منى شماخ تكتب: حين تتحول الحلول إلى فواتير إضافية
لم يعد مستغربًا أن نستيقظ كل يوم على تصريح برلماني يثير الدهشة أكثر مما يقدّم حلولًا. في بلد تتراكم فيه الأزمات المعيشية على المواطن، يبدو أن بعض ممثليه في البرلمان قرروا أن الطريق الأقصر للإصلاح هو… الغرامة.

صورة من وحي المقال
يبدو أننا دخلنا مرحلة جديدة من الاجتهاد التشريعي:
كلما استعصت مشكلة، يصبح الحل الأسهل هو: غرامة جديدة، أو رسم إضافي، أو اقتراح يختبر قدرة المواطن على التحمّل أكثر مما يعالج أصل الأزمة.
لم يعد مستغربًا أن نستيقظ كل يوم على تصريح برلماني يثير الدهشة أكثر مما يقدّم حلولًا. في بلد تتراكم فيه الأزمات المعيشية على المواطن، يبدو أن بعض ممثليه في البرلمان قرروا أن الطريق الأقصر للإصلاح هو… الغرامة.
اقتراحات تتوالى، وغرامات تتضخم
نائبة تقترح إعفاءً جمركيًا على الهواتف مقابل تحويل 5000 دولار سنويًا من الخارج.
كأن حق استخدام هاتف أصبح امتيازًا مشروطًا بالقدرة على ضخ عملة صعبة، في مقايضة غير متكافئة لا تناسب شريحة واسعة من المغتربين.
كما يضيف تعقيدًا إداريًا ويخلق تمييزًا بين من يستطيع التحويل ومن لا يستطيع، فضلًا عن أنه يحوّل استخدام جهاز شخصي إلى التزام مالي سنوي، دون معالجة حقيقية للمشكلة.
مقترح يشدد عقوبة الاعتداء على الوالدين لتصل إلى الحبس من 5 إلى 10 سنوات، وغرامة قد تبلغ مليون جنيه في حالة التكرار، مع تنفيذ الحكم حتى في حال التنازل.
وبين أهمية الردع، يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن فرض الأخلاق عبر الجباية والعقاب؟
وهل تصبح الغرامة بديلاً عن غرس القيم؟
ولماذا نخلط بين وظيفة القانون في الردع وتنظيم السلوك، وبين بناء السلوك الإنساني الذي لا يُصاغ بالغرامة وحدها؟
اقتراحات التبرع بالمليون
أما الحل السريع لأزمة الديون، فجاء في اقتراح يدعو كل قادر للتبرع بمليون جنيه لسداد ديون مصر الخارجية خلال شهر، تصور يبدو أقرب للأمنيات منه إلى السياسات الاقتصادية.
في ملف مختلف، يُطرح تحميل المواطنين 30 جنيهًا إضافية على فاتورة الكهرباء لتمويل مواجهة الكلاب الضالة، وكأن كل أزمة لها فاتورة جاهزة تنتظر من يسددها.
المشترك بين هذه المقترحات ليس فقط غرابتها، بل اعتمادها على منطق واحد: أن المواطن هو المورد الأسهل، والأسرع، وربما الوحيد.
لكن الحقيقة أن الأزمات لا تُحل بالغرامات وحدها، ولا بالرسوم المتراكمة، بل بسياسات تفهم جذور المشكلة وتتعامل معها بجدية وعدالة.
زلزال الهوية في الكويت (أبريل الأسود)
إبراهيم خالد يكتب : مدبولي يروّج للنجاح والشعب يغرق
الانتحار صرخة مجتمع (4) : ازدواجية الرحمة
(ياظالمني) قصة قصيرة لمنى شماخ
فرض الغرامات ليس حلا
فرض الغرامات الضخمة لم ولن يصبح حلًا حقيقيًا، يجب النظر إلى الجذور الاقتصادية والاجتماعية للمشكلات. فالمقترحات التي تتعامل مع النتائج وتُهمل الأسباب لا يمكن أن تقدم حلولًا مستدامة، بل تعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.
فعندما تصبح الغرامات الباهظة هي الاستجابة الجاهزة لمشكلات مصدرها الفقر، أو ضعف الخدمات، أو غياب البدائل، فنحن لا نعالج المشكلة بقدر ما نُحمّل كلفتها لضحاياها.
الأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الاقتراحات تُطرح دون دراسة كافية لتأثيرها الاجتماعي، أو تقدير واقعي لقدرة المواطنين على التحمل، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية بشكل ملحوظ.
تراجع مقترحات تحسين الخدمات
في المقابل، تتراجع أو تغيب المقترحات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر: تحسين جودة الخدمات، دعم الفئات الأكثر احتياجًا، أو تقديم حلول مبتكرة لمشكلات مزمنة.
يبقى السؤال الجوهري: هل الهدف من التشريع هو تنظيم الحياة بما يخدم الناس، أم مجرد إضافة مزيد من الأعباء عليهم؟
المواطن لا يحتاج إلى مزيد من العقوبات، بقدر ما يحتاج إلى سياسات عادلة، وفرص حقيقية، وإحساس بأن من يمثله يفكر في تحسين حياته لا في تحميله كلفة الأخطاء والأزمات.







