معتز منصور يكتب: حافة التوازن المتصدع
ما يجري في الإقليم لم يعد قابلاً للقراءة كحركة صراع تقليدية بين أطراف تتبادل الضربات ضمن قواعد مستقرة، ولا كمرحلة توتر عابرة يمكن احتواؤها عبر التهدئة الدبلوماسية

صوة تعبيرية للمقال
ما يجري في الإقليم لم يعد قابلاً للقراءة كحركة صراع تقليدية بين أطراف تتبادل الضربات ضمن قواعد مستقرة، ولا كمرحلة توتر عابرة يمكن احتواؤها عبر التهدئة الدبلوماسية. ما يتشكل فعلياً هو نظام معقد لإدارة التصعيد، حيث تتحول الحرب من حدث محتمل إلى حالة مستمرة تُضبط إيقاعاتها دون أن تتوقف، وتُختبر حدودها دون أن تُكسر بالكامل.
في هذا النوع من الأنظمة، لا يعود السؤال من يربح أو من يخسر، بل كيف يُدار مستوى التوازن، وما هي الإشارات التي تعني الاقتراب من الانفلات، وما هي الآليات التي تمنع التحول إلى حرب شاملة. هنا تحديداً تظهر أهمية التفريق بين “معايير الضبط” و“مؤشرات الانزلاق”، لأن الخلط بينهما هو ما يؤدي إلى سوء تقدير استراتيجي متكرر.
معايير الضبط هي الأطر الصامتة التي تتحرك داخلها الأطراف الفاعلة، وتحدد سقف الممكن دون إعلان مباشر. ليست قواعد مكتوبة، لكنها خطوط غير مرئية تُستنتج من تراكم السلوك العسكري والسياسي. هذه المعايير تشمل حدود استهداف معينة، طبيعة الردود الممكنة، وسقف التصعيد المقبول دون دفع النظام كله إلى الانهيار. بمعنى آخر، هي ما يجعل الصراع قابلاً للاستمرار دون أن يتحول إلى فوضى شاملة.
في المقابل، مؤشرات الانزلاق ليست قواعد، بل إشارات تآكل داخل هذا الإطار. هي اللحظات التي تبدأ فيها معايير الضبط بفقدان فعاليتها التدريجية. تظهر في توسع غير معتاد في نطاق الأهداف، أو في تداخل الجبهات بشكل يفقدها استقلاليتها النسبية، أو في انتقال الردود من المستوى المحسوب إلى المستوى التراكمي غير المضبوط. هذه المؤشرات لا تعني أن الانفجار الشامل حدث، لكنها تعني أن القدرة على منعه تتراجع.
الخطورة في هذا النوع من الصراعات لا تأتي من غياب القواعد، بل من كون هذه القواعد غير مرئية وغير مستقرة. فهي ليست معاهدات، بل توازنات قوة يتم اختبارها باستمرار. وكل اختبار ناجح يعيد تثبيت القاعدة، وكل اختبار فاشل يفتح ثغرة جديدة في بنيتها.
في هذا السياق، تتحرك الجبهات الإقليمية كحلقة واحدة مترابطة، لا كمجموعة ساحات منفصلة. لبنان، العراق، اليمن، وساحات أخرى، لا تعمل كملفات مستقلة، بل كمساحات اختبار متزامنة لمعادلة الردع. لبنان هنا لا يُقرأ فقط كساحة مواجهة مباشرة، بل كمعيار ضبط لتوازن الردع الإقليمي، حيث يُقاس من خلاله مدى قدرة الأطراف على التحكم بحدود الاشتباك المباشر. العراق يعمل كمنطقة استنزاف منخفض الكلفة، تسمح بتمرير الرسائل دون كسر الإطار العام. اليمن يشكل نقطة ضغط على الممرات الاقتصادية العالمية، بما يربط الجغرافيا العسكرية بالجغرافيا الاقتصادية بشكل مباشر.

هذه الجبهات مجتمعة تشكل ما يمكن تسميته بنظام “الاختبار المتبادل للحدود”، حيث لا يتم الصراع في نقطة واحدة، بل يتم توزيعه على نقاط متعددة بهدف قياس قدرة النظام ككل على الامتصاص.
أما البعد الاقتصادي، فهو لم يعد نتيجة جانبية، بل جزء من معايير الضبط نفسها. أسواق الطاقة، حركة الشحن، واستقرار سلاسل الإمداد، كلها أصبحت جزءاً من بنية الردع غير المباشر. لكن في الوقت نفسه، تتحول هذه العناصر إلى مؤشرات انزلاق عندما تبدأ في فقدان قدرتها على امتصاص الصدمات. أي أن الاقتصاد هنا لا يعكس فقط نتائج الصراع، بل يشارك في تحديد سقفه.
في هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن استقرار أو انهيار كخيارين منفصلين. ما يوجد هو منطقة وسطى دائمة، تُدار فيها الصراعات عبر إعادة تعريف مستمر لمستوى العتبة. هذه المنطقة الوسطى هي ما يمكن تسميته “الاستقرار المشروط بالتوتر”، حيث يصبح التوازن نفسه عملية نشطة وليس حالة ثابتة.
المفارقة الأساسية في هذا النظام أن كل طرف يعتقد أنه يتحكم في معايير الضبط، بينما هو في الواقع يخضع لتفاعلها مع الأطراف الأخرى. الولايات المتحدة تحاول إدارة سقف التصعيد عبر أدواتها العسكرية والسياسية، لكنها تصطدم بقدرة الأطراف الأخرى على خلق مؤشرات انزلاق متدرجة. إسرائيل تحاول تحويل التفوق العسكري إلى معادلة ردع مستقرة، لكنها تجد نفسها داخل بيئة استنزاف لا تسمح بتثبيت هذا التفوق بشكل نهائي. إيران، في المقابل، لا تسعى إلى كسر المعايير بالكامل، بل إلى إبقاء النظام في حالة اختبار دائم يمنع تثبيت معادلة حسم ضدها.
الخطر الحقيقي في هذا النوع من البنى ليس في الانفجار المفاجئ، بل في التآكل البطيء لمعايير الضبط نفسها. لأن انهيار هذه المعايير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر سلسلة من الانزلاقات الصغيرة التي تبدو في كل مرة قابلة للاحتواء، لكنها في مجموعها تعيد تشكيل النظام بالكامل.
وهنا تحديداً تكمن حساسية المرحلة: ليست في السؤال عما إذا كانت الحرب ستشتعل ، بل في مدى قدرة النظام على الاستمرار في إنتاج معايير ضبط قابلة للاشتغال، دون أن تتحول مؤشرات الانزلاق إلى حالة دائمة.
في النهاية، ما يتشكل ليس توازناً مستقراً ولا حرباً شاملة، بل نظام صراع مفتوح يُدار عبر التوتر نفسه. نظام لا يُحسم، ولا ينهار، لكنه يعيد تعريف حدوده باستمرار على وقع اختبار دائم للقدرة على السيطرة.






