دراسة: مرشحوا اليسار لماذا يصنعون الأحلام ولا يصلون إلى قصور الحكم؟ (1-3)
هنا تظهر إحدى مشكلات اليسار الشعبي: القدرة على إشعال الحماس ليست دائمًا هي القدرة نفسها على تكوين التحالف الانتخابي الواسع والمستقر المطلوب للحكم.

صورة تعبيرية للدراسة
مرشحوا اليسار الشعبوي والشباب وحلم الفقراء
جيهان منصور- من واشنطن
من القاهرة الى واشنطن مروراً بباريس وصولاً الى لندن، يبدو ان اليسار الاشتراكي الشعبوي ظاهرة تتكرر في السياسة عبر قارات ولغات وأنظمة حكم لا تكاد تشبه بعضها بعضا:
في مصر، خرج حمدين صباحي من انتخابات الرئاسة عام 2012 بنحو 4.8 مليون صوت، وحل ثالثًا بنسبة 20.7 في المئة، متأخرًا بفارق محدود عن أحمد شفيق الذي انتقل إلى جولة الإعادة مع محمد مرسي.
كانت المفاجأة أن المرشح التيار الشعبي الذي لم يمتلك التنظيم الهائل لجماعة الإخوان المسلمين ولا شبكة الدولة القديمة استطاع أن يتصدر التصويت في عدد من المناطق ويصبح فجأة رقمًا صعبًا في أول انتخابات رئاسية بعد ثورة يناير.
أحمد النقر: في انتخابات 2014 حمدين صباحي قبل خوضها لإثبات وجود بديل مدني
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي في واشنطن
ظهر رجل في السبعينيات من عمره، بشعر أبيض منفوش ولهجة بروكلين واضحة، يصف نفسه بلا تردد بأنه «اشتراكي ديمقراطي»
ويتحدث عن أصحاب المليارات كما لو كان يخوض معركة انتخابية من زمن آخر. كان Bernie Sanders بيرني ساندرز.
لم يصبح ساندرز رئيسًا للولايات المتحدة، ولم يحصل حتى على ترشيح الحزب الديمقراطي.
لكنه استطاع في حملتي 2016 و2020 أن يحول أفكارًا كانت توضع سابقًا على يسار السياسة الأميركية إلى موضوعات مركزية في النقاش الوطني:
الرعاية الصحية للجميع، الحد الأدنى للأجور، ديون الطلاب، قوة النقابات، الضرائب على الأثرياء، والنفوذ السياسي للشركات الكبرى.
ولم تكن الحركة مجرد ضجيج على وسائل التواصل الاجتماعي.
تكشف بيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية أن حملته في دورة 2016 جمعت أكثر من 230 مليون دولار من مساهمات الأفراد حتى نهاية يونيو/حزيران 2016، بينما جاءت الغالبية الساحقة من أموال حملته الرئاسية التالية أيضًا من مساهمات الأفراد.
رجلان يفصل بينهما المحيط الأطلسي، واللغة، والدين، والعمر السياسي للنظام الذي يعمل كل منهما داخله، ومع ذلك، هناك شيء مألوف بصورة مدهشة في القصتين.
ثم تنظر إلى فرنسا فتجد Jean-Luc Mélenchon جان لوك ميلانشون.
وفي بريطانيا تجد Jeremy Corbyn جيريمي كوربن.
وهنا تتوقف المقارنة عن كونها مصادفة بين صباحي وساندرز.
وتصبح سؤالًا عن اليسار المعاصر نفسه.
صباحي.. «واحد مننا»
ربما كانت انتخابات 2012 أهم لحظة في الحياة السياسية لحمدين صباحي.
كان المشهد المصري منقسمًا بين قوى هائلة: جماعة الإخوان المسلمين بقدرتها التنظيمية التاريخية.
وأحمد شفيق ممثلًا لقطاع واسع يخشى الثورة والفوضى ويريد الدولة القديمة.
