مقالات
محمد كامل خضري
محمد كامل خضري

طبيب وكاتب

محمد كامل خضري يكتب: هنا القاهرة 1975

لكن آه من بنات القاهرة وكأن آيات الحجاب والآمرة بغض البصر لم تنزل بعد فى الكتاب، كان من العادى جداََ أن تكلمك إحداهن لوسمحت أروح شارع الجيش إزاى

مشاركة:
حجم الخط:

أن تسكن القاهرة وأنت القادم من الريف أو المدن الهادئة فهذا شئ سيجعلك تعيش فى عالم آخر غير عالمك الذى كنت فيه.

القاهرة مدينة نداهة كشأن المدن الكبرى فلو قلت لى وأنا المحب للهدوء هل تستطيع أن تعيش الآن فى منشأك الأول بدون تردد سأقول لك لا لن أستطيع.

فالقاهرة هى جامعة جديدة دخلتها فيها العلم بلاحدود والغنى بلاسقف والفقر بلا ستر تكسب فيها كثيرا وتنفق كثيرا.

وكل ماتريده تجده من لبن العصفور إلى مواخير الفجور ومن مجالس العلماء إلى ندوات الشعراء إلى خلوات الدراويش إلى باطنية الحشيش هكذا كان الحال حين وصلت القاهرة.

القاهرة هى الإنقلاب الذى حدث فى حياتى

كنت أعيش فى مدينة صغيرة مكونها الأكبر هم أهل ريف وسلوكها سلوكهم وإنضباط تلك المجتمعات.

كان يأتى من الوازع الدينى والرقابة المجتمعية التى لاتسمح بالإنفلات إلا فى بؤر سرية لو إنكشفت لتحولت إلى فضيحة.

فى القاهرة لن يحرسك أحد أحرس نفسك ولن يراقبك أحد إلا ضميرك.

كانت الحياة رخيصة لكن كانت العملة عزيزة، كنت أعيش فى مدينة من أولها لآخرها أستطيع أن “ألفها” فى ساعة زمن.

لكن القاهرة شئ مختلف لم أستوعب معظمها إلا عندما أشتريت سيارة بعدها بسنين.

كنت أتمشى من شقتنا على أقدامى حتى بداية مترو عبد العزيز فهمى الذى كان يقطع مصر الجديدة فى المنتصف جميلة ومبهرة.

مروراََ بميدان المحكمة وميدان روكسي وصولا إلى ميدان رمسيس ، كان المترو ذو الكراسى الجلدية الجميلة.

الركاب الشيك والراكبات الحسناوات يتسكع والكمسارى يتنطط من عربة لعربة والتذكرة بقرش صاغ وتقريبا لا وقوف داخله من قلة الأعداد.

كنت أحب روكسي ومازلت فهى شئ جميل والمحلات فى شارع إبراهيم اللقانى وتدفق السيارات الذى لاينقطع فى الميدان.

الفرجة على المحلات كانت متعتى فى بلد أكاد لاأعرف فيها أحد، واجهات محلات وفتارين وأضواء مبهرة.

كنت أتنزه أنا والقروش التى فى جيبى وعندما يحاصرنى أحد الشباب الذين يقفون أمام المحلات لإغراء الزبائن للدخول:

إتفضل، أدخل عندنا حاجات حلوة جوه.

أتركه إلى محل آخر حتى محل الورد الذى مازال موجودا فى الميدان ومازال حتى الآن كان مبهراً فى إعداد البوكيهات.

كان يستوقفنى وأنا القادم من بلاد الورد فيها مزروع على المشاع فى الحدائق العامة,

لكن لم نكن نشتريه لنهديه لأحد كنا نقرأ عن ذلك فى بيوت الشعراء وفى القصص الرومانسية ونسمعه فى أغانى المطربين.

وآخر رومانسيتنا أن نعزم المحبوب على شوب عصير قصب من أبو قرشين فى لحظات مختلسة وبالمصادفة!

وتاخد لك ساتر وأنت بتشرب أو تعطى ضهرك للشارع !

لكن آه من بنات القاهرة وكأن آيات الحجاب والآمرة بغض البصر لم تنزل بعد فى الكتاب، كان من العادى جداََ أن تكلمك إحداهن لوسمحت أروح شارع الجيش إزاى ؟!

