إبداع
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات، يكتب همس الماتريوشكا (2-2)

كنت أبتاع البسكويت "الويفر" لـ"كرملة" ولصغيرها بشكل منتظم من كانتين مدرستي، متسائلة عما غيّب أمهما من هذا المشهد، حتى كان ذلك اليوم الذي انغلق فيه تمامًا باب غرفتهما.

مشاركة:
حجم الخط:

تقول سلمى:

«كنت في المدرسة الثانوية حين اكتشفت أن في جراج ذلك المبنى المقابل لبيتنا غرفة صغيرة تسكنها طفلة لها ست سنوات من العمر، ولها وجه بدر البدور، ولها أخ أصغر بساقين تنتهيان بلا قدمين.

قضيت شهورًا أراقب “كرملة” ذات السنوات الست، بينما تعلم صغيرها -بدأب لا تعرفه إلا الأمهات- أن يمرح دون قدمين، وتتعلم معه أن تتنمر في وجه أطفال الحي ممن يسخرون من القدمين اللتين لم ينبتهما الله، لسبب لا ندريه.

كنت أبتاع البسكويت “الويفر” لـ”كرملة” ولصغيرها بشكل منتظم من كانتين مدرستي، متسائلة عما غيّب أمهما من هذا المشهد، حتى كان ذلك اليوم الذي انغلق فيه تمامًا باب غرفتهما..

لكني ظللت أتابع شراء “الويفر” وأكدسه تحت “عقب” باب الغرفة المغلق، حتى انسدت الفرجة الصغيرة بأكوام الويفر التي لا يأكلها أحد…»

هي مأساة التهميش والفقد والانسحاق، ومحاولة المساندة والتعاطف، ثم النهاية بالغياب والاختفاء، وأكوام من الويفر الذي لن يأكله أحد، رمزية متكدسة تثير الكثير والكثير من أدوات الاستفهام…

ثم يأتي الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان «ماتريوشكات من هنا… ماتريوشكات من هناك»، وهي تلامس قضايا المرأة من خلال عروض كتب وأفلام سينمائية، محورها دائمًا بطلة من بنات حواء.

كيف أن بعض الأنشطة اليومية للنساء تفوق -في الواقع- تلك المؤتمرات النسوية الفارهة، كالواشمة البريطانية «التي كرست موهبتها في دق الوشوم الملونة للنساء اللاتي فقدن بعض انحناءات أنوثتهن بسبب سرطان الثدي»

واليهوديات العجائز اللاتي خلدن ذكرى أسر مسلمة عربية وفارسية قمن بإنقاذ أطفال ونساء يهوديات من نيران الهولوكوست النازي، بإقامة معارض صور لتلك الأسر المسلمة في أنحاء الولايات الأمريكية.

وكيف أن تنظيم «طنط فرحة» للجمعية، ومن تقبض أولًا لحل مشكلتها، أكثر جدوى بكثير من تنظيم أفخم الفعاليات النسوية في أروقة الأمم المتحدة.

محمد فرحات يكتب: حكاية الألم الذي يرفض الصمت

محمد فرحات يكتب: قراءة في همس الماتريوشكا (1)

يذكرني هذا بترجيع صوت رخيم لـ«مدام فيمنست»:

«صدقيني، ومن منظور نسوي، فإن أنشطتنا اليومية التي نمارسها كنساء وأمهات هي عين الحقيقة وأصل الأشياء، ومحاولة تسفيهها أو التقليل من شأنها، في مقابل تعظيم انخراط النساء في الحياة العامة، هو شأن أبوي ذكوري كما ينبغي للأبوية والذكورية أن تكونا!»
«نابروجادا»، رواية، سلمى أنور، 2014.

التشيلية إيزابيل الليندي، الكاتبة العجوز الشقية، وإبحار شيق جدًا في كتابها «أفروديت»، ووصفات أفروديت السحرية عن الطعام والحميمية في لوحة إيروتيكية شهية، لتقرر في النهاية وضع كتاب «أفروديت» في مقدمة خطة قراءتك المقبلة.

آخر إنتاج سينمائي سوفيتي مصري عام 1991 لفيلم «بيت من لحم»، قصة يوسف إدريس، وإبراز الخلاف البين بين رؤية يوسف إدريس والمخرج أشرف فهمي للجنس والمرأة والصمت الموروث عن الشهوة وأحاديثها.

ففي نص يوسف إدريس:

«كان الرجل الكفيف متواطئًا بدوره، يعرف أن النسوة الأربع يتبادلن الخاتم بين أصابعهن، كي يظفرن بذات الشبع الجسدي، بعد أن يئسن بفقرهن وقبحهن من الزواج…»

رؤية مغايرة تمامًا للفيلم، الذي يضع الزوج في خانة المغرر به، المستغل من قبل النسوة، اللاتي يستغللن عماه لإشباع رغباتهن اليائسة من الإشباع إلا بهذه الطريقة.

ليست كل بطلات التاريخ طيبات، فهناك ساحرات شريرات، وهناك ريا وسكينة، وأيضًا هناك إلسا كوخ.

وقصة صعودها من طبقة العمال الفقيرة إلى أعلى مناصب الحزب النازي، وزوجة ضابط نازي تقلد إدارة معسكر «بوخنفالد»، والتي ستُعرف بوصفها «عاهرة بوخنفالد»، حيث كانت تجوب بحصانها المعسكر شاهِرة سوطها، بسادية مفرطة، تجلد من تشاء، وتضاجع من تشاء تحت ضربات السياط أيضًا، وتسلخ فروات الرؤوس لتصنع بها أغطية لأباجوراتها، وتضع جماجم عشاقها السجناء في أركان وزوايا منزلها المرعب، وتكدس هي وزوجها الثروات بخلع أسنان آلاف المعتقلين الذهبية.

يحاكمها النازيون أنفسهم، ثم تُبرأ لعدم كفاية الأدلة، ثم تُحاكم دوليًا بعد سقوط النازية، ويُحكم عليها بالسجن مدى الحياة، ليجدوها في أحد صباحات عام 1967 منتحرة شنقًا في غرفة سجنها.

تتحدث سلمى عن «ليبوريلا»، المعادل النسوي لـ«ليبوريل» قواد «دون جوان» في أوبرا «مخادع إشبيلية» الإسبانية،

ورواية بعنوان «ليبوريلا» للنمساوي اليهودي ستيفان زفايج، وهي القوادة القبيحة ذات الصوت الذي يشبه صوت الحمار، للنبيل المفلس الواقع تحت سطوة زوجته المعيرة له بإفلاسه المزمن.

وبورق الشيكولاتة، ودغدغة عواطفها المكبوتة، تقع في عشقه، تكتفي فقط برؤية نشوته وسعادته صباح ليلة حمراء مع واحدة ممن جلبتهن له، ثم تتطوع بقتل زوجته لتخلص حبيبها من أزمته، راجية نظرة رضا أو كلمة امتنان منه، لتنتحر إثر تنكره لها.

تقول سلمى:
«ربما لم تزد “ليبوريلا” على كونها قوادة قبيحة بصوت يشبه صوت الحمار، لكنه يصعب أن يتمالك الواحد منا إشفاقه على ذلك الكيان الذي لا خلاف على أنه كان، في جوهره، امرأة عاشقة… وإن على طريقتها المضطربة.»

وتقول سلمى أيضًا:

«يقولون إن بعض الأرواح تتربص بأصحاب البحث وأرباب الكتابة، داعية إياهم لإعادة النبش في أوراقهم، وإعادة خط تاريخهم، إنصافًا أو توضيحًا أو عطفًا على كل ما قيل…»

وهكذا تتبعت روح الأميرة الأميرة ديانا سلمى، لتنصفها وتحكي عن ظروف نشأتها القاسية، وكيف عانت «أميرة القلوب»، وكيف كسر قلبها بفعل زوج خائن قاسٍ هو الأمير ، الملك حاليًا، تشارلز الثالث، وكيف فقدت كل من أحبتهم، وكيف حاولت الانتحار…

وتحكي سلمى عن ضريح الآغا خان، ليحكي بدوره من فوق ربوة صخرية مطلة على نيل أسوان، حكاية السلطان محمد شاه، الإمام الثاني والأربعين لطائفة الشيعة الإسماعيلية النزارية، الوريث الشرعي للدولة الفاطمية وكنوزها، وكيف وقع في عشق بائعة الورود الفرنسية، وكيف دُفن في مصر، وعن رحلة زوجته السنوية في قارب شراعي لتضع على ضريحه وردة حمراء، هكذا منذ وفاة السلطان عام 1957 وحتى وفاتها عام 2000، لتُدفن بجواره، ولتنسج الأساطير على ألسنة بنات أسوان.

هكذا تنساب حكايات سلمى أنور، تتحدث عن أعمق المشاعر الإنسانية وأصدقها من غير تقعّر، وبدون تلك اللغة الخشبية والحنجورية النسوية التي وقعت فيها الكثيرات ممن سبقنها أو يعاصرنها، لتعبر سلمى بذلك حدود النسوية إلى رحابات الإنسانية الواسعة، وتوجه بوصلتها منحازة بكتابها لكل ما هو إنساني، وإن راق للبعض أن يصنفوه نسويًا.

شارك المقال: