ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفراغ (7)
فرّقت الأسرة كما تفرّقت البلاد , صفية فركاش ، زوجته، خرجت إلى المنفى، متنقلة بين بلدان، تحمل لقب “أرملة القذافي” أكثر مما تحمل وطنًا

7- من سرت _ الجفرة إلى الانسداد
هدنة بلا سلام وذاكرة بلا عدالة
بقلم د. محمد فؤاد
حين سكتت المدافع حول طرابلس في صيف 2020، لم يكن الصمت علامة نهاية، بل تحوّلًا في شكل الحرب , المدينة التي نجت من السقوط لم تستعد حياتها، والبلد الذي توقّف عن القتال لم يدخل السلام.
انتقل الصراع شرقًا، إلى عقدة جغرافية وسياسية اسمها سرت–الجفرة، حيث تتقاطع الطرق والخرائط والمصالح، وحيث كادت ليبيا أن تنزلق إلى مواجهة إقليمية مباشرة.. سرت، المدينة التي دفنت القذافي قبل سنوات، عادت فجأة إلى الواجهة لا بوصفها رمزًا فقط، بل خط تماس.
وعلى مسافة غير بعيدة، في الجفرة، تمركزت قواعد وسلاح ومرتزقة، كأن الصحراء نفسها صارت منصة انتظار لحرب مؤجلة , حين أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن سرت–الجفرة “خط أحمر”، فهم الليبيون الرسالة جيدًا: الحرب لم تعد داخلية بالكامل، وحدود مصر الغربية باتت جزءًا من حسابات المعركة.
في تلك اللحظة الحرجة، تحرّكت الدبلوماسية على وقع الخوف من انفجار إقليمي , وُلدت لجنة 5+5 العسكرية – خمسة ضباط من كل معسكر – كمحاولة أخيرة لوقف الانزلاق , جلس رجال السلاح إلى الطاولة، لا لأنهم اقتنعوا بالسلام، بل لأن كلفة الحرب صارت أعلى من قدرتهم على الاحتمال.
في أكتوبر 2020، أُعلن وقف إطلاق النار , توقفت المعارك الكبرى، لكن البنادق لم تُسلَّم، والمرتزقة لم يغادروا، والخرائط بقيت كما هي: انقسام مجمّد.
ثم جاء مسار جنيف محمّلًا بوعد السياسة بعد عجز السلاح , حوارات طويلة، أسماء كثيرة، وصياغات لغوية دقيقة , وفي فبراير 2021، خرج الليبيون بخبر بدا، للحظة، كأنه نافذة: حكومة وحدة وطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة ، ومجلس رئاسي جديد، ومهمة واضحة: توحيد المؤسسات وقيادة البلاد إلى انتخابات في ديسمبر من العام نفسه.

استقبل الناس الخبر بفرح حذر , بعد سنوات من القصف والنزوح، تعلّم الليبيون ألا يثقوا سريعًا.
ومع ذلك، عاد الأمل إلى البيوت: رواتب تُدفع بانتظام نسبي، حركة مطارات، حديث عن مشاريع، وإحساس بأن الدولة -ولو مؤقتًا- تحاول الوقوف، لكن تحت هذا السطح، كانت الألغام السياسية تنتظر , الخلافات حول القوانين الانتخابية، شروط الترشّح، صلاحيات المؤسسات، ومن يملك حق الاعتراض، تحوّلت إلى متاهة.
وحين اقترب موعد ديسمبر 2021، كان واضحًا أن الانتخابات لن تُجرى , لم يكن السبب تقنيًا فقط، بل صراعًا قديمًا عاد بثوب جديد: من يحكم الآن؟ ومن يضمن ألّا يخسر غدًا؟
تعطّلت الانتخابات، وسقطت معها آخر فرصة إجماع وطني واسع , عاد الانقسام، لكن هذه المرة بلا مدافع ظاهرة , حكومتان، شرعيتان، ومشهد سياسي يدور في المكان نفسه، بينما الناس تدور في دوائر التعب , في هذه الأثناء، كانت ذاكرة ليبيا تُعيد فتح جراح لم تُغلق , ليس فقط ذاكرة المدن المدمّرة، بل ذاكرة العائلة التي سقطت معها الدولة: أسرة معمر القذافي.
بعد 2011، تفرّقت الأسرة كما تفرّقت البلاد , صفية فركاش ، زوجته، خرجت إلى المنفى، متنقلة بين بلدان، تحمل لقب “أرملة القذافي” أكثر مما تحمل وطنًا.
عائشة القذافي، التي كانت يومًا صوت ليبيا في المحافل الدولية، وجدت نفسها خارج المشهد، محاصَرة بالسياسة والذاكرة.
المعتصم قُتل في سرت، في المشهد نفسه الذي قُتل فيه والده.
سيف العرب قُتل تحت القصف في طرابلس عام 2011.
سعدي ، الذي تنقّل بين المنفى والسجن، عاد إلى ليبيا بعد سنوات من الاعتقال في الخارج، بلا دور واضح، وبلا صفحة جديدة.
هنيبعل أُفرِج عنه في نوفمبر الماضي بعد عشر سنوات من سجنه في لبنان، في خطوة أنهت احتجازه لكنّها لم تُنهِ مسار قضيته , وجاء الإفراج بكفالة خُفّضت من 11 مليون دولار إلى نحو 900 ألف دولار، مع رفع منع السفر عنه، على أن يغادر لبنان خلال فترة قصيرة إلى وجهة لم تُحدَّد ، وسط معلومات عن استعداد دول عدة لاستقباله، من بينها تركيا وجنوب أفريقيا ومصر وسلطنة عُمان.

أما سيف الإسلام الاسم الذي ظلّ حاضرًا رغم الغياب، فبقي رمزًا متنازعًا عليه: لبعض الليبيين، صفحة من الماضي يجب ألا تعود , ولآخرين، تعبيرًا عن حنين إلى دولة ضاعت، لا إلى رجل فقط.
مصير هذه الأسرة لم يكن قصة عائلية، بل مرآة لليبيا نفسها : تفكك، منفى، سجون، أسماء بلا عدالة فاصلة، وماضٍ لم يُحاكم بالكامل .. وبين سرت–الجفرة، وجنيف، وحكومة الوحدة التي تعثّرت، وأسرة سقطت مع الدولة، عاد السؤال الكبير يفرض نفسه:
هل يمكن بناء مستقبل على ذاكرة غير مُصفّاة؟
وهل يمكن لبلدٍ لم يُحاسِب قتلة مدنه، ولم يُنصِف ضحاياه، أن يذهب إلى انتخابات حقيقية؟
مع مرور الوقت، تحوّل وقف النار إلى إدارة للأزمة لا حلًّا لها , المرتزقة بقوا، التدخلات الإقليمية لم تتراجع، والمؤسسات لم تتوحّد .. البلد يعيش هدنة طويلة، لكن القلق لا يغادره.

وهنا، تنتهي هذه الحلقة عند لحظة الانسداد الكامل، لتترك القارئ أمام أسئلة لا تزال تبحث عن شجاعة الإجابة:
• هل كانت سرت – الجفرة نهاية الحرب… أم بدايتها المؤجلة؟
• هل فشلت لجنة 5+5 لأنها كانت عسكرية في جوهر أزمة سياسية؟
• هل كان مسار جنيف فرصة أُهدرت، أم سقفًا لا يمكن تجاوزه في بلد ممزق؟
• وهل تستطيع ليبيا أن تذهب إلى انتخابات من دون عدالة انتقالية تُغلق جراح 2011 وما بعدها؟
• وماذا يعني أن يكبر جيل كامل بين هدنة بلا سلام، وذاكرة بلا مصالحة؟
في الحلقة الثامنة، نقترب أكثر من الحاضر:
كيف تعيش ليبيا اليوم داخل هذا الانسداد؟
ولماذا صار الاستقرار المؤقت أخطر من الحرب أحيانًا؟
القصة مستمرة…
لكن الوقت، هذه المرة، ليس في صالح أحد.
رابط المقال المختصر:






