محمد فرحات يكتب: نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (3) أولاد حارتنا
لعل ما يمنح «أولاد حارتنا» خلودها أن نجيب محفوظ لم يكتب رواية عن حارة مصرية بل كتب رواية عن العالم كله؛ عالم تتبدل فيه أسماء الفتوات وناظر الوقف وأصحاب الرسالة

الكاتب الكبير نجيب محفوظ (وسائل التواصل)
عرفة وسقوط الوهم حين يتحالف العلم مع رأس المال
لم تُثر رواية «أولاد حارتنا» الجدل بسبب رمزيتها الدينية فحسب، بل لأنها تجاوزت حدود زمانها، وطرحت أسئلة الإنسان الكبرى في صورة عمل روائي بالغ الإحكام.
فالرواية ليست إعادةً لسرد التاريخ المقدس، ولا إسقاطًا مباشرًا على شخصياته، بقدر ما هي رحلة في تاريخ الوعي الإنساني، تتعقب محاولاته المتعاقبة للانتصار على الظلم؛ منذ الإيمان بالرسالة، مرورًا بالثورة على الاستبداد، وانتهاءً بالرهان على العلم الحديث باعتباره المخلِّص الجديد.
وقد اعتاد كثير من النقاد قراءة الرواية من زاوية رموزها الدينية وحدها، بينما تبدو، في تقديري، أوسع من ذلك بكثير
فهي نص فلسفي يستشرف مصير الحضارة الإنسانية، ويطرح سؤالًا لا يزال مفتوحًا حتى اليوم: هل يستطيع العلم أن يرث الرسالة الأخلاقية، أم أنه يتحول، إذا انفصل عنها، إلى قوة جديدة في خدمة الهيمنة؟
ومن هذا المنطلق، أحاول في هذه القراءة تتبع مسار “عرفة” لا بوصفه رمزًا للعلم فحسب، وإنما بوصفه ذروة المشروع الإنساني في البحث عن الخلاص.
فمن خلال صعوده، وتحالفه مع السلطة، ثم سقوطه ومراجعته لأفكاره، يكشف نجيب محفوظ عن أزمة الإنسان المعاصر، ذلك الإنسان الذي امتلك أسباب القوة أكثر من أي عصر مضى، لكنه لم ينجح، بالقدر نفسه، في بناء عالم أكثر عدلًا أو أكثر سعادة.
محمد فرحات يكتب: نجيب محفوظ حين تتحول الرواية إلى نبوءة (2)
ولعل ما يمنح «أولاد حارتنا» خلودها أن نجيب محفوظ لم يكتب رواية عن حارة مصرية
بل كتب رواية عن العالم كله؛ عالم تتبدل فيه أسماء الفتوات وناظر الوقف وأصحاب الرسالة، بينما يبقى الصراع بين القوة والعدل، وبين المعرفة والضمير، هو الصراع نفسه الذي يتكرر في كل زمان ومكان.
غاصت «أولاد حارتنا» في بحر من الرموز والعناصر التاريخية التي تجسد مقاطع من أحداث التاريخ الكبرى، أحداث لم تفقد تأثيرها حتى اللحظة التي نعيشها.
ولعل سر خلود الرواية أنها لم تُكتب لتؤرخ للماضي، بقدر ما كُتبت لتقرأ المستقبل، حتى بدا كثير من أسئلتها أكثر إلحاحًا في القرن الحادي والعشرين مما كانت عليه عند صدورها عام 1959.
ما بين الانتظار والمبادرة من جبل إلى عرفة
تدور الرواية بين مسارين متوازيين، أولهما انتظار الحلول المستوحاة من الغيب للقضاء على شرور العالم، وما تراكم فيه من آفات لم يُفلح في اجتثاثها، ولو مؤقتًا، سوى تجارب «جبل» و«رفاعة» و«قاسم».
غير أن هذه التجارب، مع مرور الزمن، انتهت إلى انتكاسات كبرى، عكست ما فُطر عليه الإنسان من نزوع إلى الشر، ورغبة لا تنتهي في الامتلاك، وحرمان الآخرين مما وقع في حوزتهم بالقوة الغاشمة، المتحللة من كل قيمة علوية أو معيار أخلاقي.
