمتلك أدوات ضغط وقوة تتجاوز بكثير ما تملكه طهران، وإنما ظهرت الأزمة في مكان آخر أكثر تعقيدًا، وهو المسافة التي بدأت تتسع تدريجيًا بين الخطاب السياسي وبين الوقائع التي كانت تتشكل على الأرض.

فخلال أشهر التصعيد الأخيرة بدا المشهد وكأن الإدارة الأمريكية تتحرك بين مستويين مختلفين من اللغة السياسية، مستوى مرتفع يتحدث عن الحسم، والتغيير الجذري، وإعادة رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.

مستوى آخر يتحدث في الوقت ذاته عن التفاهمات الممكنة والمسارات التفاوضية والاتصالات غير المباشرة.

ومع تكرار الانتقال بين هذين المستويين خلال فترات زمنية قصيرة لم تعد المشكلة مرتبطة بما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض رؤيتها أم لا، بل أصبحت مرتبطة بقدرتها على إنتاج رواية متماسكة يمكن فهمها سياسيًا.

غزة بعد الحرب: من يحكم الركام؟

علاء عوض يكتب: الصمت الخليجي وسقوط المعادلة الإبراهيمية

بين الحرب ومسودة الاتفاق: كيف بدأ التناقض؟

المفارقة الأكثر لفتًا للنظر لم تكن في العمليات العسكرية نفسها، بل في المسافة التي ظهرت بين أهداف الحرب المعلنة وبين اللغة التي بدأت تصاحب النقاشات اللاحقة حول مسودات التفاهمات والتسويات الممكنة.

فالإدارة الأمريكية قدمت التصعيد في بدايته باعتباره ضرورة استراتيجية مرتبطة بمنع إيران من تطوير قدراتها النووية وإعادة ضبط سلوكها الإقليمي.

لكن مع مرور الوقت بدأت مؤشرات مختلفة تظهر داخل التقارير والتسريبات السياسية حول إمكانات التوصل إلى ترتيبات جديدة لا تبدو بعيدة كثيرًا عن الصيغ التي كانت مطروحة قبل التصعيد نفسه.

وهنا بدأت الأسئلة الأكثر تعقيدًا في الظهور؛ فإذا كانت الحرب قد شُنت للوصول إلى أهداف محددة بصورة قاطعة، فلماذا بدت بعض المسارات التفاوضية اللاحقة أقرب إلى إعادة إنتاج تسويات جرى رفضها سابقًا؟

ولماذا بدا الخطاب الأمريكي أحيانًا وكأنه ينتقل خلال ساعات قليلة من لغة تقوم على فكرة “الاستسلام غير المشروط” إلى لغة أخرى تتحدث عن “مخارج تحفظ مصالح جميع الأطراف”؟

هذه التحولات لا يمكن اعتبارها مجرد تغير طبيعي في التكتيكات السياسية، لأن السياسة الدولية لا تُقاس فقط بما يُقال، بل أيضًا بتوقيت ما يُقال.

وعندما تتغير الرسائل الصادرة من مركز القرار بوتيرة أسرع من تغير الوقائع نفسها، تبدأ المؤسسات والأسواق والحلفاء والخصوم في إعادة تقييم الصورة بأكملها.

عندما أصبحت الأسواق تتابع التصريحات أكثر من الصواريخ

ولعل أحد أكثر المؤشرات وضوحًا على هذا الارتباك ظهر في ردود فعل الأسواق العالمية.

فمنذ بداية التصعيد تحولت كل إشارة سياسية وكل تصريح رئاسي إلى عامل قادر على تحريك أسواق النفط والطاقة والبورصات الدولية خلال ساعات قليلة.

ولم يكن الأمر مرتبطًا فقط بحجم العمليات العسكرية، وإنما بدرجة عدم اليقين التي صاحبت الخطاب السياسي ذاته.

ففي مرحلة من المراحل كان مجرد الحديث عن احتمالات توسع المواجهة قرب مضيق هرمز كافيًا لإثارة مخاوف واسعة داخل أسواق الطاقة

لأن ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر ذلك الممر البحري شديد الحساسية.

وفي المقابل كانت إشارات التهدئة أو الحديث عن قنوات تفاوضية تدفع الأسواق إلى اتجاه معاكس بصورة سريعة.

تقلبات السوق وطبيعة الأزمة 

لكن المشكلة الأعمق لم تكن في تقلبات الأسواق نفسها، بل في أن الأسواق بطبيعتها لا تتعامل مع الواقع الحالي فقط، بل مع احتمالات المستقبل أيضًا.

ولذلك فإن التناقضات المتكررة في التصريحات الأمريكية لم تكن مجرد مسألة إعلامية، بل تحولت إلى عنصر اقتصادي مؤثر بحد ذاته.

وهنا ظهر سؤال بدأ يتردد بصورة متزايدة داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية: هل أصبحت التصريحات السياسية نفسها جزءًا من صناعة التقلبات؟

ففي لحظات التوتر الحاد تتحرك رؤوس الأموال بسرعة نحو قطاعات محددة؛ شركات الطاقة، الصناعات العسكرية، الذهب، وأدوات التحوط المالي المختلفة.

ومع كل موجة تصعيد أو تراجع كانت تحدث تحركات مالية ضخمة، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات متزايدة حول طبيعة العلاقة بين القرار السياسي وبين المستفيدين من هذه الاضطرابات.

ليس باعتبارها اتهامات مباشرة، وإنما باعتبارها نتيجة طبيعية لحالة ضبابية يصبح فيها الوصول المبكر إلى المعلومة عنصرًا قادرًا على صناعة أرباح هائلة.

في السياسة الدولية توجد لحظة خطيرة لا تبدأ عندما يخطئ القائد في تقدير خصومه، بل عندما يخطئ في تقدير نفسه.

فالقوة ليست في القدرة على إطلاق الحرب، بل في القدرة على معرفة حدودها وأهدافها ونقطة نهايتها.

ربما لم تكن خسارة ترامب الحقيقية في إيران عسكرية أو حتى سياسية بصورة مباشرة.

ربما كانت الخسارة الأعمق أنه بدا أحيانًا وكأنه أصبح أسيرًا للرواية التي صنعها بنفسه، رواية تقول إن القوة وحدها تستطيع حل التعقيد، وإن الخطاب قادر على أن يسبق الواقع.

لكن الواقع، كما يثبت التاريخ مرارًا، يمتلك عادة قدرة أكبر على المقاومة من أي خطاب سياسي.

شارك المقال: