مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (5) السلطان حسن والرفاعي

السلطان حسن يمثل ذروة العمارة المملوكية في القرن الرابع عشر، بينما جاء الرفاعي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين متأثرًا بالتراث الإسلامي السابق

مشاركة:
حجم الخط:

السلطان حسن والرفاعي حين تتعانق عظمة العمارة مع روح المكان.

هناك أماكن لا يكفي أن تراها بعينيك.

بل تحتاج أن تقف أمامها قليلًا، ترفع رأسك، وتصمت؛ لأن عظمة ما تراه أكبر من أن تختصرها الكلمات.

وهكذا هو المشهد أمام مسجد السلطان حسن ومسجد الرفاعي؛ تحفتان تتجاوران في قلب القاهرة، وبينهما أكثر من خمسة قرون من الزمن.

لكنهما يبدوان للناظر وكأنهما حوار معماري طويل بين عصرين، يجمعهما المكان، وتفرقهما الظروف التاريخية، بينما يظل الجمال هو اللغة المشتركة بينهما.

السلطان حسن عندما أراد المملوك أن يبني ما يليق بعظمة مصر.
د. فاروق شرف يكتب: مصر… حيث تنبض الحجارة بالحياة (4) قلعة صلاح الدين

في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، وتحديدًا بين عامي 1356 و1363م.

أقام السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون مسجده ومدرسته في ميدان صلاح الدين.

ليخرج إلى القاهرة واحد من أضخم وأعظم المنشآت الدينية والتعليمية في العمارة المملوكية.

وتؤكد وزارة السياحة والآثار أنه كان مسجدًا ومدرسة للمذاهب الفقهية الأربعة، يضم أربعة إيوانات حول صحن أوسط، مع مرافق لإقامة الطلاب وخدماتهم.

ولكن تخيلوا القاهرة في ذلك الزمن.

لا سيارات، ولا أبراج، ولا ضوضاء المدينة الحديثة.

كان الزائر يقترب من البناء، فتظهر أمامه كتلة معمارية شاهقة، تفرض حضورها على المكان.

وتعلن منذ اللحظة الأولى أن ما أمامه ليس مسجدًا عاديًا، وإنما مشروع حضاري يجمع العبادة والعلم والإقامة والخدمة في منظومة واحدة.

وكان المدخل المهيب يقود الإنسان تدريجيًا من صخب الخارج إلى سكينة الداخل؛ ثم ينفتح أمامه الصحن الفسيح، تحيط به الإيوانات الأربعة، وقد خُصص كل منها لتدريس أحد المذاهب السنية الأربعة.

وفي أركان هذا الصرح كانت المدارس وخلاوي الطلاب، لتصبح العمارة نفسها مؤسسة علمية متكاملة.

بين السلطان حسن والرفاعي قديما
بين السلطان حسن والرفاعي قديما

وهنا تكمن عبقرية العمارة الإسلامية.

فالمعماري لم يكن يفكر في الحجر باعتباره مادة للبناء فقط، وإنما كان يصنع تجربة إنسانية؛ انتقالًا من الخارج إلى الداخل، ومن الضوضاء إلى السكينة، ومن اتساع المدينة إلى رحابة الصحن، ومن هيبة الحجر إلى خشوع العبادة.

وقد بلغت الصناعة الفنية فيه درجة مذهلة، فالحجر المنحوت، والرخام، والمقرنصات، والزخارف، والأخشاب، والكتابات، كلها تعمل معًا في سيمفونية واحدة.

وتصف محافظة القاهرة المسجد بأنه من أكثر آثار القاهرة الإسلامية تناسقًا وانسجامًا، لما جمعه من ضخامة البناء ودقة الصناعة وتنوع الزخارف.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يبقى السلطان حسن، بعد مرور ما يقرب من سبعة قرون، واحدًا من أعظم شواهد العبقرية المعمارية في مصر الإسلامية.

من داخل مسجد ومدرسة  السلطان حسن
من داخل مسجد ومدرسة السلطان حسن

وعلى الجانب الآخر الرفاعي.

ثم دعونا نعبر الزمن أكثر من خمسة قرون…
لنجد أمام السلطان حسن مسجدًا آخر، يبدو وكأنه امتداد بصري له، لكنه ينتمي إلى عصر مختلف تمامًا.
إنه مسجد الرفاعي.
بدأ إنشاء المسجد سنة 1869م بأمر من خوشيار هانم، والدة الخديوي إسماعيل، وأسندت أعماله إلى المهندس حسين باشا فهمي.

وتوقف العمل به لفترات، حتى اكتمل وافتتح في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني سنة 1912م.

وهنا تكمن روعة المشهد.

فالسلطان حسن يمثل ذروة العمارة المملوكية في القرن الرابع عشر، بينما جاء الرفاعي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين متأثرًا بالتراث الإسلامي السابق، وفي الوقت نفسه يحمل سمات عصره ومواد وتقنيات مختلفة.

ولذلك فإن الوقوف بين المسجدين يشبه الوقوف أمام قرنين من تطور الفن والعمارة الإسلامية في مصر.