ويقابلهما المسار الثاني، وهو المبادرة باقتحام ما اكتفى الآخرون بانتظاره
إنها تجربة «عرفة» التي كانت بدايتها الشك في وجود من ظل أهل الحارة ينتظرونه وتتغنى بذكره الربابة. لذلك اقتحم عرفة ذلك «البيت الكبير» ليتحقق بنفسه من وجود «الجبلاوي».
لكن المفارقة أن عرفة، في نهاية المطاف، يتحالف مع من حاربه من قبل، ويستبطن الكراهية ذاتها التي حملها السابقون، وتتملكه الرغبة في اجتثاثهم جميعًا.
ثم لا يلبث أن تجتاحه مشاعر الذنب والإحباط حين يتيقن أنه كان سببًا في موت الجبلاوي، غير أن هذه المشاعر سرعان ما تتراجع أمام رغبته الجامحة في أن يحل محل القوة الغيبية نفسها، ممثلة في الجبلاوي.
«إن كلمةً من جدنا كانت تدفع الطيبين من أحفاده إلى العمل حتى الموت، موته أقوى من كلماته، إنه يوجب على الابن الطيب أن يفعل كل شيء، أن يحل محله، أن يكونه… أفهمت؟!»
ومع صرخات شكرون المدوية:
“يا جبلاوي، حتى متى تلازم الصمت والاختفاء؟! وصاياك مهملة، وأموالك مضيعة، أنت في الواقع تسرق كما يسرق أحفادك يا جبلاوي!
يا جبلاوي، ألا تسمعني؟ ألا تدري بما حل بنا؟ لماذا عاقبت إدريس، وكان خيرًا ألف مرة من فتوات حارتنا؟!”
تتضح أمام عرفة خطته الكبرى:
إحلال قوة محل أخرى، فما دامت القوة القديمة قد غابت، ولم تعد تتدخل إلا في لحظات استثنائية من التاريخ، فلا بد أن تتصدر المشهد قوة جديدة، هي «سحر عرفة» المعادل الرمزي للعلم الحديث، بما يحمله من ثقة لا تعرف الحدود، وغرور بقدرات تبدو قادرة على تفسير كل شيء والسيطرة على كل شيء.
غير أن محفوظ يطرح السؤال الذي لم يفقد راهنيته حتى اليوم:
هل يستطيع العلم وحده أن يحقق الخلاص، أم أنه سيكرر، بصورة مختلفة، الإخفاقات التي انتهت إليها التجارب السابقة؟
إن السؤال نفسه ما زال يحاصر عالمنا المعاصر.
فكلما حقق العلم قفزة هائلة، ازداد الإنسان قدرة على السيطرة على الطبيعة، لكنه لم يصبح، بالضرورة، أكثر عدلًا أو رحمة. بل إن القرن الذي شهد أعظم الاكتشافات العلمية كان أيضًا من أكثر القرون امتلاءً بالحروب والإبادات وأشكال الهيمنة الجديدة.
وكأن محفوظ كان يلمح، منذ وقت مبكر، إلى أن الأزمة ليست في قوة العلم، بل في اليد التي تمتلكه، والغاية التي يُسخَّر من أجلها.
العلم في قبضة رأس المال
يستطيع عرفة، بقوته السحرية؛ أو بمعادلها الرمزي العلم الحديث، أن يقضي على فتوات الحارة، رموز القوة الغاشمة، المتحالفة مع قوة رأس المال المتوحشة، ممثلة في ناظر الوقف، الذي ظل يراقب تجربة عرفة بمكر ودهاء.
ولم يكن الناظر معنيًا بانتصار العلم في ذاته، وإنما بقدرته على توظيفه لخدمة مصالحه، وهكذا التقت رغبة عرفة في القضاء على الفتوات، برغبة ناظر الوقف في الانفراد بريع الوقف والسيطرة المطلقة على الحارة.
غير أن المفارقة التي يصوغها نجيب محفوظ ببراعة أن عرفة، الذي ظن أنه يمتلك زمام القوة، سرعان ما يقع أسيرًا لمن ظن أنه يستخدمه. وهنا تبلغ الرمزية ذروتها؛ فالعلم لا يتحالف مع رأس المال فحسب، بل يخضع له، ويصبح أداة في يده.
ولعل هذه من أكثر الرؤى استشرافًا في الرواية؛ إذ كتب محفوظ «أولاد حارتنا» عام 1959، في ذروة الصراع بين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية، بينما يبدو عالم اليوم أقرب ما يكون إلى الصورة التي رسمها
حيث أصبحت المعرفة ذاتها سلعة، والدواء سلعة، والتكنولوجيا سلعة، وحتى الذكاء الاصطناعي بات ميدانًا للتنافس بين الشركات العملاقة، قبل أن يكون وسيلة لخدمة الإنسان.
لم يعد السؤال: من ينتج العلم؟ بل: من يملك نتائجه؟ ومن يملك حق الانتفاع بها؟
ومن هنا لم تُسخَّر قدرات عرفة لصالح فقراء الحارة، كما كان يحلم، وإنما صارت في خدمة السيد الأوحد، المتحكم في مقدراتها، والمستأثر وحده بريع الوقف. وكأن محفوظ كان يستشرف، قبل عقود طويلة، عالمًا أحادي القطب، تتكدس فيه الثروة والمعرفة في يد قلة، بينما تتسع دائرة الحرمان.
حين يعجز العلم أمام الموت
لكن العلم، على جبروته، يقف عاجزًا أمام السؤال الأكبر: الموت.
هنا ينتقل محفوظ من نقد الواقع الاجتماعي إلى التأمل الفلسفي في حدود المعرفة الإنسانية.
فالعلم يستطيع أن يطيل العمر، وأن يهزم أمراضًا كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يقتلع الموت من جذوره، ولا أن يمنح الإنسان يقينًا يتجاوز حدود المادة.
وفي الحوار الكاشف بين عرفة وناظر الوقف تتجلى هذه الحقيقة في أبهى صورها:
– لماذا نموت يا عرفة؟
فرمقه بكآبة ولم ينبس، فأردف الآخر:
حتى الجبلاوي مات.
كأن إبرة انغرزت في قلبه، لكنه قال:
– كلنا أموات وأبناء أموات.
فقال في ضجر:
– لست في حاجة إلى تذكيري بما قلت.
– ليطل عمرك يا سيدي.
– طال أو قصر، فالنهاية هي تلك الحفرة التي تعشقها الديدان.
فقال عرفة برقة:
– لا تدع الأفكار تكدر صفوك.
– إنها لا تفارقني… الموت… الموت… دائمًا الموت، يجيء في أي لحظة، ولأتفه الأسباب، أو بلا سبب على الإطلاق. أين الجبلاوي؟ أين الذين تتغنى بأعمالهم الربابة؟ هذا قضاء ما كان ينبغي أن يكون.»
في هذا الحوار ينهار وهم السيطرة المطلقة.
فالرجل الذي امتلك السلطة والثروة، واستحوذ على العلم، يقف مذعورًا أمام النهاية نفسها التي يواجهها أفقر سكان الحارة.
وهنا يضع محفوظ الجميع على أرض واحدة؛ حيث تتساوى القوة والعجز، والغنى والفقر، أمام الحقيقة التي لا يستطيع العلم إلغاءها.
ولعل هذا هو السبب الذي يدفع عرفة إلى مراجعة مشروعه كله. فبعد أن ظن أن الخلاص يكمن في القوة والمعرفة وحدهما، يعود ليبحث عن معنى آخر للحياة، وعن العدالة التي أهملها منذ البداية.
وليس من قبيل المصادفة أن يحدث هذا التحول بعدما يكتشف أن التقدم العلمي، إذا انفصل عن العدالة الاجتماعية، لا يزيل الشقاء، وإنما قد يعيد إنتاجه في صورة أكثر تعقيدًا.
فالفقراء يظلون فقراء، لكن أدوات السيطرة تصبح أكثر تطورًا، ويغدو الاحتكار أكثر إحكامًا، ويصبح الوصول إلى ثمار العلم امتيازًا تمنحه القدرة على الدفع، لا حقًا يكفله الانتماء إلى الإنسانية.
ومن هنا يبدأ عرفة رحلته الثانية؛ لا رحلة البحث عن القوة، وإنما رحلة البحث عن العدل.






