معتز منصور يكتب: أبوظبي والشرارة المؤجلة هل تُصنع ذريعة لحرب جديدة؟
بوظبي في هذه الصورة ليست مجرد مكان للزيارة. الإمارات أقامت منذ سنوات علاقة علنية مع الكيان، وأصبحت قناة اتصال مباشرة بين تل أبيب ودوائر عربية ودولية متعددة. والرياض، حتى مع اختلاف وضعها الرسمي عن أبوظبي، تقع في قلب المعادلة الجغرافية والسياسية نفسها.
طائرة دبي فلاي هل هي مسرحية أم مؤمراة إسرائيلية
ليس من الحكمة أن نتعامل مع ما يجري الآن باعتباره سلسلة مصادفات لا رابط بينها، كما أن القفز مباشرة إلى القول إن هناك مؤامرة مكتملة الأركان سيكون استسهالًا لا يخدم الفكرة.
ما يلفت النظر ليس حادثًا واحدًا، وإنما التوقيت الذي تجمعت فيه عدة وقائع حول تل أبيب وأبوظبي والرياض، وفي قلبها بنيامين نتنياهو الذي يخوض معركة سياسية لا تبدو منفصلة عن حاجته الدائمة إلى إبقاء إسرائيل في حالة تعبئة أمنية.
زيارة نتنياهو إلى أبوظبي كانت البداية الأكثر إثارة. زيارة سرية، ثم تسريب إسرائيلي لتفاصيلها، ثم تأكيد إماراتي لوقوعها، وفي قلب الرواية المتداولة طلب نتنياهو من محمد بن زايد أن ينفي ما نشرته «هآرتس» عن تحذير إماراتي سابق من عملية كبيرة كانت تعد لها حماس قبل 7 أكتوبر 2023.
نتنياهو ينفي أن يكون هذا هو موضوع اللقاء، والرواية الإماراتية نفسها ليست حقيقة قضائية محسومة، لكن مجرد عودة هذا الملف إلى السطح الآن له دلالة سياسية واضحة.
فنتنياهو لا يعيش اليوم ظروف ما بعد 7 أكتوبر نفسها. لقد تحولت المسؤولية عن ذلك اليوم إلى معركة داخلية، وكل طرف يحاول إعادة ترتيب القصة بما يخدم موقعه. المؤسسة الأمنية متهمة بالفشل، والقيادة السياسية متهمة بأنها تجاهلت أو لم تتعامل مع التحذيرات، ونتنياهو نفسه يحاول منذ فترة نقل مركز النقاش من سؤال “من المسؤول؟” إلى سؤال: من كان يعرف؟ ومن أخفى المعلومات؟ ومن لم يوقظ رئيس الحكومة؟. ولذلك فإن رواية تحذير عربي وصل إلى رئيس الحكومة قبل الكارثة، إذا ثبتت، تحمل وزنًا سياسيًا لا يستهان به، وإذا أمكن نفيها فإنها تؤدي وظيفة معاكسة تمامًا.
المثير أن نتنياهو لا يكتفي بإعادة فتح ملفات الماضي، بل يدفع في الوقت نفسه بخطاب الخطر القادم.
تحذيرات من هجمات محتملة، حديث عن تهديدات جديدة، وإعادة تقديم إسرائيل أمام جمهورها باعتبارها محاصرة بأعداء ينتظرون الفرصة. وفي بيئة انتخابية، لا يحتاج السياسي إلى حرب كي يستفيد من الخوف، يكفي أحيانًا أن ينجح في جعل الأمن يتقدم على كل الأسئلة الأخرى.
لهذا لم يكن مشهد البيجر في الأمم المتحدة تفصيلًا عابرًا. نتنياهو حمل معه إلى المنصة الدولية جهازًا أصبح رمزًا لعملية أمنية إسرائيلية بالغة الجرأة ضد حزب الله، وكأنه يريد أن يقول إن اليد الإسرائيلية ما زالت قادرة على الوصول إلى الخصم في أكثر الأماكن حساسية، وأن الدولة التي استطاعت فعل ذلك ليست دولة تنتظر الخطر حتى يصل إليها.
من دبي إلى السعودية بدل تل أبيب.. ماذا جرى لطائرة «فلاي دبي»؟
ثم تأتي قصة طائرة فلاي دبي في توقيت يجعل من الصعب تجاهلها، وإن كان من الخطأ تحويلها فورًا إلى دليل على عملية مدبرة. الطائرة كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب، وقع داخلها اشتباك خطير بين أفراد طاقم القيادة، ثم هبطت في تبوك السعودية.
السلطات السعودية بدأت التحقيق، والرواية الإسرائيلية تحدثت عن محاولة اعتداء داخل قمرة القيادة، فيما قالت مصادر إن الواقعة لا تصنف كاختطاف. الحادث إذن موجود، أما تفسيره النهائي فما زال شأنًا للتحقيق.
لكن السياسة لا تتعامل مع الحوادث فقط وفق حقيقتها الأولى، وإنما وفق الطريقة التي يعاد بها تقديمها بعد وقوعها.
طائرة قادمة من الإمارات، تحمل عددًا كبيرًا من الإسرائيليين، تتعرض لحادث خطير، وتهبط في السعودية، في الوقت الذي تتصاعد فيه في إسرائيل لغة التحذير من أخطار أمنية قادمة.
هل كان الحادث مخططًا؟ لا دليل لدينا على ذلك. هل يمكن أن يتحول إلى مادة تخدم رواية أمنية جديدة؟ هذا احتمال قائم، وهنا تحديدًا ينبغي أن نراقب ما سيأتي بعد الحادث لا أن نستعجل الحكم على ما سبقه.
فالوقائع لا تحتاج إلى أن تكون كلها مصطنعة حتى تنتج في النهاية رواية مصطنعة. حادث حقيقي يمكن أن يوضع داخل سياق سياسي، وتسريب حقيقي يمكن أن يلتقي مع حملة انتخابية، وخلاف قديم يمكن إخراجه من الأرشيف في اللحظة المناسبة، ثم يبدأ الإعلام في جمع القطع حتى تبدو أمام الجمهور صورة واحدة: إسرائيل مهددة، أعداؤها يستعدون، والوقت لا يسمح بالانتظار.
هذه الطريقة في بناء المناخ أخطر أحيانًا من اختراع حادث من الصفر.
أبوظبي في هذه الصورة ليست مجرد مكان للزيارة. الإمارات أقامت منذ سنوات علاقة علنية مع الكيان، وأصبحت قناة اتصال مباشرة بين تل أبيب ودوائر عربية ودولية متعددة. والرياض، حتى مع اختلاف وضعها الرسمي عن أبوظبي، تقع في قلب المعادلة الجغرافية والسياسية نفسها.
لذلك فإن اجتماع الخيوط الثلاثة لا يثبت وجود تنسيق سري، لكنه يجعل المنطقة كلها جديرة بالمراقبة، خصوصًا إذا بدأت الرسائل الصادرة من العواصم الثلاث تتقارب في توصيف الخطر القادم.
المسألة الأكثر أهمية بالنسبة إلى نتنياهو هي أنه يحتاج إلى إعادة تعريف اللحظة السياسية.
كلما بقي الإسرائيليون أسرى سؤال 7 أكتوبر، بقي هو في موضع الدفاع، وكلما انتقل النقاش إلى سؤال التهديد الجديد، استعاد موقع الرجل الذي يقول للجمهور: انظروا إلى ما يحيط بكم، واتركوا الحساب إلى وقت آخر.
وهذه ليست فرضية غريبة في السياسة الإسرائيلية، فالأمن كان دائمًا أحد أقوى مفاتيح إعادة ترتيب الأولويات داخل المجتمع الإسرائيلي. الجديد أن نتنياهو يدخل هذه المرحلة وهو يحمل إرثًا ثقيلًا من 7 أكتوبر، ومعركة انتخابية تقترب، وحربًا طويلة استنزفت المجتمع والجيش، وملفات لم تغلق بعد مع لبنان وغزة وإيران وغيرها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي الآن ليس ما إذا كانت طائرة فلاي دبي “مسرحية”، ولا ما إذا كانت كل هذه الوقائع أجزاء من خطة واحدة.
السؤال الذي يستحق المتابعة هو ماذا سيحدث للرواية خلال الأيام المقبلة. هل ستبقى قصة الطائرة حادثًا جنائيًا يجري التحقيق فيه؟ هل سيظهر دليل جديد على تهديدات تستهدف إسرائيليين في الخارج؟
هل سيعود الحديث عن عمليات خطف أو هجمات مفاجئة؟ هل ستتزامن تلك الروايات مع معلومات أمنية جديدة عن لبنان أو إيران أو غزة؟ وهل سيجري استخدام كل ذلك لإعادة إنتاج صورة إسرائيل المحاصرة التي لا تملك إلا الضربة الاستباقية؟
إذا حدث هذا، فلن يكون مهمًا أن تكون كل حادثة قد دُبرت في الأصل داخل غرفة واحدة. يكفي أن تجد الوقائع طريقها إلى ماكينة سياسية تعرف كيف تحول الخوف إلى شرعية، والشرعية إلى قرار، والقرار إلى حرب.
ولذلك فإن أبوظبي ليست نهاية القصة، والطائرة ليست بالضرورة بدايتها. ما بينهما هو الذي يستحق النظر: من يفتح الملفات القديمة، ومن يضخم الخطر الجديد، ومن ينتظر اللحظة التي يصبح فيها الجمهور مستعدًا لسماع جملة واحدة فقط: لقد حذرناكم، ولم يكن أمامنا خيار آخر.
عندها فقط يمكن أن نعرف إن كانت هذه مجرد مصادفات ثقيلة الوطأة، أم أن أحدًا كان يجمع الحطب منذ وقت، وينتظر الشرارة.
شاركنا برأيك