وعبد المنعم أبو الفتوح الذي حاول بناء مساحة بين الإسلاميين والليبراليين.
وعمرو موسى بخبرته الطويلة وشهرته.
وسط هؤلاء جاء صباحي بخطاب مختلف.
ناصري يتحدث عن العدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني، وعن الفلاح والعامل والفقراء والطلاب والشباب، ويرفع شعار «واحد مننا»
ثم حدث ما لم تتوقعه حسابات كثيرة.
حصل صباحي على 20.7 في المئة من الأصوات، مقابل 24.8 في المئة لمحمد مرسي و23.7 في المئة لأحمد شفيق.
أي أن أقل من ثلاث نقاط مئوية فصلته عن المركز الثاني وجولة الإعادة.
وأشار تحليل لنتائج الانتخابات إلى أن الأداء القوي لصباحي أظهر استمرار جاذبية الرسالة الناصرية واليسارية، خصوصًا لدى قطاعات من الطبقة العاملة والشباب.
لم يصل «واحد مننا» إلى قصر الاتحادية.
لكنه أثبت أن ملايين المصريين كانوا يبحثون عن خيار ثالث بين الإسلام السياسي والدولة القديمة.
ساندرز.. ثورة سياسية بلا رئيس
بعد أربعة أعوام تقريبًا، كانت أميركا تشاهد ظاهرة تبدو مختلفة تمامًا في الشكل وقريبة بصورة غريبة في الجوهر.
ساندرز لم يقل للناخب الأميركي «واحد منكم»، لكنه بنى خطابه كله تقريبًا حول الفكرة نفسها.
كان يقول للأميركي الذي يعمل ولا يستطيع دفع تكاليف العلاج، وللطالب المثقل بالديون، وللعامل الذي يرى راتبه ثابتًا بينما تتضخم ثروات المليارديرات: النظام الاقتصادي لا يعمل من أجلك.
ولذلك لم يقدم حملته باعتبارها حملة رجل يريد وظيفة الرئيس فحسب، بل سماها ثورة سياسية.
وهنا تكمن إحدى أهم سمات هذا النوع من المرشحين.
إنهم لا يبيعون للناخب مجرد برنامج حكومي.
إنهم يمنحونه تفسيرًا لمعاناته.
أنت لا تعاني لأنك فشلت فرديًا، تقول الرسالة، هناك خلل في توزيع القوة والثروة والفرص.
وهذه الرسالة تستطيع أن تنتج شيئًا أقوى من التأييد الانتخابي:
الانتماء إلى قضية، لكن القضية لا تضمن الفوز.
ساندرز هدد هيمنة هيلاري كلينتون على سباق الديمقراطيين في 2016، ثم عاد في 2020، واقترب مرة أخرى قبل أن تتجمع غالبية الحزب حول جو بايدن.
فشل في الوصول إلى البيت الأبيض، لكن بعض اللغة التي حملها انتقلت من الهامش إلى قلب الحزب الديمقراطي.
ساهمت في انتشار الفكر اليساري الشعبي الاشتراكي في جيل جديد من السياسيين الامريكيين امثال النائب في مجلس النواب اليكساندرا كورتيس وعمدة نيويورك زهران ممداني الذي ساهم ساندرز في حملته الانتخابية وحشد الدعم لنجاحه.
وهذه إحدى مفارقات اليسار الحديث: قد يخسر المرشح بينما تربح بعض أفكاره.
ميلانشون.. 421 ألف صوت تقريبًا بين الحلم والجولة الثانية
إذا كان صباحي قد اقترب في القاهرة وساندرز قد هدد المؤسسة الديمقراطية في واشنطن، فإن فرنسا قدمت واحدة من أكثر الحالات درامية.
في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية عام 2022، حصل ميلانشون على 7,712,520 صوتًا، أي 21.95 في المئة.
حصل إيمانويل ماكرون على 27.85 في المئة، ومارين لوبان على 23.15 في المئة.
أي أن نحو 421 ألف صوت فقط فصلت ميلانشون عن لوبان وعن الانتقال إلى الجولة الثانية في انتخابات شارك فيها أكثر من 35 مليون ناخب بأصوات صحيحة.
سبعة ملايين وسبعمئة ألف فرنسي تقريبًا.
ومع ذلك، لم يصل لقصر الإليزيه.
ومثل ساندرز، استطاع ميلانشون أن يجذب قطاعات من الشباب والناخبين الساخطين على النظام الاقتصادي والسياسي، وأن يقدم يسارًا أكثر تحديًا للمؤسسة التقليدية من يسار الوسط الأوروبي.
ومثل صباحي، كان عليه أن ينافس ليس اليمين فقط، وإنما قوى أخرى تتقاسم معه أصوات المعترضين على الوضع القائم.
مرة أخرى نجد اليسار قادرًا على تكوين كتلة ضخمة.
لكن الكتلة الضخمة ليست بالضرورة أغلبية.
كوربن.. 40 في المئة ولم يدخل داونينغ ستريت
بريطانيا تقدم اختبارًا مختلفًا للفكرة؛ فهي ليست جمهورية رئاسية أصلًا.
لا يوجد قصر رئاسي ينتظر كوربن، وإنما الرقم 10 في داونينغ ستريت.
لكن النتيجة تجعل المقارنة أكثر أهمية، لا أقل.
في الانتخابات العامة عام 2017، قاد كوربن حزب العمال إلى 40 في المئة من الأصوات و262 مقعدًا، ارتفاعًا من 30.4 في المئة و232 مقعدًا في انتخابات 2015.
أما المحافظون فحصلوا على 42.3 في المئة و317 مقعدًا، وفقدوا أغلبيتهم البرلمانية المطلقة.
كان شعار كوربن شديد البساطة:
For the Many, Not the Few.
من أجل الكثيرين، لا القلة.
يمكن تقريبًا وضع العبارة تحت صورة ساندرز أو صباحي أو ميلانشون دون أن تبدو غريبة.
ومع ذلك، لم يصبح كوربن رئيسًا للوزراء.
وفي انتخابات 2019 تلقى حزب العمال تحت قيادته هزيمة قاسية.
وهنا تظهر إحدى مشكلات اليسار الشعبي:
القدرة على إشعال الحماس ليست دائمًا هي القدرة نفسها على تكوين التحالف الانتخابي الواسع والمستقر المطلوب للحكم.
مسلم ويهودي وخلفيات مسيحية وعلمانية.. لكن السؤال واحد.
ربما يكون التنوع بين الرجال الأربعة هو أكثر ما يجعل التشابه بينهم لافتًا.
صباحي مصري عربي مسلم، تشكل سياسيًا داخل الناصرية والقومية العربية.
ساندرز أميركي يهودي، ابن مهاجر يهودي من بولندا، تشكل داخل تقاليد اليسار والاشتراكية الديمقراطية الأميركية.
كوربن بريطاني خرج من تقاليد اليسار العمالي، بينما يمثل ميلانشون تقليدًا فرنسيًا مختلفًا يقوم بقوة على الجمهورية والعلمانية.
ليست عقائدهم الدينية هي التي تفسر سياساتهم، ولا ينبغي اختزالهم فيها.
بل تكمن المفارقة في العكس.
أديان وثقافات وتواريخ قومية مختلفة، لكن مفردات سياسية تتكرر:
العامل، الفقير، الحد الأدنى للأجور، الخدمات العامة، الرعاية الصحية، التعليم، الشباب، الضرائب، النقابات، تركّز الثروة، ونفوذ أصحاب المال.
فإذا ظهر النمط نفسه لدى سياسيين خرجوا من مجتمعات مختلفة إلى هذه الدرجة، يصبح من الصعب تفسير الظاهرة بشخصية المرشح وحدها.
في الجزء الثاني تستعرض الإعلامية المصرية موقف الأربعة من قضايا عديدة في العالم أولها فلسطين