فى مدينتنا تلك كنا لانرى البيض الحسان أو الشقراوات إلا فى فصل الشتاء مع أفواج السياح وطلاب الجامعات فى رحلات نصف العام.

فالكلام مع النسوة ممنوع ولو معك أمك أو أختك لاتمشى بجوارها ولكن تسبقها بخطوات.

أما فى روكسي فهنا العاصمة وبؤرة الجمال والأرستقراطية والثروة ودرة التاج فى مشروع البارون إمبان.

كانت نزهتى المسائية عندما كنت أعيش وحيدا فى القاهرة فى الأجازات بلا صديق أعرفه.

كنت أحيانا أكمل حتى ميدان رمسيس وأتمشى فى شارع 26 يوليو وشارع سليمان وشارع قصر النيل كنت أحيانا أدخل السينما، مترو، ديانا.

كانت التذكرة فى حدود الستة قروش كرسى معقول يتحرك حول محور ينغلق تلقائيا إذا قمت من فوقه.

فى بلدى كانت السينما هى السيما الصيفى التى تتغطى بقماش الخيام فى الشتا كأنها خيمة كبيرة.

والكراسي لم تكن موجودة فى درجتى المفضلة بل هى كرويتة خشب طويلة تسع من خمستاشر لخمسة وعشرين متفرج.

وسع شوية ياكابتن خدنى جنبك ياوحْش (بمعنى ياأسد)

وكثيرا ماكانت تحدث خناقات بسبب قشر اللب الذى يلزق فى قفاك.

كان بعض الزملاء يدخلون الفيلم (مراهقين) كذا مرة من أجل مشهد ساخن، الآن المشاهد الساخنة فى موبايلاتنا ولذا أفضل تربية الأبناء بالإقناع لابالدراع.

محلات وسط البلد كانت أكثر شعبية وأقل أسعارا عنها فى روكسي ولكن شارع الشواربى كان حكاية خاصة يحتكر تجارة المستورد فى بلد منغلق تماما على الإستيراد!

أما العتبة وشارع الموسكى فكانا الصخب الدائم فزحام الأتوبيسات لاينقطع والناس تجرى تتسابق حتى تجد لها موضع قد.

الأتوبيسات تمشى مائلة على جنبها من كتر المتسلقين على الأبواب والتحرش داخلها إجبارى.

والكمسارى كان يصر أن يحصل منهم التذاكر حتى لو إضطر للنزول إليهم فى بحر الشارع، اللى هناك: إبعت تذكرة، والأستاذ أبوبلوفر أحمر، إبعت .

كانت جولتى تنتهى بلفة حول سور الأزبكية حيث بائعى الكتب القديمة والكتب الرخيصة والإصدارات الشعبية.

الوحيد الذى كان يأتمن الزبون هو بائع الكتب فمعظمهم كانوا مثقفين تسأله عن كتاب بعينه أو كاتب يجيبك عند فلان.

المثقفون دوما لا يسرقون الكتب يمكن أن يستعير أحدهم كتابا ولايرده إليك هذا عادى لكنى لم أشاهد يوما فى معارض الكتب لصا متلبساً بسرقة كتاب.

القاهرة شئ مختلف فهى السنفرة التى حكت عقلى والعصف الذى إتقد فى ذهنى.

أن تصادف شخصا من نجوم المجتمع ممن كنت تقرأ عنهم وترى صورهم فى الصحف أو المجلات، أو تقرأ لهم مصادفة فى شوارع القاهرة فهذا شئ عادى بعد أن كانوا بالنسبة لى شخصيات إفتراضية وهمية.

وقد تنتهى الجولة بساندوتش فول وساندويتش فلافل فيه قرص الطعمية بحجم أقل قليلا من حجم الرغيف الأبيض الذى فيه الساندوتش والأسعار كانت القرش والقرشان من عند التابعى أو آخر ساعة.

وأعود قبل أن تنتهى المواصلات العامة قبل منتصف الليل حاملاً فى يدى جريدة الأهرام أو الأخبار التى تصدر فى اليوم التالى وقد إلتقطت فى الذاكرة مئات الصور وعشرات المواقف !

 

شارك المقال: