معتز منصور يكتب: الأزهر بين الحق وحسابات الحلفاء
لأن الأزهر ليس مؤسسة عادية، فإن الناس لا تنظر إلى بيانه باعتباره خبرا عابرا. هناك من يبحث فيه عن ميزان، عن كلمة يشعر معها أن الدم واحد، وأن السيادة ليست امتيازا تمنحه السياسة لبعض الدول وتحجبه عن دول أخرى.
الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف
نأمل من الإمام الأكبر أن ينأى بالأزهر عن فتن الواقع السياسي، لا لأن الأزهر يجب أن يصمت، وإنما لأن مكانته تفرض عليه أن يتكلم حين يكون للكلام معنى، وأن يصمت حين يخشى أن يتحول كلامه إلى جزء من خصومة بين أنظمة.
نحن لا نطلب من الأزهر أن يدافع عن إيران، ولا أن يبرر لها شيئا، ولا أن ينحاز إلى هذا الطرف أو ذاك. المسألة أبسط من ذلك، وأصعب في الوقت نفسه. نريد فقط أن يكون المعيار واحدا.
إذا كان قتل المدنيين جريمة، فهو جريمة أيا كان القاتل. وإذا كان انتهاك سيادة الدول مرفوضا، فلا ينبغي أن يصبح مقبولا عندما يأتي من حليف، أو عندما تكون خلفه دولة كبرى. وإذا كان ضرب بلد عربي يستوجب الإدانة، فمن حق الناس أن تسأل أيضا عن الذين فتحوا أراضيهم وأجواءهم وقواعدهم أمام قوى أجنبية تضرب من خلالها بلدا وشعبا آخرين.
هذا السؤال ليس طائفيا، ولا علاقة له بسنة وشيعة. ومن المؤسف أصلا أن نصل كل مرة إلى هذه النقطة وكأن المطلوب من العربي أن يختار بين طائفتين، بينما الذي يجري في الحقيقة صراع على الأرض والنفوذ والقرار، والشعوب هي التي تدفع الثمن.
نحن نعرف أن السياسة قذرة، وأن الدول لا تتحرك دائما بدافع المبادئ، وأن لكل دولة مصالحها وحساباتها. لكن الأزهر ليس دولة، ولا ينبغي أن يتعامل بمنطق الدولة حين يتحدث باسم الدين.
قد يكون من السهل أن تدين الطرف الذي يهاجم حليفا أو دولة عربية، لكن الأصعب أن تنظر إلى الصورة كلها، وأن تسأل أيضا: من فتح الباب؟ من وفر الأرض؟ من استدعى الأجنبي؟ من جعل بلده جزءا من حرب ليست حرب شعبه؟ ومن يدفع في النهاية ثمن هذه الحسابات؟
ليس مطلوبا من شيخ الأزهر أن يدخل في مواجهة مع أحد، ولا أن يسمي دولة بعينها كل مرة. لكن الناس تلاحظ، والناس تفهم. تلاحظ أين يكون الصوت واضحا، وأين يصبح الكلام عاما، وأين تكون الإدانة صريحة، وأين تختبئ المسؤولية خلف عبارات من نوع ضبط النفس والحوار والسلام.
وهنا يصبح الصمت نفسه قابلا للتفسير.
ولأن الأزهر ليس مؤسسة عادية، فإن الناس لا تنظر إلى بيانه باعتباره خبرا عابرا. هناك من يبحث فيه عن ميزان، عن كلمة يشعر معها أن الدم واحد، وأن السيادة ليست امتيازا تمنحه السياسة لبعض الدول وتحجبه عن دول أخرى.
ولا أظن أن أحدا يريد من الأزهر أن يساوي بين كل الأطراف في المسؤولية. العدالة لا تعني ذلك أصلا. قد يكون طرف أكثر مسؤولية من طرف، وقد يكون أحدهما بدأ وآخر رد، وقد تختلف الجرائم في حجمها وطبيعتها. لكن الوصول إلى ذلك الحكم يحتاج إلى النظر في المشهد كله، لا إلى إدانة طرف ثم إغلاق الملف.
الأزهر أقدم من هذه الأنظمة كلها، وأبقى من خرائط التحالفات التي تتغير كل يوم. ولذلك من المؤلم أن يشعر الناس أحيانا أن المؤسسة التي يفترض أن تكون فوق الخصومات تبدو وكأنها تتحرك داخلها.
لا نريد من الإمام الأكبر موقفا مع إيران ضد الخليج، ولا مع الخليج ضد إيران. نريد منه موقفا مع الإنسان، مع الدم، مع حرمة البلاد، ومع الحق، حتى لو كان قول ذلك يزعج حليفا أو يغضب سلطة أو لا ينسجم مع حسابات اللحظة.
فالناس لا تحتاج إلى شيخ إضافي في معركة سياسية.
الناس تحتاج إلى أزهري يقول لهم إن الحرام لا يصبح حلالا لأن فاعله حليف، وإن العدوان لا يتغير اسمه بتغير العلم المرفوع فوق الطائرات.
هذا كل ما نطلبه.
أن يبقى الأزهر أزهرا، لا طرفا آخر في خناقة طويلة، يدفع ثمنها في النهاية أناس لا يملكون لا قرار الحرب ولا قرار السلام.
شاركنا برأيك