وفي الرفاعي تتوقف العين طويلًا أمام الواجهة، والأعمدة الضخمة، ودقة التفاصيل والزخارف، ورشاقة المآذن، ثم يدخل الزائر إلى عالم آخر من الرخام والزخارف والقباب والمقامات.

ولم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، فقد أُلحق به مدافن للأسرة العلوية، وأصبح شاهدًا على جانب مهم من تاريخ مصر الحديث، إذ يضم مقابر عدد من أفراد الأسرة الحاكمة، وهو ما أضاف إلى المكان بعدًا تاريخيًا وسياسيًا إلى جانب قيمته الدينية والمعمارية.

لكن… أجمل ما في الحكاية لم يكن حجرًا!

وهنا اسمحوا لي أن أستعيد رجلًا أعتز بذكراه كثيرًا.

الدكتور أحمد قدري رحمه الله، أحد أبرز رجال الآثار في مصر، والذي تولى رئاسة هيئة الآثار المصرية بين عامي 1978 و1988، وارتبط اسمه بمرحلة مهمة من العمل في حماية وترميم الآثار المصرية، ولا سيما الإسلامية منها.

وتذكر مصادر عدة أن عهده شهد مشروعات واسعة في القاهرة التاريخية، من بينها تطوير منطقة السلطان حسن والرفاعي، وإعادة توظيف عدد من المواقع الأثرية وفتحها أمام الجمهور.

وكان من أجمل قراراته وأكثرها تأثيرًا في المشهد العمراني أن أُغلق الطريق الذي كان يمر بين السلطان حسن والرفاعي أمام حركة السيارات.

فتحولت المساحة الفاصلة بين المسجدين من طريق يعبره المرور إلى مجال للمشاة، ومتنزه تراثي وروحي يستمتع فيه الزائر بالمشهد المعماري بعيدًا عن ضجيج السيارات.

وقد كان هذا القرار أكثر من مجرد تنظيم للمرور.

لقد أعاد للمكان هيبته البصرية والروحانية.

فبدل أن يصل الزائر إلى المسجدين وسط أبواق السيارات وعوادمها، أصبح يستطيع أن يمشي بينهما بهدوء، يرفع عينيه إلى الواجهات، ويتأمل تفاصيل الحجر، ويشعر بأن المسجدين يتحدثان معًا عبر الزمن.

وقد أشارت مصادر صحفية وأثرية إلى أن هذه الخطوة كانت من أبرز إسهامات الدكتور أحمد قدري في تحويل المنطقة إلى مزار إسلامي عالمي.

وحكاية أخرى تكشف معدن الرجل.

لم يكن اهتمام الدكتور أحمد قدري بالمباني وحدها، وإنما كان يفكر في الصورة الحضارية للمكان وكيف يراه المصري والزائر الأجنبي.

وتُروى عنه واقعة ذات دلالة كبيرة:

ففي إحدى زياراته لقلعة صلاح الدين، شاهد سيارة ترحيلات تنزل منها مجموعة من السجناء أمام أعين زوار القلعة، وهو مشهد رأى أنه لا يليق بموقع أثري وتاريخي بهذا الحجم.

فلم يتعامل مع الأمر باعتباره مشهدًا عابرًا، وإنما تحرك حتى أُلغي استخدام سجن القلعة كمكان احتجاز، وأصبح الموقع جزءًا من الزيارة الأثرية.

وقد وثقت مصادر تناولت أعماله هذه الواقعة وربطتها بتحويل سجن القلعة إلى مزار مفتوح للجمهور.

وهكذا كان الرجل يرى الأثر بصورة مختلفة.

لم يكن يرى المسجد مجرد جدران، ولا القلعة مجرد حصون، ولا السجن مجرد مبنى؛ كان يرى المشهد الحضاري بأكمله، ويرى أن حماية الأثر تعني أيضًا حماية كرامته وهيبته في عيون الناس.

وبين السلطان حسن والرفاعي تمشي في التاريخ:

واليوم، عندما تقف في المساحة التي تفصل المسجدين، حاول أن تنظر إليهما لا باعتبارهما مبنيين متجاورين، وإنما باعتبارهما صفحتين من كتاب مصر.

صفحة كتبتها يد المماليك في القرن الرابع عشر.

وصفحة أخرى كتبتها مصر الحديثة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وبينهما يقف الإنسان المصري؛ يصلي، ويتعلم، ويتأمل، ويحافظ، ويورث أبناءه ما تركه الأجداد.

وهذا هو سر جمال مصر.

أنها لا تهدم تاريخها لتبني حاضرها، بل تجعل الحاضر يسير بين آثار الماضي، ويتعلم منها، ويضيف إليها.

رحم الله الدكتور أحمد قدري، وكل من أحب آثار مصر وعمل على حمايتها وصونها.

ورحم الله صناع السلطان حسن والرفاعي، وكل يدٍ مصرية وضعت حجرًا، ونقشت زخرفة، ورممت جدارًا، وحافظت على هذا التراث العظيم.

فحين نمشي اليوم بين السلطان حسن والرفاعي، فإننا لا نمشي فوق حجارة صامتة.

نحن نمشي فوق ذاكرة مصر.
حلوة يا بلدي.

شارك المقال: